دراسة تحليلية في المكارم التسعين في كتاب مكيال المكارم المكرمة الثالثة عشر
المتن المكرمة الثالثة عشرة
المكرمة الثالثة عشرة: أنه وسيلة إلى
الله (عزَّ وجلَّ)
وقد أمر الله تعالى بابتغاء الوسيلة
إليه في قوله(سورة المائدة: ٣٥.) ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه
الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون﴾ وجعل الفلاح والنجاة موقوفا على هذه
الأمور الثلاثة، وهي مجتمعة في الدعاء لمولانا صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه،
لأن أول مراتب التقوى هو الإيمان، ولا ريب أن الدعاء له وبتعجيل فرجه علامة
للإيمان وسبب لكمال الإيمان كما مر.
ويأتي إن شاء الله تعالى وهو من
أقسام المجاهدة باللسان ووسيلة إلى الخالق المنان، وتقريره من وجهين:
أحدهما: أن معنى الوسيلة كما في مجمع
البيان(مجمع البيان: ٣ / ١٨٩، سورة المائدة: ١٨٩.) الوصلة والقربة، ولا شبهة في
كون هذا الدعاء وصلة إلى الله تعالى، وقربة إليه كسائر العبادات التي يتقرب بها
إليه غير أن هذا من أعظم الوسائل قربة، وأقربها وسيلة، وأرفعها شأنا وأجلها مقدارا
كما يتبين في هذا الكتاب بعون الملك الوهاب، وهو الهادي إلى نهج الصواب.
الوجه الثاني: أن المراد بالوسيلة في
خصوص الآية الشريفة هو الإمام، لما ذكره علي بن إبراهيم القمي (ره)( تفسير القمي:
١٥٥.) في تفسيره في قوله تعالى: ﴿وابتغوا إليه الوسيلة﴾( سورة المائدة: ٣٥.) قال:
فقال تقربوا إليه بالإمام والظاهر استناده إلى الرواية عن الإمام في تعيين هذا
المرام.
- وفي البرهان(تفسير البرهان: ١ /
٤٦٩ / ح ٢.) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال في قوله تعالى: ﴿وابتغوا إليه
الوسيلة﴾ أنا وسيلته.
- وفي مرآة الأنوار(مرآة الأنوار:
٣٣١.) عن كتاب الواحدة، عن طارق بن شهاب قال: قال علي (عليه السلام) في حديث له:
إن الأئمة من آل محمد (صلى الله عليه وآله) الوسيلة إلى الله والوصلة إلى عفوه،
الخبر.
- وفيه(مرآة الأنوار: ٣٣١.) أيضا من
كتاب رياض الجنان، عن جابر، عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال في حديث له، ذكر
فيه فضله، وفضل الأئمة: نحن الوسيلة إلى الله.
- وفي(بحار الأنوار: ١٠٢ / ١٠٥.) بعض
الزيارات: وجعلتهم الوسيلة إلى رضوانك.
- وفي دعاء الندبة(جمال الأسبوع:
٥٥٣.): وجعلتهم الذرائع إليك والوسيلة إلى رضوانك، الخ.
- وفي(الصحيفة السجادية: ١٧٢ دعاء
٤٧.) دعاء سيد العابدين (عليه السلام) في يوم عرفة: وجعلتهم الوسيلة إليك، والمسلك
إلى جنتك الخ.
فتحصل من جميع ذلك أن المراد
بالوسيلة هو الإمام فابتغاء الوسيلة إلى الله هو تحصيل ما يكون سببا لرضاه وقربة
إلى جنابه، وحيث إن الله عز اسمه جعل لكل قوم هاديا ولكل أمة إماما، كما قال عز
اسمه ﴿إنما أنت منذر ولكل قوم هاد﴾( سورة الرعد: ٧.) فجعله هاديا، ووسيلة لهم إليه
فاللازم على كل قوم أن يعرفوا هاديهم ووسيلتهم، ويبتغوا إليه الوسيلة بما يرضيه
عنهم، ويطلب منهم، إذ لا يجدي التقرب بأحد منهم، مع الجهل بولي الأمر والإمام في
كل عصر.
- ولذلك قال في(غيبة النعماني: ١٨٠.)
الحديث المعروف المتلقى بالقبول بين الفريقين: من مات ولم يعرف إمام زمانه مات
ميتة جاهلية، فحال الجاهل بإمام زمانه حال الجاهل بجميع الأئمة ويدل على ما ذكرناه
الأخبار المتواترة.
- منها: ما في مرآة الأنوار(٩٤٨)
وغيره، بالإسناد عن الصادق (عليه السلام)، قال: خرج الحسين (عليه السلام) على
أصحابه، فقال: أيها الناس إن الله (عزَّ وجلَّ) ما خلق العباد إلا ليعرفوا، فإذا
عرفوا وعبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة ما سواه فقال له رجل: يا بن رسول الله (صلى
الله عليه وآله) بأبي أنت وأمي فما معرفة الله؟ قال (عليه السلام) معرفته في كل
زمان معرفة إمامهم الذي يجب عليهم طاعته.
ثم حكى صاحب الكتاب عن شيخه العلامة
المجلسي، أنه قال في البحار إنما فسر معرفة الله بمعرفة الإمام، لبيان أن معرفة
الله لا تحصل إلا من جهة الإمام أو لاشتراط الانتفاع بمعرفته تعالى بمعرفته (عليه
السلام). إنتهى.
إذا تقرر ما ذكرنا، فنقول: لا ريب أن
الدعاء بتعجيل الفرج لمولانا صاحب الزمان صلوات الله عليه من أعظم الوسائل، التي
جعلها الله تعالى وسيلة إليه، لأنه ليس وسيلة إليه فقط، بل هو وسيلة إلى جميع
الأئمة بل جميع الأنبياء والأوصياء، الذين هم الوسائل الربانية، وذوو الأبوة
الروحانية، وهو سبب لسرورهم ورضاهم، وطلب لما هو مقصدهم ومناهم، ومع ذلك كله،
إطاعة لأولي الأمر، الذين أمر الله تعالى بإطاعتهم في قوله: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا
الرسول وأولي الأمر﴾( سورة النساء: ٥٩.) - ويشهد لما ذكرناه، ويؤيده ما روي في
البرهان(تفسير البرهان: ٤ / ٣٣٥ / ح ٩.) وغيره عن مولانا أبي جعفر الباقر (عليه
السلام)، في قوله تعالى في سورة الجمعة: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض
وابتغوا من فضل الله) ﴿الخ) قال: يعني بالصلاة بيعة أمير المؤمنين (عليه السلام)،
وبالأرض الأوصياء أمر الله بطاعتهم وولايتهم كما أمر بطاعة الرسول (صلى الله عليه
وآله) وطاعة أمير المؤمنين (عليه السلام)، كنى الله في ذلك عن أسمائهم فسماهم
بالأرض، وفي قوله: ﴿وابتغوا من فضل الله﴾( سورة الجمعة: ١٠.) قال: هكذا نزلت:
وابتغوا فضل الله على الأوصياء،
الخبر.
أقول: إنما شبهوا بالأرض لوجوه:
منها: أن الله تعالى شأنه قد جعل
الأرض سكنا وقرارا للخلائق فبذلك يعيشون ويسكنون ويدرجون ويستريحون وقد تقدم في
الباب الثالث والرابع أن سكون الأرض وقرارها بوجود الإمام، فسكون جميع ما في الأرض
واستراحته ليس إلا بسبب وجوده صلوات الله عليه.
ومنها: أن الأرض واسطة في وصول
البركات السماوية إلى أهل العالم قال (عزَّ وجلَّ):
﴿وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها
الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج﴾ والإمام أيضا واسطة في وصول البركة
الإلهية إلى أهل العالم كما مر.
ومنها: أن الله تعالى قد أخرج من
الأرض أنواعا من النعم، والفواكه والثمرات والعشب والكلأ، وغيرها بحسب حاجة الخلق،
لكي ينتفع كل واحد منهم من بني آدم وغيرهم، من الحيوانات والحشرات بما يصلحه
ويناسبه، قال تعالى: ﴿ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا
ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وأبا متاعا لكم ولأنعامكم﴾.
وقد أخرج من وجود الإمام أنواعا من
العلوم والأحكام بحسب حوائج الخلق ومصالحهم كي لا يحتاجوا إلى غيره، إلى غير ذلك
من الوجوه التي تظهر بالتدبر إن شاء الله تعالى وقد اختلج هذه الوجوه عجالة
بالبال، والله الموفق في كل حال.
توضيح: قال الشيخ الطبرسي (ره) في
مجمع البيان(مجمع البيان: ١٠ / ٤٤٠.): القضب هو ألقت الرطب، يقضب مرة بعد أخرى،
يكون علفا للدواب عن ابن عباس والحسن، والأب: المرعى من الحشيش، وسائر النبات الذي
ترعاه الأنعام والدواب. إنتهى.
وفي القاموس القضب: كل شجرة طالت
وبسطت أغصانها، والأب: الكلأ أو المرعى أو ما أنبتت الأرض، والخضر. إنتهى.
بيان المكرمة الثالثة عشرة
الدعاء
للإمام المهدي عليه السلام من أعظم الوسائل إلى الله تعالى
تُعد هذه المكرمة من أهم المكارم
التي ذكرها الميرزا محمد تقي الأصفهاني؛ لأنها تنتقل بالدعاء للإمام المهدي عليه
السلام من كونه عملاً مستحباً أو سبباً لنيل الثواب، إلى كونه وسيلةً إلهيةً
للتقرب إلى الله سبحانه وتعالى**. فالوسيلة ليست عنواناً ثانوياً في القرآن
الكريم، بل هي طريق الفلاح الذي أمر الله تعالى بابتغائه بقوله: ﴿يا أيها الذين
آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة﴾، ولذلك أراد المؤلف أن يثبت أن الدعاء
للإمام داخل في هذا الأمر الإلهي، بل هو من أعظم مصاديقه.
أولاً:
منهج المؤلف في الاستدلال
لم يكتفِ المؤلف بإطلاق الدعوى، بل
أقامها على طريقين متكاملين.
الطريق الأول: أن الوسيلة في معناها
اللغوي هي القربة والوصلة، وكل عبادة يتقرب بها الإنسان إلى الله فهي وسيلة، ولا
ريب أن الدعاء للإمام من أعظم القربات؛ لأنه يجمع بين العبادة، والمحبة، والولاء،
ونصرة الإمام، وإحياء أمره، ولذلك كان من أرفع الوسائل إلى الله تعالى.
أما الطريق الثاني فهو أعمق من
الأول، إذ استند إلى الروايات المفسرة للآية الكريمة، والتي بينت أن المراد
بالوسيلة هو الإمام نفسه، وأن التقرب إلى الله لا يكون إلا من خلال الإمام الذي
نصبه الله هادياً لعباده، واستشهد لذلك بكلمات أمير المؤمنين عليه السلام، وروايات
النبي صلى الله عليه وآله، والأدعية المأثورة كدعاء الندبة ودعاء عرفة، وكلها تؤكد
أن أهل البيت عليهم السلام هم الوسيلة إلى الله، والذرائع إلى رضوانه.
بعد أن أثبت المؤلف أن الإمام هو
الوسيلة، انتقل إلى بيان أن الدعاء بتعجيل فرجه هو من أعظم صور ابتغاء هذه
الوسيلة، لأن الدعاء ليس مجرد طلب لفظي، بل هو تعبير عملي عن معرفة الإمام، وإظهار
الولاء له، والسعي لتحقيق غايته، وإطاعة أمره، وإدخال السرور عليه. ولذلك عدَّ
المؤلف هذا الدعاء وسيلةً إلى جميع الأئمة، بل إلى جميع الأنبياء والأوصياء؛ لأن
الإمام المهدي عليه السلام هو خاتمة المشروع الإلهي، وظهوره تحقيق لآمالهم جميعاً.
ثم انتقل المؤلف إلى قاعدة معرفية
أساسية، وهي أن معرفة الله لا تنفك عن معرفة الإمام، مستشهداً بحديث الإمام الحسين
عليه السلام في تفسير معرفة الله بأنها معرفة إمام كل زمان، ثم نقل تعليق العلامة
المجلسي الذي يبين أن الانتفاع الحقيقي بمعرفة الله متوقف على معرفة الإمام، لأن
الإمام هو المعرِّف بالله، والدال عليه، والهادي إلى سبيله.
وختم المؤلف كلامه ببيان بديع شبَّه
فيه الأئمة بالأرض، وذكر لذلك وجوهاً متعددة؛ فكما أن الأرض محل استقرار الخلق،
وواسطة نزول البركات، ومنبع الأرزاق والثمرات، كذلك الإمام هو سبب استقرار العالم،
وواسطة الفيض الإلهي، ومنبع العلوم والأحكام، فكانت هذه التشبيهات توضيحاً عملياً
لمعنى كون الإمام وسيلةً إلى الله.
فوائد
الفائدة
الأولى: الوسيلة إلى الله ليست فكرة مجردة، بل شخصٌ جعله الله هادياً لعباده
من أهم النتائج التي يريد المؤلف
ترسيخها أن الوسيلة التي أمر الله بابتغائها ليست عملاً مجرداً فحسب، وإنما لها
مظهر حي يتمثل في الإمام المنصوب من قبل الله تعالى. فكما أن الله لا يُعبد إلا
بما شرع، كذلك لا يُتقرب إليه إلا من الطريق الذي عيّنه، ولذلك فسرت الروايات
الوسيلة بالإمام. وهذا يكشف أن الولاية ليست أمراً زائداً على الدين، بل هي الطريق
الذي تنتظم فيه سائر العبادات، ومن هنا كان الدعاء للإمام من أعظم الوسائل؛ لأنه
تعبير عملي عن التمسك بالطريق الذي اختاره الله لعباده.
الفائدة
الثانية: الدعاء للإمام يجمع بين العبادة والولاية
كثير من العبادات تحقق جانب التعبد،
ولكن الدعاء للإمام يمتاز بأنه يجمع بين التعبد لله والولاء لحجته في آنٍ واحد.
فالداعي يتوجه إلى الله وحده، لكنه يجعل مضمون دعائه متعلقاً بإمام زمانه، وبذلك
تتحقق عبودية الله من خلال الارتباط بوليه. وهذا هو سر تميز هذا الدعاء عن كثير من
الأدعية؛ لأنه يجمع بين التوحيد والإمامة، وبين العبادة والانتظار، وبين الخضوع
لله والوفاء لحجته.
الفائدة
الثالثة: معرفة الإمام شرطٌ لكمال معرفة الله
استشهد المؤلف بحديث الإمام الحسين
عليه السلام: «معرفة الله في كل زمان معرفة إمامهم الذي تجب عليهم طاعته»، وليس
المراد أن الإمام هو غاية المعرفة، وإنما أن الطريق الصحيح إلى معرفة الله يمر عبر
الإمام؛ لأنه المفسر للدين، والمبين للحق، والحافظ للشريعة. فكلما ازدادت معرفة
الإنسان بإمام زمانه، ازداد بصيرةً بالله، وازداد انتفاعاً بإيمانه، ولهذا جعلت
الروايات الجهل بالإمام سبباً للضلال، كما جعلت معرفته سبباً للحياة الحقيقية.
الفائدة
الرابعة: الدعاء للإمام يختصر جميع معاني الوسيلة
لو تأملنا حقيقة الدعاء بتعجيل
الفرج، لوجدناه يجمع معظم معاني الوسيلة التي ذكرها المؤلف؛ فهو محبة للإمام،
ونصرة له، وإحياء لأمره، وإظهار للشوق إلى دولته، وإطاعة لأمره، وطلب لرضا الله،
وسعي لتحقيق الوعد الإلهي بإظهار الدين على الدين كله. ولذلك لم يكن هذا الدعاء
وسيلةً إلى الإمام فقط، بل وسيلةً إلى الله تعالى؛ لأنه يجمع كل هذه العناوين في
عمل واحد يسير على اللسان، عظيم في الميزان.
الفائدة
الخامسة: تشبيه الإمام بالأرض يكشف عن دوره في حياة الأمة
من أبدع ما ذكره المؤلف تشبيهه
الإمام بالأرض، ولم يكن هذا التشبيه أدبياً محضاً، بل عقدياً عميقاً. فكما أن
الأرض هي محل الحياة، وواسطة نزول المطر، ومصدر الغذاء، ومستقر الخلق، فإن الإمام
هو سبب بقاء العالم، وواسطة نزول البركات، ومصدر العلوم الإلهية، وملجأ النفوس في
هدايتها. فالأرض تحيي الأبدان، والإمام يحيي الأرواح، والأرض تمد الإنسان بالغذاء،
والإمام يمده بالهداية، وبهذا يظهر أن الحاجة إلى الإمام ليست أقل من حاجة الخلق
إلى الأرض التي يعيشون عليها.
الفائدة
السادسة: الدعاء يصنع إنسان الوسيلة
الغاية التي يريد الميرزا الوصول
إليها ليست مجرد الإكثار من الدعاء، وإنما صناعة الإنسان الذي يعيش دائماً في
دائرة الوسيلة الإلهية. فالذي يكثر من الدعاء للإمام، يكثر من ذكره، ومن ذكره
ازداد تعلقاً به، ومن تعلق به ازداد قرباً من الله، لأن الإمام هو الوسيلة إليه.
وهكذا يتحول الدعاء من عمل لساني إلى منهج حياة، يربط العبد بالله من خلال
الارتباط الدائم بحجته، ويجعله يعيش حقيقة قوله تعالى: ﴿وابتغوا إليه الوسيلة﴾ في
كل يوم من أيام حياته.

تعليقات
إرسال تعليق