دراسة تحليلية في المكارم التسعين في كتاب مكيال المكارم المكرمة الثانية عشر
المتن المكرمة الثانية عشرة
المكرمة
الثانية عشرة: الفوز بشفاعة خير البشر وصاحب الشفاعة
الكبرى في المحشر
ويدل على ذلك - مضافا إلى جميع ما
مر، لأن التوسل إلى الإمام الثاني عشر توسل إلى النبي المطهر -:- ما رواه رئيس
المحدثين في الخصال(الخصال للشيخ الصدوق: ١ / ١٩٦ باب الأربعة ح ١.) بإسناده عن
مولانا الرضا، قال: حدثني أبي عن آبائه عن علي (عليه السلام) قال: قال رسول الله
(صلى الله عليه وآله) أربعة أنا الشفيع لهم يوم القيامة ولو أتوني بذنوب أهل
الأرض: معين أهل بيتي، والقاضي لهم حوائجهم عندما اضطروا إليه، والمحب لهم بقلبه
ولسانه، والدافع عنهم بيده عقوبة.
- وروى العلامة الحلي (ره)( في
المنتهى: ١ / ٥٤٤.) عن النبي (صلى الله عليه وآله) مرسلا أنه قال: إني شافع يوم
القيامة لأربعة أصناف، ولو جاءوا بذنوب أهل الدنيا: رجل نصر ذريتي ورجل بذل ماله
لذريتي عند المضيق ورجل أحب ذريتي باللسان والقلب، ورجل سعى في حوائج ذريتي إذا
طردوا أو شردوا.
- وفي ثالث البحار(بحار الأنوار: ٨ /
٤٩ باب ٢١ ح ٥٣.) بإسناده عن الرضا عن آبائه، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال:
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أربعة أنا لهم شفيع يوم القيامة: المكرم
لذريتي والقاضي لهم حوائجهم، والساعي في أمورهم ما اضطروا إليه، والمحب لهم بقلبه
ولسانه عندما اضطروا.
أقول: لا يخفى صدق ثلاثة من هذه
العناوين على الدعاء بتعجيل فرج مولانا صاحب الأمر، لأنه نوع من النصر، ومحبة
لسانية، وقضاء الحاجة كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
- ومما يدل على المقصود ما عن
العلامة (ره) في(المنتهى: ٥٤٤.) وصاياه لولده، قال: قال الصادق (عليه السلام): إذا
كان يوم القيامة، نادى مناد: أيها الخلائق أنصتوا، فإن محمدا (صلى الله عليه وآله)
يكلمكم، فينصت الخلائق، فيقوم النبي (صلى الله عليه وآله) فيقول يا معشر الخلائق
من كانت له عندي يد أو منة أو معروف فليقم حتى نكافيه فيقولون: بآبائنا وأمهاتنا
أي يد أو أي منة أو أي معروف! بل اليد والمنة والمعروف لله ولرسوله (صلى الله عليه
وآله) على جميع الخلائق فيقول (صلى الله عليه وآله): بلى من آوى أحدا من أهل بيتي،
أو برهم، أو كساهم من عري، أو أشبع جائعهم، فليقم، حتى أكافيه.
فيقوم أناس قد فعلوا ذلك، فيأتي
النداء من قبل الله: يا محمد يا حبيبي، قد جعلت مكافأتهم إليك، فأسكنهم في الجنة
حيث شئت، فيسكنهم في الوسيلة حيث لا يحجبون عن محمد وأهل بيته صلوات الله عليهم
أجمعين.
أقول: لا ريب في أن الدعاء بالخير من
أقسام البر، فيستحق الداعي بذلك شفاعة سيد البشر، في يوم المحشر، واعلم أن هذا
الحديث أيضا مما يدل على ثبوت الشفاعة في زيادة الثواب كما ثبتت في رفع العقاب،
فتعقل.
- ويدل على المقصود أيضا ما رواه
الصدوق في أماليه(الأمالي للشيخ الصدوق: ٢٢٨.) بإسناده عن الباقر (عليه السلام) عن
آبائه، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أنه قال: من أراد التوسل إلي، وأن يكون
له عندي يد، أشفع له بها يوم القيامة، فليصل أهل بيتي، ويدخل السرور عليهم.
أقول: لا ريب في سرور أهل البيت
(عليهم السلام) جميعا بالدعاء، في تعجيل فرج صاحب الزمان (عليه السلام) وظهوره، بل
يمكن أن يكون من أفراد الصلة لهم صلوات الله عليهم أيضا فتدبر.
بيان المكرمة الثانية عشرة
الدعاء
للإمام طريقٌ إلى شفاعة رسول الله صلى الله عليه وآله
إذا كانت المكرمة السابقة قد أثبتت
أن الدعاء بتعجيل فرج الإمام المهدي عليه السلام يورث شفاعته يوم القيامة، فإن هذه
المكرمة ترتقي بالمؤمن إلى منزلة أعلى، وهي الفوز بشفاعة سيد المرسلين صلى الله
عليه وآله. وهذه النقلة ليست انتقالًا من شفيع إلى شفيع آخر، وإنما هي بيان لوحدة
المشروع الرسالي؛ لأن الإمام المهدي عليه السلام هو الامتداد الحي لرسول الله صلى
الله عليه وآله، وكل خدمة تقدم للإمام إنما تعود في حقيقتها إلى رسول الله، وكل
نصرة له هي نصرة لجده، وكل سرور يدخل عليه فهو سرور يدخل على قلب النبي الكريم.
ومن هنا كان الدعاء للإمام سببًا لاستحقاق شفاعة الرسول الأعظم.
إن المتأمل في الروايات التي استدل
بها الميرزا يجد أنها لا تتحدث عن عبادة مخصوصة، وإنما تتحدث عن قاعدة عامة، وهي
أن رسول الله صلى الله عليه وآله يشفع لمن نصر أهل بيته، أو أحبهم، أو قضى
حوائجهم، أو سعى في مصالحهم. ثم يأتي الميرزا ليستخرج من هذه القاعدة أن الدعاء
بتعجيل الفرج يجمع هذه العناوين جميعًا؛ لأنه نصرة للإمام باللسان، وإظهار للمحبة،
وسعي في أعظم حاجاته، وهي تحقق الوعد الإلهي بقيام دولته المباركة. وبهذا لا يكون
الدعاء مجرد ذكر، بل يتحول إلى لون من ألوان خدمة أهل البيت عليهم السلام.
ومن اللطائف الدقيقة في هذه المكرمة
أن الميرزا يريد أن ينقل المؤمن من النظر إلى الإمام بوصفه فردًا من أهل البيت،
إلى النظر إليه بوصفه جامعًا لمشروعهم كله. فالدعاء للإمام ليس دعاءً لشخص غائب
فحسب، بل هو دعاء لعودة الرسالة إلى قيادة الحياة، وطلب لظهور القرآن في واقعه
الكامل، وسؤال لله أن تتحقق الغاية التي بعث من أجلها خاتم الأنبياء. ولهذا كان
التوسل بالإمام الثاني عشر توسلًا برسول الله، لأن الطريق إلى الامتداد هو الطريق
إلى الأصل، ومن وصل إلى الوصي فقد وصل إلى الموصي.
وهنا يظهر بعدٌ معرفي آخر، وهو أن
رسول الله صلى الله عليه وآله لا ينظر إلى خدمة أهل بيته على أنها إحسان إليهم
فحسب، بل يعدها إحسانًا إليه شخصيًا، ولذلك نسب المكافأة إلى نفسه، وجعلها سببًا
لاستحقاق شفاعته. وهذا يكشف عن أن أهل البيت ليسوا منفصلين عن رسول الله، بل هم
الامتداد الطبيعي لرسالته، فلا يمكن التفريق بين محبتهم ومحبة النبي، ولا بين
نصرتهم ونصرته، ولا بين الدعاء لهم والدعاء له.
ومن هنا نفهم أن الدعاء بتعجيل الفرج
ليس مجرد أمنية تاريخية، وإنما هو إعلان ولاء لرسول الله صلى الله عليه وآله؛ لأن
المؤمن حين يدعو للإمام إنما يعلن أنه يريد اكتمال المشروع المحمدي، وظهور الدين
الذي جاء به النبي، وغلبة الحق الذي جاهد من أجله، فيكون دعاؤه تعبيرًا عن الوفاء
للرسول قبل أن يكون تعبيرًا عن الشوق إلى الإمام.
كما تكشف هذه المكرمة عن حقيقة
تربوية مهمة، وهي أن رسول الله صلى الله عليه وآله لا ينسى المعروف الذي يصنعه
المؤمن مع أهل بيته، مهما بدا صغيرًا في أعين الناس. فمن آواهم، أو أحبهم، أو
أعانهم، أو أدخل السرور عليهم، كان له عند رسول الله يدٌ يشكره عليها يوم القيامة.
وإذا كان هذا ثابتًا فيمن خدمهم بماله أو بجهده، فمن باب أولى أن يشمل من لازم
الدعاء للإمام الذي تتوقف على ظهوره آمال الأنبياء والأوصياء والصالحين، وجعل هذا
الدعاء وردًا دائمًا في حياته.
ومن أروع ما يلفت النظر في هذه
المكرمة أن الميرزا يجعل الدعاء من مصاديق الصلة لأهل البيت عليهم السلام. فالصلة
ليست محصورة في العطاء المادي، وإنما تتحقق بكل ما يبعث السرور في نفوسهم، وأي
سرور أعظم عندهم من أن يروا مؤمنًا يحمل هم إمام زمانه، ويشاركهم الدعاء لتحقيق
الوعد الإلهي بظهوره؟ إن الدعاء بهذا المعنى يصبح مشاركة وجدانية لأهل البيت في
أعظم أمنياتهم، وهي إقامة دولة العدل الإلهي.
وتتجلى هنا أيضًا قاعدة دقيقة في
بناء الإنسان المنتظر، وهي أن المؤمن لا يطلب شفاعة رسول الله مباشرة من غير سبب،
وإنما يسلك إليها الطريق الذي رسمه النبي نفسه، وهو خدمة أهل بيته، والقيام
بحقوقهم، ونصرتهم، وإدخال السرور عليهم. وبذلك تتحول الشفاعة من أمنية مجردة إلى
ثمرة طبيعية لعلاقة صادقة مع الامتداد المحمدي.
وهكذا نصل إلى أن الدعاء للإمام
المهدي عليه السلام ليس عملاً محدود الأثر، بل هو جسر يصل المؤمن بأعلى مقامات
الرحمة الإلهية، لأنه يربطه برسول الله صلى الله عليه وآله من خلال أحب الخلق
إليه، وأقربهم إلى قلبه، وهو بقية عترته، وحجته على عباده. فإذا حافظ المؤمن على
هذا الدعاء، واستشعر أنه يخدم به رسول الله قبل كل شيء، عاش في ظل العلاقة
المحمدية، ورجا أن يكون ممن يشملهم قول النبي الكريم: **«أنا الشفيع لهم يوم
القيامة»**، فيفوز بشفاعته العظمى يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب
سليم.

تعليقات
إرسال تعليق