الحكاية العاشرة صاحب الأمر علیه السلام یجیب المقدس الأردبیلی علی مسائله
الحكاية العاشرة
صاحب الأمر علیه
السلام یجیب المقدس الأردبیلی علی مسائله
المقدس الأردبیلی المتوفی سنه
993ه_.ق من النجوم اللامعه فی سماء الفضیله والعلم التی سما التشییع بوجود أمثالهم
، مجتهد کبیر ومحقق بارع له أفکار بدیعه ونظرات دقیقه ، وکان مما رفعه إلی أعلی
المراتب وأرفعها بین العلماء مضافا إلی علمه ورعه وتقواه وزهده ، وهو من الذین
تشرفوا بلقاء صاحب الأمر أرواحنا فداه وممن شملتهم ألطافه الخفیه کما سیمر بنا .
یقول المحدث المعروف السید الجزائری
« وقد حدثنی أوثق مشایخی علما وعملا أن هذا الرجل - وهو المولی الأردبیلی - تلمیذا
من أهل ( تفریش ) اسمه میر علام ( فیض الله خ . ل) وقد کان بمکان من الفضل والورع
. قال ذلک التلمیذ : إنه قد کانت لی حجره فی المدرسه المحیطه بالقبه الشریفه ،
فاتفق إنی فرغت من مطالعتی وقد مضی جانب کثیر من اللیل ، فخرجت من الجحره انظر فی
حوش الحضره وکانت اللیله شدیده الظلام فرأیت رجلا مقبلا علی الحضره الشریفه ، فقلت
: لعل هذا سارق جاء لیسرق شیئا من القنادیل ، فنزلت وأتیت إلی قربه فرأیته وهو لا یرانی
فمضی إلی الباب ووقف ، فرأیت القفل قد سقط وفتح له الباب الثانی ، والثالث علی هذا
الحال ، فأشرف علی القبر فسلم وأتی من جانب القبر رد السلام ، فعرفت صوته فإذا هو یتکلم
مع الإمام علیه السلام فی مسأله علمیه ، ثم خرج من البلد متوجها إلی مسجد الکوفه
فخرجت خلفه وهو لا یرانی ، فلما وصل إلی محراب المسجد سمعته یتکلم مع رجل آخر بتلک
المسأله ، فرجع ورجعت خلفه فلما بلغ إلی باب البلد أضاء الصبح فأعلنت نفسی له وقلت
له : یا مولانا کنت معک من الأول إلی الآخر ؛ فاعلمنی من کان الرجل الأول الذی
کلمته فی القبه ومن الرجل الآخر الذی کلمک فی مسجد الکوفه ؟ فأخذ علی المواثیق أنی
لا أخبر أحدا بسره حتی یموت . فقال لی : یا ولدی إن بعض المسائل تشتبه علی فربما
خرجت فی بعض اللیل إلی قبر مولانا أمیر المؤمنین علیه السلام وکلمته فی المسأله
وسمعت الجواب ، وفی هذه اللیله أحالنی علی مولانا صاحب الزمان علیه السلام وقال لی
: إن ولدنا المهدی هذه اللیله فی مسجد الکوفه فأمضی إلیه وسله عن هذه المسأله ،
وکان ذلک الرجل هو المهدی »([1]).
نفحات اللقاء
النفحة
الأولى: سؤالٌ قاد إلى الحبيب
خرج المقدّس الأردبيلي يلتمس جوابًا
لمسألة علمية، فإذا بطلب المعرفة يقوده إلى لقاء صاحب الزمان عليه السلام. فما
أجمل العلم حين يكون طلبًا للحق، وما أكرم عاقبته حين يتصل بمعدن الهداية!
النفحة
الثانية: العالم الكبير يعرف موضع السؤال
لم تمنعه منزلته العلمية من الاعتراف
بأن بعض المسائل تشتبه عليه؛ فالعلم لا يُغني صاحبه عن التواضع، وكلما ازداد
العالم بصيرةً، ازداد معرفةً بحاجته إلى هداية الله وحججه.
النفحة
الثالثة: من أمير المؤمنين إلى وارثه
في إحالة أمير المؤمنين عليه السلام
إلى ولده المهدي عليه السلام نفحةٌ من اتصال الإمامة: فالهداية ممتدة، ووارث علم
عليٍّ حاضر، وإن غاب عن عامة الأبصار.
النفحة
الرابعة: غائبٌ عن الأبصار، حاضرٌ للهداية
تُظهر الحكاية أن غيبة الإمام عليه
السلام لا تعني انقطاع ألطافه؛ فقد يصل أثر عنايته إلى من يشاء الله، ويكون له من
الهداية نصيبٌ لا يطّلع عليه الناس.
النفحة
الخامسة: من جوار الضريح إلى محراب المسجد
مضى المقدّس الأردبيلي في ظلمة الليل
من النجف إلى مسجد الكوفة، يحمل سؤاله ويطلب جوابه. وفي مسيره تذكيرٌ بأن الوصول
إلى المعرفة يستحق العناء، وأن طالب الحق لا يستثقل الطريق إليه.
النفحة
السادسة: اللقاء أمانةٌ تُصان
أخذ على تلميذه العهد ألّا يكشف سرّه
حتى يموت؛ فليس كل ما يُرزق الإنسان من لطفٍ مادةً للحديث عن نفسه. وقد يكون كتمان
النعمة أدبًا في حفظها، وصيانةً للقلب من طلب المنزلة عند الخلق.
النفحة
السابعة: ثمرة اللقاء بصيرةٌ في الدين
لم تذكر الحكاية أن المقدّس
الأردبيلي طلب جاهًا أو منفعةً دنيوية؛ إنما كان سؤاله في العلم. وهكذا يعلّمنا
هذا المشهد أن من أشرف ما يُطلب من الإمام عليه السلام هدايةٌ تُصحّح المعرفة،
وتعين على أداء التكليف.
النفحة
الثامنة: نفحةٌ للمنتظر
قد لا تُتاح لنا مشاهدة الحبيب، ولكن
أبواب التواضع والإخلاص وطلب العلم والعمل مفتوحة. فلنأخذ من هذه الحكاية ما
نستطيع امتثاله: أن نطلب الحق بصدق، وأن نحفظ أدبنا مع إمامنا، وأن نسأل الله أن
يجعل لنا نصيبًا من هدايته وألطافه.

تعليقات
إرسال تعليق