دراسة تحليلية في المكارم التسعين في كتاب مكيال المكارم المكرمة التاسعة عشر
المتن المكرمة التاسعة عشرة
المكرمة
التاسعة عشرة: الفوز بشرف لقائه في اليقظة أو المنام
وقد وردت هذه المكرمة بالخصوص في
حديث منصوص، لدعاء مخصوص رواه المجلسي (ره) في البحار(بحار الأنوار: ٨٦ / ٦١ باب
٣٨: ٦٩.) نقلا عن كتاب الاختيار للسيد علي بن حسين بن الباقي (ره) عن الصادق (عليه
السلام) إنه قال: من قرأ بعد كل فريضة هذا الدعاء فإنه يرى الإمام م ح م د بن
الحسن عليه وعلى آبائه السلام في اليقظة أو في المنام: (بسم الله الرحمن الرحيم)
اللهم بلغ إلى آخر الدعاء وسنذكره في الباب الآتي إن شاء الله تعالى، وهو مشتمل
على الدعاء لفرجه (عليه السلام).
- وفيه(بحار الأنوار: ٦٨ / ٧٧ باب
٣٩: ١١.): عن جنة الأمان عن الصادق (عليه السلام) أيضا أنه قال: من قال بعد صلاة
الفجر، وبعد صلاة الظهر: اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم لم يمت حتى يدرك
القائم من آل محمد (عليهم السلام).
- وروى الشيخ الجليل الحسن بن الفضل
الطبرسي، رحمه الله تعالى، في مكارم الأخلاق(مكارم الأخلاق: ١٤٩.) مرسلا أن من دعا
بهذا الدعاء عقيب كل فريضة وواظب على ذلك عاش حتى يمل الحياة ويتشرف بلقاء صاحب
الأمر عجل الله فرجه، وهو: اللهم صل على محمد وآل محمد اللهم إن رسولك الصادق
المصدق، إلى آخر الدعاء وهو أيضا دعاء في فرج مولانا الحجة صلوات الله عليه
وسنذكره بعدة طرق وروايات، عن معادن العلوم والعنايات في الباب الآتي في ذكر ما
يتأكد فيه الدعاء له من الأوقات إن شاء الله تعالى.
تنبيه فيه تشويق
إعلم أني كنت أواظب على هذا الدعاء
منذ أول زمان التكليف، وقد وقع لي الفوز في المنام بلقائه الشريف، ثلاث مرات إلى
الآن، بحيث حصل الجزم بأنه مولاي صاحب الزمان (عليه السلام).
فمنها: أني رأيت ليلة في المنام أنه
دخل داري التي أنا فيها ساكن الآن، ومعه نبي من أنبياء بني إسرائيل فدخل في حجرتي
التي تكون تجاه القبلة، وأمرني بذكر مصائب مولانا الشهيد أبي عبد الله الحسين
(عليه السلام) فأطعت أمره المطاع، وهو جالس مواجها لي بحال الاستماع فلما فرغت
قرأت زيارة مولانا أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) متوجها إلى سمت كربلاء، ثم
زيارة مولانا أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، متوجها إلى سمت طوس على النحو
المأنوس، ثم زيارة مولانا الحجة عجل الله تعالى فرجه متوجها إليه صلوات الله عليه،
فلما فرغت وأراد الانصراف، أعطاني هذا النبي الذي كان معه وجها لا أدري مبلغه عن
قبله، وغابا عني صلوات الله عليهما.
ثم لما كان اليوم الثاني من تلك
الليلة التي كانت أحسن من وقت الصباح، وأضوأ من ضحى الوضاح لقيت بعض العلماء
الراشدين كثر الله تعالى أمثالهم فأعطاني وجها طيبا كأنه كان غيثا صيبا فقلت ﴿هذا
تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا﴾ وأظهر لي صحة رؤياي لأزداد شوقا.
هذا وقد أفيض إلي من البركات الباطنة
والعلوم الكاملة الكامنة والمعارف الإيمانية والألطاف الربانية بعد هذا المنام ما
يتعسر بيانه بلسان الأقلام. وقد قدمنا في ذكر سبب تأليف هذا الكتاب ما يكون عبرة
لأولي الألباب، وذكرنا في مقام آخر ما يكون تبصرة لمن استبصر.
بيان المكرمة التاسعة عشرة
الفوز
بشرف لقاء الإمام المهدي عليه السلام في اليقظة أو المنام
تتميز هذه المكرمة عن كثير من
المكارم السابقة بأن الميرزا رحمه الله لم يحتج فيها إلى بناء استدلال غير مباشر،
ولا إلى ضم مقدمات متعددة بعضها إلى بعض، بل وجد نصوصاً خاصة تصرح بأن المواظبة
على أدعية معينة مشتملة على الدعاء بتعجيل الفرج تكون سبباً لرؤية الإمام المهدي
عليه السلام في اليقظة أو المنام، أو للتشرف بلقائه وإدراك ظهوره. ومن هنا كان
مدخله في هذه المكرمة أوضح وأقصر؛ لأنه بدأ بالنص الخاص، ثم استشهد بعدة روايات
تؤكد المعنى نفسه، ثم ختم البحث بتجربته الشخصية، فجاء استدلاله مؤلفاً من ثلاثة
مستويات: النص المأثور، وتعدد الشواهد، والتجربة الذاتية المؤيدة.
استدل الميرزا أولاً بما رواه
العلامة المجلسي رحمه الله عن الإمام الصادق عليه السلام، من أن من قرأ بعد كل
فريضة دعاءً مخصوصاً مشتملاً على الدعاء للإمام المهدي عليه السلام، فإنه يرى
الإمام في اليقظة أو المنام. ثم أضاف رواية أخرى في فضل الصلاة على محمد وآل محمد
وتعجيل فرجهم، وأن المواظب عليها لا يموت حتى يدرك القائم من آل محمد عليهم
السلام. ثم أورد ما رواه الطبرسي في «مكارم الأخلاق» من أن من واظب على دعاء مخصوص
عقيب كل فريضة طال عمره حتى يتشرف بلقاء صاحب الأمر عليه السلام. وبعد إيراد هذه
النصوص انتقل الميرزا من مقام النقل إلى مقام الشهادة الشخصية، فذكر أنه واظب على
هذا الدعاء منذ أول زمان التكليف، وأنه تشرف بلقاء الإمام في المنام ثلاث مرات، ثم
حكى واحدة من تلك الرؤى وما أعقبها من آثار وبركات باطنية ومعارف إيمانية.
دخل الميرزا إلى هذه المكرمة من باب
النص الخاص، بخلاف ما صنعه في بعض المكارم السابقة، إذ كان يبدأ فيها من قاعدة
عامة ثم يثبت أن الدعاء للإمام من مصاديقها. أما هنا فإن الرواية نفسها قد ربطت
بين الدعاء وبين رؤية الإمام، ولذلك لم يحتج إلى إثبات الصغرى أو توسيع مدلول
النص، وإنما اقتصر على تثبيت المكرمة من خلال الروايات الواردة فيها.
ثم لم يكتف بنص واحد، بل أورد نصوصاً
متعددة تختلف في التعبير وتتقارب في النتيجة؛ فبعضها يتحدث عن رؤية الإمام في
اليقظة أو المنام، وبعضها عن إدراك القائم، وبعضها عن التشرف بلقائه. وهذا التعدد
يبين أن الميرزا أراد أن يثبت أصل العلاقة بين المواظبة على الدعاء وبين نيل نصيب
خاص من القرب من الإمام، وإن اختلفت صورة هذا النصيب.
ثم أضاف إلى النقل تجربته الشخصية،
لا ليجعلها دليلاً شرعياً مستقلاً، وإنما لتكون شاهداً وجدانياً مؤيداً للنصوص،
ومحركاً لشوق القارئ. ولذلك عنون هذا المقطع بقوله: «تنبيه فيه تشويق»، فكان غرضه
تربوياً بقدر ما كان استدلالياً.
الفائدة
الأولى: اللقاء ثمرة للمواظبة لا لمجرد التلفظ
النصوص التي أوردها الميرزا لا تتحدث
عن دعاء عابر يقوله الإنسان مرة واحدة، وإنما تتحدث عن القراءة بعد كل فريضة، وعن
المواظبة والاستمرار. وهذا يكشف عن أن الفائدة ليست مرتبطة بمجرد التلفظ، بل ببناء
حالة دائمة من التوجه إلى الإمام. فالمواظبة تجعل ذكر الإمام جزءاً من نظام
العبادة اليومية، وتجعل العلاقة به متجددة مع كل صلاة، ومن هنا يصبح اللقاء ثمرة
طبيعية لحضور الإمام المستمر في قلب الداعي.
الفائدة
الثانية: الدعاء يصنع الاستعداد للقاء
لا ينبغي فهم المكرمة على أن الدعاء
يعمل عملاً آلياً يؤدي بالضرورة إلى الرؤية، بل الظاهر أن الدعاء المتكرر يهيئ
النفس، ويطهر القلب، ويقوي الشوق، ويزيد المعرفة، وبذلك يصير الإنسان أكثر
استعداداً لتلقي الفيض أو الرؤيا الصادقة. فاللقاء في منهج الميرزا ليس منفصلاً عن
البناء الباطني، وإنما هو أثر من آثار اكتمال الاستعداد الروحي الذي تصنعه
المواظبة على الدعاء.
الفائدة
الثالثة: اللقاء ليس غاية مستقلة عن الولاية
الميرزا لا يحول رؤية الإمام إلى
غاية نفسية يبحث عنها الإنسان لإشباع الفضول أو تحصيل الكرامة، بل يجعلها ثمرة من
ثمار الدعاء والولاية. فالأصل هو الالتزام بالإمام، والدعاء له، وانتظار فرجه، أما
اللقاء فهو فضل قد يمنحه الله للداعي. ومن هنا لا يكون معيار صدق الولاء هو كثرة
الرؤى، بل ثبات الإنسان على الدعاء والطاعة والانتظار.
الفائدة
الرابعة: الرؤيا الصادقة باب من أبواب التثبيت
حين ذكر الميرزا رؤيته للإمام عليه
السلام، أشار إلى أنه حصل له الجزم بأنه مولاه صاحب الزمان، ثم ذكر أن بعض وقائع
اليوم التالي جاءت موافقة لمعنى الرؤيا، فعد ذلك تأويلاً لها وتثبيتاً لصحتها.
وهذا يكشف عن فهمه للرؤيا بوصفها باباً من أبواب التثبيت والإيناس، لا مصدراً
مستقلاً للتشريع. فالرؤيا قد تقوي اليقين، وتزيد الشوق، وتمنح العبد سكينة، لكنها
لا تؤسس حكماً شرعياً جديداً.
الفائدة
الخامسة: اقتران الإمام المهدي بالإمام الحسين عليهما السلام
من أعمق ما في رؤيا الميرزا أن
الإمام المهدي عليه السلام أمره بذكر مصائب الإمام الحسين عليه السلام، ثم استمع
إليه، وبعد ذلك قرأ الميرزا زيارة الإمام الحسين، ثم زيارة الإمام الرضا، ثم زيارة
الإمام الحجة عليهم السلام. وهذا الاقتران يكشف عن الوحدة الولائية بين الأئمة،
ويبين أن طريق القرب من الإمام المهدي يمر عبر الحسين عليه السلام، وأن إحياء
المصيبة الحسينية ليس منفصلاً عن ثقافة الانتظار، بل هو من أهم أبوابها.
الفائدة
السادسة: الإمام حاضر في المجالس الحسينية
أمر الإمام للميرزا بذكر مصائب
الحسين عليه السلام، وجلوسه في حال الاستماع، يحمل دلالة روحية عميقة، وهي أن
المجالس الحسينية تقع في دائرة عناية الإمام الحي، وأن الذاكر للمصيبة لا يقرأ
أمام جمهور ظاهر فقط، بل قد يكون في محضر الإمام وإن لم يره. وهذا المعنى يضفي على
المجلس الحسيني قداسة ومسؤولية؛ لأن الخطيب أو الذاكر ينبغي أن يستحضر أنه يخاطب
قلب الإمام، ويواسيه، ويعرض عليه مصيبة جده.
الفائدة
السابعة: الدعاء يجمع بين الصلاة والزيارة والانتظار
في النصوص التي نقلها الميرزا اقترن
الدعاء بالإمام بالفرائض، والصلاة على محمد وآل محمد، والزيارة، وذكر المصيبة.
وهذا يدل على أن ثقافة الانتظار ليست عملاً مفرداً معزولاً، وإنما منظومة عبادية
متكاملة، تتداخل فيها الصلاة والولاية والزيارة والدعاء والمواساة. فالدعاء للإمام
يصبح حلقة تصل هذه الأعمال بعضها ببعض، وتمنحها اتجاهاً مهدوياً واضحاً.
الفائدة
الثامنة: اللقاء قد يكون ظاهرياً وقد يكون باطنياً
بعد ذكر الرؤيا، قال الميرزا إنه
أفيض عليه من البركات الباطنة والعلوم والمعارف والألطاف ما يتعسر بيانه. وهذه
العبارة توسع مفهوم اللقاء؛ فقد لا يكون أثر اللقاء مقصوراً على رؤية صورة الإمام،
بل قد يظهر في انفتاح القلب، وازدياد المعرفة، وقوة اليقين، وحصول التوفيق. ومن
هنا قد ينال المؤمن نصيباً من آثار اللقاء من دون أن يتحقق له اللقاء الحسي
المباشر.
الفائدة
التاسعة: التجربة الشخصية في خدمة التربية لا في مقام الحجية
إدخال الميرزا لتجربته الخاصة في هذا
الموضع مقصود بعناية؛ لأنه أراد أن يزيل عن القارئ الشعور بأن الروايات تتحدث عن
واقع بعيد أو متعذر. لكنه مع ذلك لم يجعل تجربته أصل الدليل، بل قدم النصوص أولاً،
ثم ذكر الرؤيا بعد ذلك. وهذا ترتيب منهجي دقيق؛ إذ تبقى الحجية للنص، وتأتي
التجربة بوصفها شاهداً على إمكان تحقق مضمونه.
الفائدة
العاشرة: الشوق نفسه من ثمرات الدعاء
الميرزا سمى كلامه «تنبيهاً فيه
تشويق»، فكأنه يريد أن يقول إن مجرد معرفة إمكان اللقاء ينبغي أن تدفع المؤمن إلى
المواظبة على الدعاء. وهنا تتحول المكرمة من خبر عن جزاء مستقبلي إلى وسيلة تربوية
لإيقاظ الشوق. فالشوق إلى الإمام يدفع إلى الدعاء، والدعاء يزيد الشوق، وكل منهما
يغذي الآخر حتى تصبح حياة المؤمن كلها حركة نحو الإمام.
الفائدة
الحادية عشرة: اللقاء الحقيقي يبدأ قبل الرؤية
من مجموع كلام الميرزا يمكن استنتاج
أن اللقاء لا يبدأ لحظة الرؤية، وإنما يبدأ منذ اللحظة التي يدخل فيها الإمام إلى
الوعي اليومي للإنسان. فمن واظب على الدعاء، واستحضر الإمام بعد كل فريضة، وربط
صلاته بفرجه، فقد دخل في نوع من اللقاء المعنوي المستمر، أما الرؤيا أو التشرف
الظاهري فهما مرتبة أعلى من هذه الصلة، لا بداية لها.
الفائدة
الثانية عشرة: عدم حصول الرؤية لا يعني عدم القبول
من المهم في بيان هذه المكرمة ألا
يفهم القارئ أن من واظب ولم ير الإمام قد حرم الفائدة أو لم يقبل دعاؤه؛ لأن تحقق
الرؤيا قد يتوقف على مصالح وحكم واستعدادات لا يعلمها إلا الله. وقد ينال الإنسان
من البركات الباطنة، وقوة الإيمان، والتوفيق، ودعاء الإمام له، ما هو أعظم من
الرؤية نفسها. فالمكرمة تبعث على الرجاء، لكنها لا تجعل الرؤية ميزاناً لإيمان
العبد أو منزلته.
دخل الميرزا في هذه المكرمة من النص
الخاص الذي ربط بين المواظبة على الدعاء وبين رؤية الإمام أو التشرف بلقائه، ثم
عزز المعنى بتعدد الروايات، وختمه بتجربته الشخصية التي جعلها وسيلة للتشويق
والتثبيت. غير أن العمق الحقيقي لكلامه لا يقف عند الوعد بالرؤية، بل يكشف أن
الدعاء المستمر يصنع حضور الإمام في القلب، ويهيئ النفس للقرب منه، ويحول العبادة
اليومية إلى طريق من طرق اللقاء. فكل دعاء صادق هو خطوة نحو الإمام، وكل مواظبة هي
إعداد للروح، وكل شوق صادق لون من ألوان اللقاء، سواء أذن الله لصاحبه بالرؤية في
المنام أو اليقظة، أم أفاض عليه من آثار القرب والبركات الباطنة ما لا يقل شرفاً
عنها.

تعليقات
إرسال تعليق