القائمة الرئيسية

الصفحات

المقام التاسع:الموعودُ بالنصر، الظاهرُ بالأمرالسَّلامُ عَلَيكَ، عَجَّلَ الله لَكَ ما وَعَدَكَ مِنَ النَّصرِ وَظُهورِ الأمرِ

 






المقام التاسع:

الموعودُ بالنصر، الظاهرُ بالأمر

السَّلامُ عَلَيكَ، عَجَّلَ الله لَكَ ما وَعَدَكَ مِنَ النَّصرِ وَظُهورِ الأمرِ،

 

 

حين نخاطب الإمام بهذه العبارة، فنحن في الحقيقة لا نقرأ دعاءً فقط، بل نشارك في فعلٍ كونيٍّ يتجدد كلّ جمعة.

فالسلام هنا ليس إلقاءً لفظيًا، بل هو اتصال معرفيّ بين قلب المؤمن والروح المهدوية التي تدور مع الفلك الإلهي.

وكلمة «السلام عليك» تعني: الأمان لك، والانقياد إليك، والرضا بحكمك، وهي تجلٍّ من تجلّيات قوله تعالى:«سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ» (يس: 58).

فالمؤمن في زيارة الجمعة يدخل في دائرة هذا السلام الربّاني عبر الإمام، لأنّ الإمام هو واسطة السلام الإلهي في الأرض.

 

ثمّ تأتي الجملة التالية:«عجّل الله لك ما وعدك من النصر وظهور الأمر»،فتكشف عن ميثاق الانتظار الذي يُجدَّد في كلّ جمعة. فالزيارة الأسبوعية للإمام المهدي عليه السلام ليست تذكّرًا، بل هي تجديد لعقد العبودية المهدوية، لأنّ المؤمن في كلّ جمعة يسلّم على إمامه كما يسلّم العبد على مولاه في العهد الأول، وهو ما يُعرف في الروايات بـ تجديد البيعة.

وفي عمق هذا السلام  تُعبيّر عن اشتراك الزائر في الظهور، لأنّ التعجيل بالنصر لا يكون دعاءً منقطعًا، بل هو سعي وجودي يُصبح الإنسان نفسه وعاءً لتعجيل الظهور، أي أن يطهّر نفسه، ويهذّب روحه، ويُعدّ قلبه ليكون من جنود ذلك النصر.

وعليه، فسلام الجمعة هو تذكير بولادة النور وطلب لولادة النصر، فكأنّ المؤمن يكرّر في كلّ أسبوع فعل التكوين:

كما وُلد الإمام في الجمعة، ليولد في القلوب كلّ جمعة من جديد.

فكلّ زيارة هي ولادة رمزية للمهدوية في النفس المؤمنة، وكلّ سلام هو دعوة لظهور الإمام في الباطن قبل الظهور في الظاهر.

والمستفاد من هذا المقطع

النقطة الأولى: الوعد الإلهي

إنّ قوله «ما وعدك» يفتح بابًا على أحد أعظم الأسرار في العقيدة المهدوية، وهو أنّ الإمام المهدي عليه السلام ليس موعودًا فحسب، بل هو نفس الوعد الإلهي متجسّدًا في الزمان.

فالوعد في القرآن الكريم له مستويان: وعدٌ عامٌّ للأمة بالنصر والتمكين، ووعدٌ خاصٌّ للأولياء ولورثة الأنبياء بتمام الدين وظهور الحق.

قال تعالى:﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: 105).

وقال أيضًا: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ﴾ (القصص: 5).

هاتان الآيتان هما أصل كلّ الميثاق المهدوي؛ فهما وعدان إلهيان بظهور دولة الحقّ في آخر الزمان، وعدٌ مكتوب في الزبور، ومقضيٌّ في الذكر، ومنتظرٌ في الواقع.

فالإمام المهدي هو المصداق الأكمل لوعد الله، ولذلك يخاطبه المؤمن في الزيارة:«عجّل الله لك ما وعدك»

أي عجّل الله لك تحقق ذلك الميثاق الأزلي الذي خُتم باسمك، وبه يُختم تاريخ الامتحان البشري.

من هنا، فالوعد ليس أمرًا مؤجَّلاً خارج الزمان، بل هو حقيقة مغروسة في أصل الوجود، والإمام هو حامل هذا السرّ، لذلك وصفه الأئمة بأنّه:«سرّ من أسرار الله، وغيب من غيبه» (الغيبة للطوسي، ص70).

فالوعد المهدوي هو وعد الله لذاته في خلقه، إذ وعد نفسه أن يُظهر دينه على الدين كله، فلا يُمكن أن يتخلّف هذا الوعد لأنه من مقتضيات الربوبية في تمامها.

ومن هنا كانت العقيدة المهدوية عند الإمامية ليست رجاءً سياسياً، بل يقيناً توحيدياً، لأنّها تمسّ وعد الله الذي لا يُخلف الميعاد.

فحين يقول المؤمن: «عجّل الله لك ما وعدك»، فهو في الحقيقة يقول:اللهم عجّل في تجلّي ذاتك في أرضك، بظهور وجهك في وليّك.

فالإمام هو مرآةُ الوعد، وكلّ انتظار هو انتظارٌ للربّ في وجه وليّه.

 

النقطة الثانية: من النصر المادي إلى النصر الوجودي

النصر في لغة القرآن لا يُقاس بموازين الحرب أو الغلبة الظاهرة، بل هو تحقق الغاية الإلهية من الخلق.

فحين يقول الزائر: «عجّل الله لك ما وعدك من النصر»، فهو لا يقصد نصراً عسكرياً فحسب، بل يقصد نصراً وجودياً، أي انكشاف سلطان الحقّ في جميع العوالم.

قال تعالى:﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: 7).

فالنصر لله لا بمعنى أن الله يحتاج من ينصره، بل بمعنى أنَّ نصرة الله تعني نصرة أوليائه في تحقّق مشيئته في الأرض.

والإمام المهدي هو «وجه الله» الذي يُنصر اللهُ به نفسَه، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة:«ينتصر الله بكم في أرضه على أعدائه» (نهج البلاغة، الخطبة 192).

 

فالنصر المهدوي هو انتصار الحقّ على الوهم، والعدل على الجور، والمعنى على المظهر، ولذلك يصف القرآن ذلك اليوم بقوله:﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ (الروم: 4-5).

أي أن الفرح ليس بالانتصار الخارجي فقط، بل بالانتصار الإلهي الذي يكشف ستر الغيبة ويعيد للإنسان وجهه الإلهي.

فالنصر الذي وُعد به الإمام هو نصر الروح على المادة، ونصر الحقيقة على الشبه، ونصر الوحدة على التفرّق، وهو لذلك يسمّى في الروايات «الفرج»، لأنه فرج للوجود من ظلمة الغيبة إلى نور الظهور.

وبهذا المعنى يصبح قول الزائر: «عجّل الله لك ما وعدك من النصر» دعاءً لتسريع اكتمال الوعي الإنساني وتمهيده لتلقي النور، لا مجرّد طلب لحدث سياسي أو عسكري.

فالمعركة التي سيخوضها الإمام هي معركة الوعي والعدل والعبودية، ولذلك يكون نصره نصراً إلهياً مطلقاً، لا يُقاس بما نعرف من صور النصر، بل بما يتحقق من رجوع الوجود إلى التوحيد الكامل.

 

النقطة الثالثة: ظهور الأمر

إنّ التعبير القرآني في قوله تعالى:﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ (الصف: 8)

يُشير إلى أن الأمر الإلهي نورٌ متدرّج في الظهور، وأنّ كلّ عصرٍ من عصور الأنبياء والأئمة هو مرحلة في انكشاف هذا النور.

 

فـ**«ظهور الأمر»** في زيارة الإمام المهدي لا يعني بداية الأمر، بل انكشافه التام بعد سترٍ طويل.

إنّ الأمر الإلهي قائم منذ البدء، وهو ما عبّرت عنه الآية:﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ (يس: 82).

لكن هذا «الأمر» في عالم الشهادة يُدار بالتدرّج، حتى يبلغ ظهوره الأكمل في الإمام المهدي عليه السلام، فهو تجسيد لظهور "كن فيكون" في التاريخ.

 

وحين نقول «ظهور الأمر»، فالمقصود ظهور أمر الله في الولاية، أي أن يتجلّى سلطان الحقّ في الأرض كما هو في السماء.

ففي عصر الغيبة، الأمر قائم في الباطن، يتولى التدبير الخفي بإذن الله، وفي عصر الظهور، يتجلّى هذا الأمر جهراً في كلّ الميادين: الفكرية والسياسية والاجتماعية والروحية.

لذلك وصفته الروايات بأنه سيُظهر دين الله على الدين كله، أي سيُظهر أمر الله في الخلق والكون والتشريع.

قال الإمام الصادق عليه السلام:«إذا قام القائم عليه السلام، حكم بالعدل وارتفع في أيامه الجور، وأمنت به السبل، وأخرجت الأرض بركاتها، وردّ كلّ حقٍّ إلى أهله» (الغيبة للنعماني، ص236).

 

فهذا الظهور هو اكتمال دائرة الوجود الإلهي في العالم الإنساني.

فـ«ظهور الأمر» هو لحظة انكشاف الباطن للظاهر، حين تصير الولاية التي كانت في الغيب حاكمة في العلن، فيتحقق وعد الله التام:﴿وَنُرِيدُ أَن نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا...﴾

أي أن يظهر أمر الله في أرضه، ويُعلن وجهه في وليّه.

ومن هنا، فالزائر حين يقول: «عجّل الله لك ما وعدك من النصر وظهور الأمر»، فهو في الحقيقة يُعلن إيمانه بعقيدة الظهور كإتمامٍ لمشروع الخلق، ويجدّد بيعة الانتظار، بأنّ قلبه في حالة تسليم دائم لأمر الله، ينتظر أن يُظهره لا من موقع المتفرّج، بل من موقع المشارك في تحقق ذلك الأمر عبر نفسه وعمله وولائه.

قصة يغتسل غسل زيارة الامام

ثمة رجل من أهل الولاء و الذوق.. كان يغتسل غسل زيارة الامام ولي العصر (عليه السلام) كلما دخل الحمام للاستحمام. يفعل ذلك استنادا ًإلى استحباب الغسل لزيارة الامام الحي أيضاً. يقول هذا الرجل:أنا في ترقب دائم للفوز بزيارة الامام في أي مكان.. فما لي أذن لا أغتسل غسل زيارة الامام ما دمت قادراً عليه، فأكون على استعداد دائم للقائه (عليه السلام)؟

سنوات.. و هو يهيئ نفسه، من خلال هذا العمل، للقيا امام الزمان (عليه السلام). حتى كان يوم كما يذكر هو تهّيأ له فيه ماء مباح كل الإباحة لا احتمال لشيئ من الغصب فيه. فاغتسل بنية الغسل عن كل ما يحتمل أن يكون في ذمته من أغسال الجنابة السابقة، أو الأغسال التي ربما كان قد اغتسلها فيما مضى بماء غير مباح. و نوى في هذا الغسل بالضميمية غسل زيارة الامام بقية الله (روحي فداه). ثم أتم غسله و خرج من الماء. لكنه ما كاد يرتدي ثيابه و يتعطر بشيئ من الطيب.. حتى ملأ عينيه جمال الامام صاحب الأمر (عليه السلام).

عند هذه النقطة من رواية الواقعة.. بكى هذا الرجل بكاء صرفه عن متابعة رواية ما جرى بعدئذ له. و لعله كان لا يريد أن يفشي سر ما نال من فيوضات. بيد أن في كثرة ما بكى حين كان يروي و في شدة ما اعترى حالته من تغير.. ما يكفي للدلالة على وفرة ما استمد من الامام (عليه السلام) خلال تلك الواقعة و كثرة ما انتفع.

اقول وانت ترى أبرز ما في القصة ليس لحظة الرؤية، بل سنوات التهيؤ قبلها الرجل لم يجعل اللقاء حدثًا طارئًا، بل جعل حياته اليومية قابلة للّقاء.

اللقاء مع وليّ الله لا يُنتظر، بل يُستعدّ له. الاستعداد هنا ليس معرفة ولا ادّعاء، بل: طهارةونية، ودوام توجه.

من جعل اللقاء غايته حُرم، ومن جعل الاستعداد غايته أُفيض عليه ما لا يُقال. وهذا سرّ بكائه:لأن الفيض إذا كان حقيقيًا،يعجز اللسان عن حمله.


أنت الان في اول موضوع

تعليقات