الحديث الثاني والعشرون يَلْقَى فِي حَرْبِهِ مَا لَمْ يَلْقَ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)
الحديث الثاني والعشرون
عَنْ
أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام)، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «إِنَّ الْقَائِمَ
(عليه السلام) يَلْقَى فِي حَرْبِهِ مَا لَمْ يَلْقَ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه
وآله وسلّم)، لِأَنَّ رَسُولَ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أَتَاهُمْ وَهُمْ
يَعْبُدُونَ حِجَارَةً مَنْقُورَةً وَخُشُباً مَنْحُوتَةً، وَإِنَّ الْقَائِمَ
يَخْرُجُونَ عَلَيْهِ فَيَتَأَوَّلُونَ عَلَيْهِ كِتَابَ الله وَيُقَاتِلُونَهُ
عَلَيْهِ».
تتعدد
أصناف الابتلاءات وتتطور بتطور الوعي البشري، لكن أشدها خطورة هو ذلك الذي يرتدي
عباءة المقدّس ليضرب المقدّس نفسه. هذا هو الجوهر العميق للتحذير النبوي والعلوي
الذي نقله لنا الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) في استشرافه لطبيعة حركة الإمام
القائم (عجل الله فرجه) وعمق التحديات التي تواجهه.
ينقلنا
الحديث من مواجهة الشرك الجلي (عبادة الأصنام البصرية) إلى مواجهة الشرك الخفي
والانحراف الفكري، وهو ما يؤصل لقواعد عقائدية حاسمة:
سلاح
التأويل الفاسد: إن من أعظم فتن آخر الزمان وأكثرها دهاءً هي استعمال القرآن
الكريم —وهو كتاب الهداية— كمطرقة لمحاربة الإمام الحق. فالباطل حين يعجز عن
مواجهة الحق صراحة، يلجأ إلى سرقة شعارات الحق ونصوصه.
خطورة
الانحراف الفكري: يوضح الحديث الشريف أن الانحراف الفكري والديني المعاصر أخطر
بكثير من عبادة الأصنام الظاهرة. فالصنم الحجري يسهل تحطيمه بضربة فاس، أما الصنم
الفكري المتدثر بالنص الديني فيحتاج إلى ثورة في الوعي واجتثاث للجذور الفكرية
المنحرفة.
تستر
الأعداء بالدين: إن أعداء الإمام المهدي (عليه السلام) في خط مواجهته الأول لن
يكونوا بالضرورة من منكري الدين، بل قد يتظاهرون بالدين والتمسك بالقرآن، والتباكي
على الشريعة، مما يجعل التمييز بينهم وبين المؤمنين الحقيقيين أمراً عسيراً على
غير أهل البصيرة.
معركة
المفاهيم: لا يواجه الإمام القائم جبهة عسكرية مجردة، بل يواجه في المقام الأول
تحريفاً ممنهجاً للمفاهيم الإسلامية وإساءة استعمال للنصوص الدينية، حيث تُنزع
الآيات من سياقاتها لتبرير الباطل.
شمولية
المواجهة: بناءً على ما سبق، فإن الحرب ضد الإمام ليست حرباً سياسية أو عسكرية
لفرض النفوذ والسيطرة فقط، بل هي معركة فكرية وعقائدية كبرى تتمحور حول "من
يملك حق التفسير والتأويل".
(بناء الحصانة الداخلية)
التمسك
بالثقلين كمنهج حياة: لكي لا نقع في فخ "التأويل الفاسد"، تبرز ضرورة
قصوى لطلب الفهم الصحيح والعميق للقرآن الكريم من نبعه الصافي وهم أهل البيت
(عليهم السلام)؛ إذ هم التراجمة الحقيقيون للوحي، وبدونهم يتحول القرآن إلى حمال
أوجه يتقاذفه أصحاب الأهواء.
الحذر
من التدين المشوه: يجب على المؤمن الحذر الشديد من التدين المنحرف والسطحي، ذلك
التدين الذي يملأ القلوب حِقداً ويعادي الحق وأهله باسم الدين نفسه، تماماً كما
فعلت الخوارج قديماً وكما يفعل أشباههم في كل زمان.
تدعونا
أخلاقيات هذا الحديث إلى عدم الاغترار بالشعارات الدينية الظاهرية، ولا بكثرة
العبادة الجوفاء الخالية من الولاية والمعرفة. فالإيمان ليس مظهراً يُرتدى، بل هو
وعيٌ يُعاش.
إن
التربية النفسية السليمة تقوم على معرفة الإمام الحق بشخصه وصفاته ومنهجه، وعدم
الاكتفاء بالمظاهر العامة. هذه المعرفة تحمي المؤمن من أن تتشابه عليه الرايات في
زمن الاختلاط.
تأصيل
البصيرة الاستباقية: من لم يربِّ نفسه على البصيرة اليوم، قد يجد نفسه غداً يقاتل
الإمام الحق وهو يظن أنه يحسن صنعاً.

تعليقات
إرسال تعليق