القائمة الرئيسية

الصفحات

رسالة من كتاب رسائل الامام الرضا عليه السلام الى المنتظرين

 


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

 


 رسالة من كتاب رسائل الامام الرضا عليه السلام الى المنتظرين 

 

 الرسالة الاولى 

الإمام الأنيس الرفيق، والوالد الشفيق

الحديث

في اصول الكافي للشيخ الكليني حديث في الإمام وصفاته اورده في باب الحجة من المجلد الاول (باب نادر جامع في فضل الامام وصفاته)

وهو بالحقيقة منظومة معرفية ودورة عقائدية تستحق التوقف الطويل عندها والاستفادة من امهات مسائلها واستكشاف مسؤوليات الامامة ومسؤوليات الامة اتجاه الإمام وحقوقه ولكن اولا الحديث يحتاج إلى متخصصين في المعارف الالهية لاستكشاف بعض معارفه والامر الثاني ان هذه الرسائل كتبت على نحو الاشارة التي تذكرنا بإمام زماننا عجل الله فرجه.

وعلى هذا سنقف على بعض المسائل المستفادة من ظاهر بعض الفاظ الحديث المبارك.

 

المسائل

المسألة الاولى: نص الحديث

المسألة الثانية: الامامة بالنص

المسألة الثالثة: ان صفات الإمام توقيفية

المسألة الرابعة: الامامة في نظام التشريع

المسألة الخامسة: لا يوجد منه بدل ولا له مثل ولا نظير

 

المسألة الاولى: نص الحديث

في كتاب الكافي بعنوان (باب نادر جامع في فضل الامام وصفاته)عن عبدالعزيز بن مسلم قال: كنا مع الرضا عليه السلام بمرو فاجتمعنا في الجامع يوم الجمعة في بدء مقدمنا فأداروا أمر الامامة وذكروا كثرة اختلاف الناس فيها، فدخلت على سيدي عليه السلام فأعلمته خوض الناس فيه، فتبسم عليه السلام ثم قال: يا عبدالعزيز جهل القوم وخدعوا عن آرائهم، إن الله عزو جل لم يقبض نبيه صلى الله عليه وآلة حتى اكمل له الدين وأنزل عليه القرآن فيه تبيان كل شيء، بين فيه الحلال والحرام، والحدود والاحكام، وجميع ما يحتاج إليه الناس كملا، فقال عزول: " ما فرطنا في الكتاب من شيء " وأنزل في حجة الوداع وهي آخر عمره صلى الله عليه وآلة: " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا " وأمر الامامة من تمام الدين، ولم يمض صلى الله عليه وآلة حتى بين لامته معالم دينهم وأوضح لهم سبيلهم وتركهم على قصد سبيل الحق، وأقام لهم عليا عليه السلام علما وإمام وما ترك [لهم] شيئا يحتاج إليه الامة إلا بينه، فمن زعم أن الله عزو جل لم يكمل دينه فقد رد كتاب الله، ومن رد كتاب الله فهو كافر به.

هل يعرفون قدر الامامة ومحلها من الامة فيجوز فيها اختيارهم، إن الامامة أجل قدرا وأعظم شأنا وأعلا مكانا وأمنع جانبا وأبعد غورا من أن يبلغها الناس بعقولهم، أو ينالوها بآرائهم، أو يقيموا إماما باختيارهم، إن الامامة خص الله عز وجل بها إبراهيم الخليل عليه السلام بعد النبوة والخلة مرتبة ثالثة، وفضيلة شرفه بها وأشاد بها ذكره، فقال: " إني جاعلك للناس إماما " فقال الخليل عليه السلام سرورا بها: " ومن ذريتي " قال الله تبارك وتعالى: " لا ينال عهدي الظالمين ". فأبطلت هذه الآية إمامة كل ظالم إلى يوم القيامة وصارت في الصفوة ثم أكرمه الله تعالى بأن جعلها في ذريته أهل الصفوة والطهارة فقال: " ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين * وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين ".

فلم تزل في ذريته يرثها بعض عن بعض قرنا فقرنا حتى ورثها الله تعالى النبي صلى الله عليه وآلة، فقال جل وتعالى: " إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين " فكانت له خاصة فقلدها صلى الله عليه وآلة عليا عليه السلام

بأمر الله تعالى على رسم ما فرض الله، فصارت في ذريته الاصفياء الذين آتاهم الله العلم والايمان، بقوله تعالى: " قال الذين اوتوا العلم والايمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث " فهي في ولد علي عليه السلام خاصة إلى يوم القيامة، إذ لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وآلة فمن أين يختار هؤلاء الجهال.

إن الامامة هي منزلة الانبياء، وإرث الاوصياء، إن الامامة خلافة الله وخلافة الرسول صلى الله عليه وآلة ومقام أمير المؤمنين عليه السلام وميراث الحسن والحسين عليهما السلام إن الامامة زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا وعز المؤمنين، إن الامامة أس الاسلام النامي، وفرعه السامي، بالأمام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، وتوفير الفيء والصدقات، وإمضاء الحدود والاحكام، ومنع الثغور والاطراف. الامام يحل حلال الله، ويحرم حرام الله، ويقيم حدود الله، ويذب عن دين الله، ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة، والموعظة الحسنة، والحجة البالغة، الامام كالشمس الطالعة المجللة بنورها للعالم وهي في الافق بحيث لا تنالها الايدي والابصار.

الامام البدر المنير، والسراج الزاهر، والنور الساطع، والنجم الهادي في غياهب الدجى وأجواز البلدان والقفار، ولجج البحار، الامام الماء العذب على الظماء والدال على الهدى، والمنجى من الردى، الامام النار على اليفاع، الحار لمن اصطلى به والدليل في المهالك، من فارقه فهالك، الامام السحاب الماطر، والغيث الهاطل والشمس المضيئة، والسماء الظليلة، والارض البسيطة، والعين الغزيرة، والغدير والروضة.

الامام الانيس الرفيق، والوالد الشفيق، والاخ الشقيق، والام البرة بالولد الصغير، ومفزع العباد في الداهية النآد الامام أمين الله في خلقه، وحجته على عباده وخليفته في بلاده، والداعي إلى الله، والذاب عن حرم الله.

الامام المطهر من الذنوب والمبرأ عن العيوب، المخصوص بالعلم، المرسوم بالحلم، نظام الدين، وعز المسلمين وغيظ المنافقين، وبوار الكافرين.

الامام واحد دهره، لا يدانيه أحد، ولا يعادله عالم، ولا يوجد منه بدل ولا له مثل ولا نظير، مخصوص بالفضل كله من غير طلب منه له ولا اكتساب، بل اختصاص من المفضل الوهاب. فمن ذا الذي يبلغ معرفة الامام، أو يمكنه اختياره، هيهات هيهات، ضلت العقول، وتاهت الحلوم، وحارت الالباب، وخسئت العيون وتصاغرت العظماء، وتحيرت الحكماء، وتقاصرت الحلماء، وحصرت الخطباء، وجهلت الالباء، وكلت الشعراء، وعجزت الادباء، وعييت البلغاء، عن وصف شأن من شأنه، أو فضيلة من فضائله، وأقرت بالعجز والتقصير، وكيف يوصف بكله، أو ينعت بكنهه، أو يفهم شيء من أمره، أو يوجد من يقوم مقامه ويغني غناه، لا كيف وأنى؟ وهو بحيث النجم من يد المتناولين، ووصف الواصفين، فأين الاختيار من هذا؟ وأين العقول عن هذا؟ وأين يوجد مثل هذا؟! أتظنون أن ذلك يوجد في غير آل الرسول محمد صلى الله عليه وآلة كذبتهم والله أنفسهم، ومنتهم الاباطيل فارتقوا مرتقا صعبا دحضا، تزل عنه إلى الحضيض أقدامهم، راموا إقامة الامام بعقول حائرة بائرة ناقصة، وآراء مضلة، فلم يزدادوا منه إلا بعدا، [قاتلهم الله أنى يؤفكون] ولقد راموا صعبا، وقالوا إفكا، وضلوا ضلالا بعيدا، ووقعوا في الحيرة، إذ تركوا الامام عن بصيرة، وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين.

رغبوا عن اختيار الله واختيار رسول الله صلى الله عليه وآلة وأهل بيته إلى اختيارهم والقرآن يناديهم: " وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون " وقال عز وجل: " وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم وقال: " ما لكم كيف تحكمون * أم لكم كتاب فيه تدرسون * إن لكم فيه لما تخيرون * أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون * سلهم أيهم بذلك زعيم * أم لهم شركاء فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين

وقال عز وجل: " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها " أم " طبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون " أم " قالوا سمعنا وهم لا يسمعون * إن شر الدواب عنه الله الصم البكم الذين لا يعقلون * ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون " أم " قالوا سمعنا وعصينا " بل هو فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، فكيف لهم باختيار الامام؟! والامام عالم لا يجهل، وراع لا ينكل، معدن القدس والطهارة، والنسك والزهاد، والعلم والعبادة، مخصوص بدعوة الرسول صلى الله عليه وآلة ونسل المطهرة البتول، لا مغمز فيه في نسب، ولا يدانيه ذو حسب، في البيت من قريش والذروة من هاشم، والعترة من الرسول صلى الله عليه وآله والرضا من الله عز وجل، شرف الاشراف، والفرع من عبد مناف، نامي العلم، كامل الحلم، مضطلع بالإمامة، عالم بالسياسة، مفروض الطاعة، قائم بأمر الله عز وجل، ناصح لعباد الله، حافظ لدين الله. إن الانبياء والائمة صلوات الله عليهم يوفقهم الله ويؤتيهم من مخزون علمه و حكمه ما لا يؤتيه غيرهم، فيكون علمهم فوق علم أهل الزمان في قوله تعالى: " أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فمالكم كيف تحكمون " وقوله تبارك وتعالى: " ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا" وقوله في طالوت: " إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم " وقال لنبيه صلى الله عليه وآله: " أنزل عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما " وقال في الائمة من أهل بيت نبيه وعترته وذريته صلوات الله عليهم: " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما * فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا".

وإن العبد إذا اختاره الله عز وجل لأمور عباده، شرح صدره لذلك، وأودع قلبه ينابيع الحكمة، وألهمه العلم إلهاما، فلم يعي بعده بجواب، ولا يحير يه عن

الصواب، فهو معصوم مؤيد، موفق مسدد، قد أمن من الخطايا والزلل والعثار، يخصه الله بذلك ليكون حجته على عباده، وساعده على خلقه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. فهل يقدرون على مثل هذا فيختارونه أو يكون مختارهم بهذه الصفة فيقدمونه، تعدوا - وبيت الله - الحق ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، وفي كتاب الله الهدى والشفاء، فنبذوه واتبعوا أهواء هم، فذمهم الله ومقتهم وأتعسهم فقال جل وتعالى: " ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين " وقال: " فتعسا لهم وأضل أعمالهم " وقال: " كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار " وصلى الله على النبي محمد وآله وسلم تسليما كثيرا([1]).

اقول تأمل فيها طويلا في المفردات وفي المعاني وفي التركيب فان فيها مغانم كثيرة.

 

 

 

المسألة الثانية: الامامة بالنص لا بالشورى ولا بالانتخاب

وهذه المسألة أشبعها علمائنا في كتبهم سواء الكلامية او التفسيرية  وعلى نحو الإشارة :

وقع النزاع بين المسلمين في طُرق ثبوت الإمامة "مصدر شرعية السلطة) إلى ثلاثة:

النص ـ الاختيار ـ الميراث.

الطريق الأول: "النص":

ذهبت الإمامية ما عدا الزيدية إلى أنّ المرجع في تعيين الإمام أو من ينوب لتسلُّم قيادة الأُمة بعد النبي هو أمران: الأول: النص من الله تعالى على لسان رسوله أوإمام ثبتّتْ إمامتُه بالنص عليه من الرسول أو الإمام السابق.

 

الثاني: ظهور المعجزة على يده للتدليل على أنه متعيّن من قبل الله تعالى والشيعة "أيدهم الله تعالى" حينما يشترطون النص والمعجزة وفقاً لما يعتقدون من وجوب الإمامة، وأنها بمثابة النبوة إلاّ ما استثناه الدليل، فبذا هي ركن عظيم، وأصلٌ من أصول الدين، فالمسألة عندهم توقيفية، لا رأي لغير الشارع المقدّس فيها حتى يمكنهم أنْ ينتخبوا إماماً لهم، ووفقاً لأصوليتها كبقية الأصول التي لا مجال لرأي العباد فيها، لا بُدّ أنْ يكون المعيّن لها هو الباري عزّ اسمه. ولا بُدّ في النص أنْ يكون جلياً واضحاً لا خفياً مبهماً، بمعنى أنه لا بُدّ أنْ يبرز النصُ اسم الإمام الجائي بعد النبي بحيث لا يُوقع الناسَ في الريب، لأنّ الإمامة واجبة عليه تعالى بحكم ضرورة العقل القائل بنيابة الإمامة مناب النبوة، بل صلاحياتها أكبر وأعظم لما تمثّله من بسط أحكام الشريعة وتطبيق قوانينها ودساتيرها إلى ما هنالك من وظائف هي من مختصات الإمام عليه السَّلام، وكل هذا لا يتوفر إلاّ برجل مسدّد معصوم في كل حركاته وأقواله وأفعاله.

وملكة العصمة في الإمام ــ على مذاق الإمامية ــ هي من الأمور الخفية والباطنية التي لا يعلمها إلاّ الله تعالى، فإذا كان هكذا فلا مجال لغيره تعالى أنْ يعيّن الإمام، ووافقهم جماعة من المعتزلة كالنظّامية والخابطية أتباع أحمد بن خابط والحدثية، حيث وافقوا الإمامية باشتراط النص الجلي. وفي المقابل ذهبت الزيدية على أنّ النص على الإمام خفيٌ أي أنّ النبي نص على الإمام علي (عليه السلام) بالوصف دون الاسم، والناس قد قصّروا حيث لم يتعرّفوا الوصف، وإنما نصبّوا أبا بكر باختيارهم ففسقوا به، وهؤلاء أصحاب أبي جارود زياد بن منقذ العبدي وما يظهر من عبارة السيد المرتضىمن اعتباره نص الغدير من النصوص الخفية وارتضائه له بعيدٌ عن جنابه لأنه في معرض تقسيم النص إلى جلي وخفي، فالجلي ما قالت به الشيعة الإمامية، والخفي ما قالت به الزيدية ولو سُلّم اعتقاده كون يوم الغدير نصّاً خفياً فإنه رأي شاذ تفرّد به عن الأصحاب كافّةً، مضافاً إلى أنه ينسف كل الأدلة الدالّة على إمامة أمير المؤمنن (عليه السلام) التي من أبرز مصاديقها نصّ الغدير من حيث جلائه ووضوحه.

الطريق الثاني: "الاختيار":

في مقابل طريق النص الذي رجع إليه الشيعة الإمامية، ذهب السُنّة إلى طريق ومرجع آخر لتعيين الإمام هو مرجعية الأمة أي أن تعيين الإمام راجع إلى الأمة الإسلامية، وهذا واضح وفقاً لما يسيرون عليه في تعريفهم للإمامة أنها رياسة دينية كما مرّ سابقاً، فهم ينظرون إليها نظرة الرئيس المحتاج إلى المرؤوس، والحاكم إلى المحكوم، ليكون رئيساً أو حاكماً وهي بهذا الاعتبار من فروع الدين، فيجب على أفراد الأُمة أنْ يعيّنوا منهم إماماً حاكماً عليهم وإلاّ أثموا جميعاً.

وقد اختلف العامة فيما بينهم في تحديد ماهية الأمة التي يُراد لها أنْ تنتخب الإمام، هل المراد منها كل أفراد الأمّة، أو جماعة معينون يُصطلح عليهم بأهل المشورة أو أهل الحل والعقد؟.

الأول باطل بالوجدان عندهم لأنه لم يُعهد أنّ خليفة من الخلفاء كان قد انتخبه المسلمون جميعاً في كل أقطار البلاد الإسلامية، لذا عدّلوا به إلى أن المراد من أفراد الأمة الذين يجب عليهم أنْ ينتخبوا هم أفراد معينون في كل بلد من بلدان المسلمين، وهذا باطل عندهم أيضاً لأنه تكليف بما لا يُطاق، وما ليس من الوسع، والرأي الثابت لديهم هو "أن المراد بأهل الحل والعقد هم جماعة معدودون يتواجدون في بلد الإمام". وقد اختلفوا في عدد أهل الحل والعقد إلى آراء:

 

منهم من قال: إنّ أقل عدد يتحقق به مفهوم الشورى هو خمسة أشخاص يحق لهم أن ينتخبوا الإمام.

ومنهم من قال: يكفي أربعة أو ثلاثة بل اثنان.

ومنهم من قال: بكفاية الواحد إذا شهد عليه الشهود.

ويرد عليه

إنّ تعيين بعض الصحابة للخلافة دون مشورة البقيّة يُعدّ خرقاً لنظرية الجمهور القائلة بأنّ "يد الله مع الجماعة" "ولا تجتمع أمتي على ضلالة" و "لا تجتمع أمتي على خطأ"، مضافاً إلى اعتراضات هائلة صدرت من نفس الصحابة على خلافة البعض الآخر الذين تمّت بيعتهم لا سيما خلافة أبي بكر وابن الخطاب، حيث تمّت الأولى ببيعة الخمسة له، وتمّت الثانية ببيعة أبي بكر له بالعهد الذي كتبه بواسطة عثمان بن عفان؛ وبيعة عثمان بشورى ستة سنّها ابن الخطّاب([2]).

ومن أراد التفصيل في الرد على العقائد المنحرفة في هذه المسألة فليراجع كتاب الفوائد البهية في شرح عقائد الإمامية الشيخ محمّد جميل حمود العاملي.

 

الامامة بالنص وادلتها

اولا: الدليل القرآني

(إن الامامة خص الله عز وجل بها إبراهيم الخليل عليه السلام بعد النبوة والخلة مرتبة ثالثة، وفضيلة شرفه بها وأشاد بها ذكره، فقال: " إني جاعلك للناس إماما " فقال الخليل عليه السلام سرورا بها: " ومن ذريتي " قال الله تبارك وتعالى: " لا ينال عهدي الظالمين ") فأبطلت هذه الآية إمامة كل ظالم إلى يوم القيامة وصارت في الصفوة)

وكلامه عليه السلام مبني على ان الجعل جعل ألهى (" إني جاعلك للناس إماما " لأجعل الناس.

وعلى ان الامامة عهد الله لا عهد الناس " لا ينال عهدي الظالمين ") فالآية صريحة لم تقل لا ينال عهدي الظالمون العهد هو الفاعل وهذه دلالة قرانيه اخرى على ان الامامة بالنص.

والكلام فيه دلالات اخرى نعرض عنها ونتركها للمتأمل

ثانيا الدليل القرآني الثاني

(ثم أكرمه الله تعالى بأن جعلها في ذريته أهل الصفوة والطهارة فقال: " ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين * وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين ".)

وكلامه عليه السلام مبني ان الآية تشير لأهل الصفوة والطهارة والصلاح وهذه امور غيبية عن البشر لا يستطيع الدخول إلى اعماق الانسان ليعرف الطهارة والصلاح الذاتي للإنسان ومن ثم الصلاح والطهارة الانية غير كافيه لمن يجعل اماما لابد من صلاح وطهارة في الماضي والمستقبل وهذه خارجة عن حيطة البشر.

وفي كلام الإمام عليه السلام كذلك دلالات اخرى.

ثالثا: الدليل الشرعي

(إن الامامة خلافة الله وخلافة الرسول صلى الله عليه وآلة)

بما ان الامامة خلافة الله وخلافة رسوله فلا يحق لاحد غيرهم يستخفلهما او يجعل خليفة عنهم وهذه من الضروريات عند كل عاقل متشرع.

 

الرابع: الدليل الفطري

(الامام المطهر من الذنوب والمبرأ عن العيوب، المخصوص بالعلم، المرسوم بالحلم، نظام الدين، وعز المسلمين وغيظ المنافقين، وبوار الكافرين).

هكذا اوصاف لا توجد في غير الائمة صلوات الله عليهم ولايستطاع اي شخص يدعيها دعوى فضلا عن تحصيلها فكلام الإمام دقيق جدا (الامام المطهر من الذنوب) الإمام مطهر وليس طاهر فان الطاهر اسم فاعل والمطهر اسم مفعول والفرق كبير جدا نعم مطهر من الذنوب جميع الذنوب سواء الفكرية او الخيالية او ما تتصور وما لا تتصور.

وهكذا يقول الإمام عليه السلام (والمبرأ عن العيوب) واي انسان يستطيع ان يبرء اسمه وجسمه وصفاته وذاته فالكلام فوق التصور.

وبكلمة واحدة يقول الإمام الرضا عليه السلام (هيهات هيهات، ضلت العقول، وتاهت الحلوم، وحارت الالباب، وخسئت العيون وتصاغرت العظماء، وتحيرت الحكماء، وتقاصرت الحلماء، وحصرت الخطباء، وجهلت الالباء، وكلت الشعراء، وعجزت الادباء، وعييت البلغاء، عن وصف شأن من شأنه، أو فضيلة من فضائله، وأقرت بالعجز والتقصير، وكيف يوصف بكله، أو ينعت بكنهه، أو يفهم شيء من أمره، أو يوجد من يقوم مقامه ويغني غناه، لا كيف وأنى؟)

ويقول عليه السلام

(إن الامامة أجل قدرا وأعظم شأنا وأعلا مكانا وأمنع جانبا وأبعد غورا من أن يبلغها الناس بعقولهم، أو ينالوها بآرائهم، أو يقيموا إماما باختيارهم)

وهناك ادلة كثيرة طرحها الامام عليه السلام في ان الامامة بالنص.

المسألة الثالثة: ان صفات الإمام توقيفية

مما نعتقده تبعا للائمة عليهم السلام ان صفات الإمام عليه السلام هي وحي يوحى وكذلك اسمائهم لأنها ادوار وبرامج انيطت بهم فحين تسمى فاطمة باسم فاطمة ليس كبقية الاسماء وانما هو دور وجودي فأنها تفطم شيعتها من النار وفطمت بالعلم وفطم الخلق عن معرفتها وغيرها من الادوار التي صرحت بها الروايات وكذلك حينما سمي المهدي مهديا لأنه يهدي لكل امر خفي وهكذا.

فصفاتهم باختيار سماوي وحياني ولهذا الإمام اشار إلى مجموعة كبيرة من اوصافهم فمنها:

(الامام البدر المنير، والسراج الزاهر، والنور الساطع،

 والنجم الهادي في غياهب الدجى وأجواز البلدان والقفار،

 ولجج البحار، الامام الماء العذب على الظماء

 والدال على الهدى، والمنجى من الردى،

الامام النار على اليفاع، الحار لمن اصطلى به

والدليل في المهالك، من فارقه فهالك،

 الامام السحاب الماطر، والغيث الهاطل

والشمس المضيئة، والسماء الظليلة،

 والارض البسيطة، والعين الغزيرة، والغدير والروضة)

والاوصاف كثيرة في الحديث الرضوي

 

 

المسألة الرابعة: الامامة في نظام التشريع

قال الإمام عليه السلام (إن الامامة زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا وعز المؤمنين، إن الامامة أس الاسلام النامي، وفرعه السامي، بالأمام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، وتوفير الفيء والصدقات، وإمضاء الحدود والاحكام، ومنع الثغور والاطراف. الامام يحل حلال الله، ويحرم حرام الله، ويقيم حدود الله، ويذب عن دين الله، ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة، والموعظة الحسنة)

الإمام عليه السلام ذكر ان الامامة اصل ديني لا يتنازل عنه بكل حال من الاحوال قوام الدين والتشريع والصلاح والعز بالإمامة وحديث الإمام الباقر مفسر لكلام الإمام هنا فعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام  قَالَ بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسَةِ أَشْيَاءَ عَلَى الصَّلَاةِ وَ الزَّكَاةِ وَ الْحَجِّ وَ الصَّوْمِ وَ الْوَلَايَةِ قَالَ زُرَارَةُ فَقُلْتُ وَ أَيُّ شَيْ ءٍ مِنْ ذَلِكَ أَفْضَلُ فَقَالَ الْوَلَايَةُ أَفْضَلُ لِأَنَّهَا مِفْتَاحُهُنَّ وَ الْوَالِي هُوَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِنَّ([3]).

ومن هنا يترتب

اولا: أن الولاية هي مفتاح الصلاة والصوم والحج والزكاة. لو أخذنا الولاية من الإنسان سوف يخرب ظاهر تلك الأرجل الأربعة والأعمدة الأخرى ويذهب روحها وعقلها أيضاً.

ثانيا: الوالي والإمام هو الدليل والهادي لأجل الصلاة والصوم وبدون الوالي والإمام لن يكون وجود للصلاة والصوم والحج والزكاة.

والمتأمل يستكشف اسرارا كثيرة في هذه الفقرة.

 

المسألة الخامسة: لا يوجد منه بدل ولا له مثل ولا نظير

يقول الإمام الرضا عليه السلام (الامام الانيس الرفيق، والوالد الشفيق، والاخ الشقيق، والام البرة بالولد الصغير، ومفزع العباد في الداهية الناد).

الانسان إذا ضاقت به الدنيا مباشرة يتوجه الى من يطمئن اليه الى الرفيق الانيس فهو يأنس برفقته وينسى همومه ويطرد الوحشة والاضطراب والقلق برفقة الانيس او يتوجه الى الوالد الشفيق ما أجمل الشفقة تجتمع مع الابوة فأي شيء تكون حياة الولد لا شك يكون من اسعد الناس وهو يعيش كنف الشفقة الابوية فان لم يجده يذهب الى الاخ الشقيق الاخ الذي يسندك إذا وقعت وتدفع به ما يأتيك من الضيم وملمات الدهر وان لم تجده تذهب الى الام البرة بالولد الصغير تلك الام التي طالما سهرت وجاعت وعانت في سبيل راحتك وانسك.

هذا كله في احوالنا إذا وجدنا هؤلاء مع الصفات فكيف يا عزيزي إذا اجتمعت بشخص واحد وهذا الواحد ليس افتراضيا وانما هو موجود أقرب الينا من أنفسنا وذواتنا يعلم بنا وما يجول بخواطرنا ينتظرنا ان نعود ولو لحظة واحدة

ما ان نلتفت اليه حتى يغمرنا حبا وعطفا وشفقة من حولنا مجرد ان نفسح المجال يدخل علينا.

الوالد والام والاخ والرفيق لا يعلموا مقدار ما نعيش من عمق المشكلة واسبابها الحقيقية بل نحن لا نعلم احيانا سبب مشاكلنا وكيف المخلص منها ولا اقصد مشاكلنا المادية فقط بل المعنوية وكل ما يحيط بنا حبنا للأخرين وتوجهاتنا الزائفة علاقتنا بالعبادات ميلنا للأعداء وغيرها ما لا تحصى وتعد لكن الحديث لما يتوجه اليه عجل الله فرجه سيكون الامر مختلفا جدا فهو يعلم بكل ما يحيط بنا وبمصالحنا ويفلح معنا ومالا يفلح.

يقول المازند راني قدس الله سره

 قوله: (الإمام الأنيس الرفيق) أنيسك: مصاحبك وصفيك الذي تأنس به في الوحشة. والرفيق المرافق من الرفق وهو ضد العنف والخرق. والإمام مصاحبك في هذه الدار ومؤنسك في وحشة غربتك فيها ورفيقك في السفر إلى الله ولا ترى منه إلا خيرا. قوله: (والوالد الشفيق) وهو لا يريد لك إلا خيرا كالوالد المشفق إلى ولده. قوله: (والام البرة بالولد الصغير) وهو يربيك ويغديك بالغذاء الروحاني من العلوم والمعارف على أكمل ما يليق بك كما أن الام تربيك وتغذيك من الغذاء الجسماني ما يليق بك. قوله: (ومفزع العباد في الداهية الناد) الفزع بالضم: وهو الخوف، والمفزع: الملجأ في الفزع والإمام مفزع للعباد إذا دهمهم أمر فزعوا إليه ليدفعه عنهم، والداهية: الأمر العظيم. ودواهي الدهر ما يصيب الناس من عظيم نوبة، والناد: مثل فعال، والنادي مثل فعالي " رنج وسختى " كذا في الصراح، وقال الجوهري هما الداهية والمال واحد وإنما وصف الداهية بالناد للمبالغة في عظمتها وشدتها. وكونه مفزعا لهم ظاهر لأن شأنه دفع الجور بالسيف والسنان، والحمل على الصبر في نوائب الزمان([4]).



[1]/الكافي الشريف ج 1 ص 198.

[2] / الفوائد البهية في شرح عقائد الإمامية ج 2.

[3])) أصول الكافي ، للكليني ، ج1 ، 185

[4]/شرح أصول الكافي ص 345.




الفهرس

الاهداء. - 3 -

الرسالة الأولى

الإمام الأنيس الرفيق، والوالد الشفيق- 5 -

الحديث.. - 7 -

المسألة الاولى: نص الحديث.. - 9 -

المسألة الثانية: الامامة بالنص لا بالشورى - 20 -

الامامة بالنص وادلتها - 26 -

اولا: الدليل القرآني.. - 26 -

ثانيا الدليل القرآني الثاني.. - 27 -

ثالثا: الدليل الشرعي. - 28 -

الرابع: الدليل الفطري.. - 29 -

المسألة الثالثة: ان صفات الإمام توقيفية. - 31 -

المسألة الرابعة: الامامة في نظام التشريع. - 33 -

المسألة الخامسة: لا يوجد منه بدل ولا له - 35 -

يقول المازند راني قدس الله سره - 37 -

الرسالة الثانية

غوث هذه الأمة وغياثها- 39 -

الحديث.. - 41 -

في معنى الغياث.. - 42 -

ان صفات الائمة ^ مشتقة من صفات الله .... - 44 -

دعاء الجوشن والغوث.. - 45 -

هل يجوز الاستغاثة بغير الله .... - 48 -

بعض الادعية الواردة في الاستغاثة. - 52 -

الإمام المهدي غوث الأمة والعالم. - 65 -

يا صاحِبَ الزَّمانِ، الغَوثَ.. - 68 -

تشرُّف الملا قاسم بلقاء الإمام صاحب الزمان #... - 71 -

الرسالة الثالثة

الامام شمس الشموس- 79 -

لقب شمس الشموس بالنصوص... - 81 -

الألقاب اصطفائية. - 82 -

اهل البيت الشموس الطالعة. - 85 -

دلالة الحديث.. - 86 -

بلاغة الحديث.. - 88 -

الامام الرضا × شمس الشموس... - 89 -

فتنتان عظيمتان. - 89 -

الأولى : فتنة الدين. - 89 -

الفتنة الثانية : فتنة المذهب.. - 105 -

الامام المهدي # شَمسَ الشُّموسِ... - 110 -

الرسالة الرابعة

أن انتظار الفرج من الفرج- 125 -

الحديث.. - 127 -

ما ذا يعني الانتظار؟. - 127 -

" الحسيات معابر للعقليات". - 133 -

مراتب الإنتظار ومظاهره - 143 -

بيان مراتب الإنتظار بالنسبة للمنتظرين. - 144 -

خاتمة في قصص لقاء في زيارة مولانا الرضا ×... - 147 -

قصد زيارة الامام الرضا ×  و نفذت أمواله. - 147 -

أطلب منه كل ما تريد، إنه لم يمُت!!!. - 149 -

إننا نسير معكم إلى زيارة الإمام الرضا عليه السلام. - 155 -

الإمام الحجة ودعاء اللهم عرفني نفسك.. - 157 -

وفي الختام. - 158 -

الفهرس... - 161 -


أنت الان في اول موضوع

تعليقات