المقام الثاني
المنتظر
لظهور الحق على يدي الإمام المهدي
وَأنتَظِرُ
ظُهورَكَ وَظُهورَ الحَقِّ عَلى يَدَيكَ
النقطة
الأولى: الانتظارعبادة
الانتظار في المفهوم الإمامي ليس
مجرّد ترقّبٍ لحدثٍ زمنيّ، بل هو موقفٌ عباديٌّ مستمر يعبّر عن حالة من الولاء
الحيّ للغيب الإلهي.
فقول الزائر: «وأنتظر ظهورك» هو
إعلان تفاعل وجودي بين العبد والإمام، يعبّر عن يقينٍ بأنّ الإمام موجود، حاضر،
مراقب، فاعل في الوجود، وإن كان غائبًا عن الأبصار.
يُعدُّ الانتظار عبادة عظيمة، فإذا
اقترن بالنية الخالصة، ترتب عليه الثواب الكبير، ويُفضي إلى لطف إلهي ظاهر وباطن،
ويمنح التوفيق للعمل بما ينسجم مع فطرة الدين.
والانتظار، شأنه شأن سائر العبادات،
يسهم في بناء الفرد بناءً متكاملاً، ليس على الصعيد الشخصي فحسب، بل يمتد أثره إلى
المجتمع كله، فالدين جاء لتحقيق هذا البناء الشامل، خصوصًا حين يُفهم الانتظار
بمعناه الصحيح.
وقد تجلى هذا المعنى بوضوح في دعاء
العهد، الذي يُستحب قراءته يوميًا:(اللّهم إن حال بيني وبينه الموتُ الذي جعلته
على عبادك حتمًا مقضيًّا، فأخرجني من قبري مؤتزراً كفني، شاهراً سيفي، مجرّدًا
قناتي، مُلبيًا دعوة الداعي في الحاضر والبادي …)إن الانتظار من
أفضل العبادات وأحبها إلى الله تعالى، كما قال الإمام علي عليه السلام: «أفضل
عبادة المؤمن انتظار فرج الله». ومن أهم شروط صحة العبادة إخلاص النية، فإن
الموالي حين يحقق في نفسه شروط الانتظار الحقيقي، يسعى لكسب الإخلاص في هذا العمل،
ويجعل هدفه الأساسي هو انتظار الإمام وظهور دولته العالمية، وإقامة الحق وحكم
الإسلام في الأرض.
وهذا "الانتظار" عملٌ لا
يتعلّق بالمستقبل فقط، بل هو حركة إيمانية في الحاضر، لأنه يعبّر عن موقفٍ من
الواقع: أن المؤمن لا يرضى بالباطل، ولا يساوم مع الظلم، بل يعيش قلبه في رجاء
الظهور لأنه يعلم أن الحقّ له حاملٌ إلهيّ اسمه المهديّ عجل الله فرجه .
فالمنتظر الحقّ لا يعيش السكون، بل
يعيش الاستعداد المستمر، إذ الانتظار هو تعبئة روحية وعملية لاستقبال لحظة الحق
الكبرى.
من هنا نفهم أن انتظار الظهور هو في جوهره
عبادة التوحيد في الغيبة، لأنه إعلان إيمانٍ بأنّ الله لم يترك الأرض بلا حجّة،
وأنّ العدل الإلهيّ سيتحقق لا محالة.
ومن البعد الأخلاقي، الانتظار يربّي
على:الصبر في الغيبة؛ لأن من ينتظر وعد الله يعيش الأمل الإلهيّ الدائم والطهارة
من اليأس؛ إذ لا يعرف المنتظر معنى القنوط والاستقامة في الطريق؛ لأن المنتظر يرى
أن كل لحظة من حياته خطوة نحو الموعد الموعود.
فالمنتظر ليس ساكنًا، بل فاعلٌ
بالإيمان، صابرٌ باليقين، متحرّكٌ بالشوق، وكلما طال الغياب، ازداد يقينه بالظهور.
النقطة
الثانية: الظهور والحق
العبارة تقول: «وأنتظرُ ظهورَك
وظهورَ الحقِّ على يديك»، فهي لا تفصل بين الظهورين؛ إذ ظهور الإمام هو عين ظهور
الحق، لأن الإمام هو مظهر الحقّ الإلهيّ في الوجود.
أ – البعد العقائدي:الحقّ
في المفهوم القرآنيّ ليس مجرد مفهومٍ قيميّ، بل هو الوجود الإلهيّ الفاعل الذي
يتجلّى في التاريخ.
قال تعالى:﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ
وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ (الإسراء: 81).
في تفسير العياشي: عن جابر قال: سألت
أبا جعفر عليه السلام عن تفسير هذه الآية في قول الله: (يريد الله أن يحق الحق
بكلماته ويقطع دابر الكافرين) قال أبو جعفر عليه السلام: تفسيرها في الباطن يريد
الله فإنه شئ يريده ولم يفعله بعد: وأما قوله:(يحق الحق بكلماته) فإنه يعني يحق حق
آل محمد، وأما قوله: (بكلماته) قال: كلماته في الباطن، علي هو كلمة الله في
الباطن. وأما قوله: (ويقطع دابر الكافرين) فيعني بني أمية هم الكافرون، يقطع الله دابرهم، وأما
قوله: (ليحق الحق) فإنه يعني ليحق حق آل محمد حين يقوم القائم، وأما قوله: (ويبطل
الباطل) يعني القائم، فإذا قام يبطل باطل بني أمية، وذلك (ليحق الحق ويبطل الباطل
ولو كره المجرمون ([1]).
فالإمام هو وجه الله في عالم
الإمكان، وظهوره هو تجلّي الاسم الأعظم في حركة الوجود الإنساني.
إذن، انتظار ظهوره يعني انتظار لحظة
تجلّي الله في التاريخ بالعدل التام فالمنتظر في حقيقته ينتظر الله أن يظهر بصفاته
عبر خليفته الكامل.
ب – البعد المعرفي:
حين يقول الزائر "ظهور الحق على
يديك"، فهو لا ينتظر فقط حدثًا سياسياً أو إصلاحاً اجتماعياً، بل تحولاً
وجودياً شاملاً، يملأ الأرض معرفةً كما مُلئت جهلاً، ونورًا كما مُلئت ظلمة.
فالظهور هو اكتمال النور الإلهيّ في
عالم الشهادة، وبه تُرفع الحجب، وتنكشف الحقيقة، ويُرى الإمام لا كفردٍ، بل
كـ"ميزانٍ للحقّ".
وفي الروايات أن الناس عند ظهوره
"يرون الحقّ حقًّا والباطل باطلاً"، أي أن الوعي الكونيّ نفسه يتبدّل،
لأن الظهور لا يغيّر الأنظمة فقط، بل يبدّل طريقة رؤية الإنسان لله والوجود.
ج – البعد الأخلاقي:
ظهور الحقّ على يد الإمام لا يعني
فقط انتصار العدالة، بل أيضًا انتصار البصيرة فمن ينتظر هذا الظهور لا بد أن يكون
هو نفسه ساعيًا لظهور الحق في نفسه أولاً، وإلا لما استحق أن يشهد الظهور الخارجي.
فكل عبدٍ يُطهِّر قلبه من الباطل،
يُسهِم في بناء أرضية الظهور، لأن الحقّ إذا تجلّى في القلوب ظهر في العالم.
وهكذا يكون الانتظار مجاهدةً داخليةً
قبل أن يكون تطلعًا خارجيًا.
النقطة
الثالثة: الانتظار كهوية معرفية
في ضوء هذه الرؤية، يصبح الانتظار
ليس مرحلة من مراحل التاريخ فحسب، بل هوية العارف المهدويّ، إذ يعيش المنتظر بين
الغيب والشهود في توازنٍ فريد.
من الناحية العقائدية، الإمام موجود
في الغيب حضورًا حقيقيًا، لا رمزيًا، ومن عرف هذا الوجود علم أن الانتظار هو سير
القلب نحو اللقاء، لا انتظار شخصٍ غائب.
فالإمام حاضر بنوره في كل ذرة، ومن
انتظر ظهوره فقد انتظر انكشاف هذا النور عن الحجاب.
أما من الناحية الأخلاقية، فالمنتظر
الحقّ يعيش ما يُسمّى بـ"الغيبة الشهودية"، أي أن غيبة الإمام لا تُفقده
حضوره في الوجدان.
فهو يشعر برقابته، ويعيش تحت نظره،
ويعدّ نفسه من جنده ولو لم يره.
فإذا قال الزائر: «وأنتظر ظهورك» فهو
يقول في قلبه: "اللهم اجعلني ممن يُهيّئ الأرض لكشف وجهك، ويُطهّر ذاته ليكون
مرآةً لنورك".
بهذا المعنى، الانتظار هو تربية
النفس على التجلّي، لأنه إعداد داخليّ لرؤية الحقّ عند ظهوره، فليس الظهور حدثًا
خارجياً فحسب، بل هو كشفُ الحجاب عن القلوب المؤمنة.

تعليقات
إرسال تعليق