القائمة الرئيسية

الصفحات

المقام الخامس الزائر المستشهد بين يدي صاحب الزمان عجل الله فرجه

 




المقام الخامس

الزائر المستشهد بين يدي صاحب الزمان

 وَالمُستَشهَدينَ بَينَ يَدَيكَ في جُملَةِ أوليائِكَ،

أولًا: "المستشهدين بين يديك" الشهادة حضورٌ في مشهد الإمام عجل الله فرجه.

الزائر حين يقول: «المستشهدين بين يديك» لا يقصد فقط أن يُقتل في سبيل الإمام، بل أن يعيش الشهادة في حضرته، وتحت نظره، وبين يديه.

فهو يطلب شهادةً مشهودة، لا مجهولة، شهادةً يراها الإمام عجل الله فرجه، ويشهد عليها بنفسه.

فالتعبير "بين يديك" يوحي بأنّ الشهيد هنا ينال الشرف الأعظم: أن تكون شهادته في مرأى الإمام، وأن تكون نفسه فداءً له في ساعة الظهور، كما كانت أنفس أصحاب الحسين عليه السلام فداءً له في كربلاء.

عن خلاد بن الصفار، قال:" سئل أبو عبد الله (عليه السلام): هل ولد القائم.

فقال: لا، ولو أدركته لخدمته أيام حياتي "([1]).

فهذا التمنّي من المعصوم يُظهر أن الشهادة بين يدي الإمام المهدي ليست فقط جهادًا بالسيف، بل هي تجلٍّ للعبودية المطلقة في ذروة الامتحان، حين يُختبر الولاء الصافي في ميدان الفعل.

إنّ "بين يديك" تعني أن الشهيد في ذلك الموقف لا يرى نفسه صاحب بطولة، بل عبدًا يقدّم ما عنده بين يدي مولاه، فيكون شاهدًا لله في الأرض، كما قال تعالى:﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (البقرة:143).

فالشهادة هنا ليست مجرد قتلٍ في سبيل قضية، بل هي شهودٌ على الحقّ وتجسيدٌ له، بحيث يصير الشهيد وجهًا ناطقًا بإخلاص العبودية في معركة الظهور.

ثانيًا: "في جملة أوليائك" الانتماء إلى كوكبة الولاية الكبرى

الزائر لا يطلب الشهادة كعمل فردي، بل كـ انتماءٍ إلى "جُملة أوليائك"، أي ضمن الركب النوري الذي اصطفاه الله لمرافقة الإمام المهدي عليه السلام.

إنها شهادة جماعية من حيث الروح، لأنّ أولياء الإمام يشكّلون جسدًا واحدًا في الولاية، كما قال تعالى:﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ (المائدة:55).

فهؤلاء "الذين آمنوا" هم جماعة النور الممتدة من عليٍّ غيع السلام والحسين عليه السلام  إلى أصحاب القائم عجل الله فرجه ، وكلّ واحد منهم يشترك في سرّ الولاية الإلهية.

فالزائر، حين يقول "في جملة أوليائك"، يطلب أن يكون جزءًا من ذلك النسيج الولائيّ الذي يتّحد في الغاية، لا بالعدد فقط، بل بالصفاء والصدق.

قال الإمام الصادق عليه السلام في وصف أصحاب القائم:«رجالٌ كأنّ قلوبهم زُبَرُ الحديد، لا يشوبها شكّ في ذات الله، أشدّ من الحجر»(بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٥٢ - الصفحة ٣٠٨).

فالشهادة في جملة أوليائه هي شهادة يقين لا تردّد فيها، لأنها تصدر من قلبٍ ذاب في معرفة الله، وتيقّن أن الموت في سبيل الإمام هو ولادةٌ أبدية في سبيل الحقّ.

ومن هنا يتضح أن هذا المقطع لا يعبّر عن مجرّد أمنية في القتال، بل عن طلبٍ للالتحاق بالصفّ الوجوديّ للأولياء، وهو صفٌّ يجمع بين النور والدم، بين المعرفة والبذل.

ثالثًا: الشهادة في الفكر المهدوي

في الرؤية المهدوية، الشهادة ليست نهاية الحياة، بل بداية اللقاء.

فهي النقطة التي ينقلب فيها الجهاد إلى مشاهدة، والانتظار إلى حضور، والنية إلى وصال.

حين يقول الزائر: «والمستشهدين بين يديك»، فهو في الحقيقة يطلب لقاء الله من خلال الإمام؛ لأن الإمام هو "باب الله الذي يُؤتى منه".

فالشهادة بين يدي الإمام المهدي هي أعلى مراتب التقرّب إلى الله من طريقه، وهي الامتداد الكوني لصرخة الحسين عليه السلام:«من كان باذلًا فينا مهجته موطّنًا على لقاء الله نفسه فليرحل معنا»(بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٤٤ - الصفحة ٣٦٧).

فالشهادة بين يدي المهدي عليه السلام هي "الرحيل" الجديد في سبيل الله، ولكن في عصر الظهور، حيث يُستكمل مشروع الحسين عليه السلام  بيد حفيده.

الامام الحسين عليه السلام :يا ولدي يا علي والله لا يسكن دمي حتى يبعث الله المهدي فيقتل على دمي من المنافقين الكفرة الفسقة سبعين ألفا » بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٤٥ - الصفحة ٢٩٩

فهي شهادة في معركةٍ فاصلة، يُختبر فيها صدق الإيمان، ويُفصل فيها بين النور والظلمة.

أما في البعد الأخلاقي، فهذه الفقرة تربي المؤمن على أن يعيش روحية الشهادة قبل تحققها:أن يكون مستعدًّا دائمًا لبذل النفس، أن يطهّر نيّته من الذات، وأن يرى حياته كلها فداءً لإمام زمانه.

فالشهادة هنا ليست فقط موتًا جسديًا، بل هي أسلوب عيشٍ مهدويّ؛ من يعيش كل يوم كأنه "بين يدي الإمام"، فهو شهيد حيّ، ولو لم يسقط بسيف.



[1] / كتاب الغيبة - محمد بن إبراهيم النعماني - ج ١ - الصفحة ٢٥٠.


تعليقات