دراسة تحليلية في المكارم التسعين في كتاب مكيال المكارم المكرمة السابعة
المتن المكرمة السابعة
المكرمة
السابعة: النجاة من فتن آخر الزمان والسلامة عن
الورود في شبكة الشيطان
والدليل على ذلك (مضافا إلى ما
ستسمعه من كونه سببا لكمال الإيمان، وما مر في المكرمة السادسة من أنه سبب لتباعد
الشيطان).
- ما رواه رئيس المحدثين في كتاب
كمال الدين(إكمال الدين: ٢ / ٣٨٤ باب ٣٨ ح ١.) عن علي بن عبد الله الوراق (ره)
قال: حدثنا سعد بن عبد الله عن أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعري، قال: دخلت على أبي
محمد الحسن بن علي (عليه السلام) وأنا أريد أن أسأله عن الخلف من بعده فقال (عليه
السلام) لي مبتدئا: يا أحمد بن إسحاق، إن الله تبارك وتعالى لم يخل الأرض منذ خلق
آدم (عليه السلام) ولا يخليها إلى أن تقوم الساعة من حجة لله على خلقه، به يدفع
البلاء عن أهل الأرض، وبه ينزل الغيث، وبه يخرج بركات الأرض.
قال فقلت له: يا بن رسول الله (عليه
السلام) فمن الإمام والخليفة بعدك؟ فنهض (عليه السلام) مسرعا فدخل البيت، ثم خرج
وعلى عاتقه غلام كأن وجهه القمر ليلة البدر من أبناء ثلاث سنين فقال: يا أحمد بن
إسحاق، لولا كرامتك على الله (عزَّ وجلَّ) وعلى حججه، ما عرضت عليك ابني هذا، إنه
سمي رسول الله وكنيه الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا، كما ملئت جورا وظلما.
يا أحمد بن إسحاق، مثله في هذه الأمة
مثل الخضر، ومثله مثل ذي القرنين والله ليغيبن غيبة لا ينجو من الهلكة فيها إلا من
ثبته الله (عزَّ وجلَّ) على القول بإمامته ووفقه فيها للدعاء بتعجيل فرجه، الخبر،
وقد مر تمامه في الباب الرابع في حرف الغين المعجمة.
بيان المكرمة السابعة
الدعاء
حصانةٌ من فتن آخر الزمان
ليست أخطر فتن آخر الزمان هي الحروب،
ولا الأزمات الاقتصادية، ولا الاضطرابات السياسية، وإنما أخطرها أن يفقد الإنسان
يقينه، أو يضعف ارتباطه بحجة الله، أو ينحرف عن الصراط المستقيم تحت ضغط الشبهات
والشهوات. ومن هنا جعل الميرزا الأصفهاني الدعاء بتعجيل الفرج سببًا للنجاة من فتن
الغيبة، مستندًا إلى النص الصريح عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام:«لا ينجو من
الهلكة فيها إلا من ثبته الله على القول بإمامته، ووفقه فيها للدعاء بتعجيل فرجه.»
وهذا الحديث يكشف أن الدعاء ليس
أثرًا من آثار الثبات فحسب، بل هو أحد أسبابه.
أولًا:
لماذا خصّ الإمام الدعاء بالذكر؟
كان يكفي أن يقول الإمام عليه
السلام: **«ثبته الله على القول بإمامته»**، لكنه أضاف شرطًا آخر:«ووفقه للدعاء
بتعجيل فرجه.»
وهذا يدل على أن الاعتقاد النظري
وحده لا يكفي في زمن الفتنة، بل لا بد من عملٍ يحفظ هذا الاعتقاد ويغذيه، فجاء
الدعاء ليكون هذا العمل المستمر الذي يجدد العهد بالإمام، ويمنع الإيمان من التحول
إلى معرفة جامدة.
الفتن لا تبدأ بالانحراف الكبير،
وإنما تبدأ بانقطاع الصلة بالإمام، ثم تضعف حرارة الانتظار، ثم يكثر الاشتغال
بالدنيا، حتى يصبح الإمام غائبًا عن القلب قبل أن يكون غائبًا عن البصر.
وهنا يأتي الدعاء ليقطع هذا المسار؛
لأنه يجدد حضور الإمام في النفس كل يوم، فيبقى المؤمن مستحضرًا لقضيته، مترقبًا
لظهوره، مرتبطًا بقيادته.
فالدعاء علاج للغفلة قبل أن يكون
علاجًا للانحراف.
ثالثًا:
الدعاء يصنع المناعة قبل وقوع الفتنة
الإنسان لا ينتظر المرض حتى يبحث عن
الدواء، بل يقوي مناعته قبل الإصابة.وكذلك الدعاء بتعجيل الفرج.
فهو لا يُشرع بعد وقوع الفتنة فقط،
بل قبلها؛ لأنه يبني في القلب مناعة عقدية وروحية، تجعل المؤمن أكثر قدرة على
مقاومة الشبهات، وأشد ثباتًا عند الاضطراب.
ومن هنا كان الدعاء تربية استباقية،
لا استجابة متأخرة.
رابعًا:
الثبات هبة... وللدعاء نصيب منها
الحديث نسب الثبات إلى الله
تعالى:«ثبته الله.»ونسب الدعاء إلى توفيق الله أيضًا:«ووفقه للدعاء.»
وفي ذلك إشارة دقيقة إلى أن الدعاء
نفسه نعمة من الله، وأن من وُفِّق للدعاء فقد فُتح له باب من أبواب الثبات. فليس
كل أحد يُلهم أن يجعل الدعاء للإمام جزءًا من برنامجه اليومي، وإنما هو توفيق إلهي
يسبق كثيرًا من التوفيقات.
خامسًا:
الدعاء يجدد البيعة في زمن الغيبة
كلما دعا المؤمن بتعجيل الفرج، فإنه
يعلن من جديد أنه لا يزال منتسبًا إلى إمامه، راضيًا بقيادته، منتظرًا لدولته.
وهذا الإعلان المتكرر يمنع القلب من
التلون، ويمنع الهوية الولائية من الذوبان في التيارات الفكرية والاجتماعية التي
تكثر في آخر الزمان فالدعاء ليس مجرد كلمات، بل تجديد دائم للانتماء.
سادسًا: بين فتنة
الشبهة وفتنة الشهوة
تتحدث الروايات عن فتن تموج كموج
البحر، بعضها يزلزل العقائد، وبعضها يفسد الأخلاق، وبعضها يستهلك الإنسان في
الدنيا والدعاء يعالج الجانبين معًا.
فهو يربط العقل بالإمامة، فيحصنه من
الشبهة، ويربط القلب بالشوق إلى الظهور، فيخفف سلطان الشهوة، ويجعل للإنسان هدفًا
أعلى من لذات الدنيا.
سابعًا:
لماذا يكون الدعاء سببًا للنجاة؟
لأن الدعاء يجمع أعمدة الثبات
كلها:يثبت العقيدة بالإمام ويجدد الولاية ويقوي الرجاء بالله ويعمق الانتظار ويكثر
ذكر الإمام ويبعد الشيطان ويحيي أمر أهل البيت ومن اجتمعت فيه هذه المعاني، كان
أقرب إلى النجاة إذا هبت رياح الفتن.
تكشف هذه المكرمة عن سنة تربوية
عظيمة، وهي أن النجاة من فتن آخر الزمان لا تتحقق بالمعرفة المجردة وحدها، بل
تحتاج إلى ارتباط دائم بالإمام، والدعاء هو أوثق صور هذا الارتباط. فهو يحفظ حضور
الإمام في القلب، ويجدد البيعة، ويقوي اليقين، ويمنح المؤمن مناعة روحية وعقدية
تعينه على الثبات حتى يلقى إمامه.
ومن هنا يظهر أن الدعاء بتعجيل الفرج
ليس عبادة مؤجلة إلى زمن الظهور، بل هو برنامج يومي لصناعة الإنسان الثابت في زمن
الغيبة، حتى يستحق أن يكون من أنصار الإمام إذا أذن الله بقيام دولته المباركة.

تعليقات
إرسال تعليق