الضيافة في رحاب الولاية الوجودية للإمام عجل الله فرجه
الضيافة في رحاب الولاية الوجودية للإمام
حين يهمس الزائر في زيارة مولانا
صاحب العصر والزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف):«وأنا يا مولاي فيه ضيفك وجارك،
وأنت يا مولاي كريمٌ من أولاد الكرام، ومأمورٌ بالضيافة والإجارة، فأضفني وأجرني
صلوات الله عليك»،فهو لا ينطق بكلمات ضراعة عابرة، بل يعقد ميثاقًا وجوديًا مع
الإمام، يعبّر عن جوهر العلاقة بين العبد والوليّ الإلهي، حيث تتحول الضيافة من
حالة أدبية إلى منهج معرفي وسلوك تعبّدي، ومن مجاملة وجدانية إلى طريق إلى الله
عبر الولاية.
أولًا:
معنى الولاية الوجودية للإمام
ليست ولاية الإمام مجرّد سلطة
تشريعية أو سياسية، بل هي ــ بحسب مدرسة أهل البيت عليهم السلام ــ ولاية وجودية،
أي:الإمام هو مظهرٌ للأسماء الإلهية في العالم، وواسطة الفيض بين الخالق والمخلوق،
به يُفيض الله النور والهداية والرزق والرحمة.
قال الإمام الصادق عليه السلام:«بنا
فتح الله، وبنا يختم، وبنا يُنزل الغيث، ويُنبت الشجر، وتثمر الثمار، وتفيض
الأنهار»(الكافي، ج1، ص198)
فالولاية هنا مرتبة من مراتب الربط
الوجودي بين الخلق والخالق، والإمام هو القطب الذي تدور حوله حركة الكائنات في
نظام العناية الإلهية.
كما أن الشمس لا تُرى إلا بضوئها،
فكذلك معرفة الله لا تُنال إلا بنور الإمام.
فهو الباب الذي منه الدخول إلى الله،
وإليه الرجوع في المعرفة والعبادة.
ثانيًا:
الضيافة في ضوء الولاية الوجودية
1. الضيافة مقام الولوج في دائرة
النور
حين يقول الزائر: «أنا ضيفك»، فهو
يطلب أن يدخل في ساحة فيض الإمام، أي أن يكون موردًا لتأثير ولايته في نفسه.
الضيف الحقيقي هو من فُتح له الباب
إلى حضرة الإمام، فصار قلبه تحت إشرافه التكويني والروحي.
والإمام لا يضيّف الجسد، بل يستضيف
الروح والعقل والقلب، فيغذّيها من مائدته المعرفية التي أصلها من العلم الإلهي
المكنون.
فكما يطعم المضيف ضيفه مما عنده،
كذلك الإمام يُطعم زائره من علومه وأنواره.
عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وآله «أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد المدينة فليأت الباب»(بحار
الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٤٠ - الصفحة ٢٠٣)
فالضيافة إذًا هي فتح باب العلم
والروح والسكينة أمام القلب المستعد.
ثالثا:
الإجارة حفظ الوجود في ظلّ الولاية
الجار هو من سكن في حرمة الوليّ، فلا
تصل إليه آفة، ولا يتسلّط عليه عدوّ.
والإجارة هنا ليست حماية مكانية، بل
حماية وجودية من الضلال والتيه.
فالإمام هو «الأمان لأهل الأرض»؛ لأن
ولايته تحفظ بقايا الإيمان في العقول والقلوب.
العبد حين يقول: «أجرني»، كأنه
يقول:يا ابن رسول الله، اجعلني في جوارك الوجودي،.
وبذلك تكون الإجارة ضمان البقاء في
النور الإلهي الذي يتنزّل عبر الإمام.
رابعا : الضيافة منهج معرفي
1.
المعرفة بوصفها ضيافة عقلية
العارفون بالله يرون أن العلم
الحقيقي ليس تحصيلًا من الذهن، بل فيضًا من النور الإلهي عبر الواسطة المعصومة.
فحين يطلب الزائر من الإمام أن
"يضيفه"، فهو في العمق يطلب أن يتغذى عقله وقلبه من مائدة علوم الإمام،
لا من فكره الشخصي.
ولهذا قال الإمام الباقر عليه
السلام:«نحن باب الله الذي يُؤتى منه، بنا اهتدى المهتدون، ومن أحبّنا أحبّ الله،
ومن أبغضنا أبغض الله»( بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٢٥ - الصفحة ٢)
فالضيافة المعرفية هي أن يُفيض
الإمام على قلب المؤمن بصيرة في الدين، ونورًا في النظر، وصفاءً في المعرفة.
2.
الضيافة تطهير العقل والقلب
الضيف قبل أن يدخل دار المضيف يطهّر
بدنه، وكذلك القلب قبل دخول ضيافة الإمام يجب أن يتخلّى عن شوائب الهوى والعجب
والأنانية.
فمن أراد أن يُضيفه الإمام، وجب أن
يأتيه بقلب فقير، خالٍ من الدعوى، مطهَّر من الأغيار.
والاية المباركة «إنما يتقبل الله من
المتقين» (المائدة: 27).كافية ووافية في بيان ذلك.
وهذا هو معنى الضيافة المعرفية:
تخلية النفس من ظلماتها لتمتلئ بنور الإمام.
رابعًا:
الضيافة طريق إلى الله
الولاية ليست غاية منفصلة عن الله،
بل هي الطريق الأقوم إليه فالله لا يُعرف إلا بسبيله، وسبيله هم حججه.
فمن قصد الإمام بالحضور والضيافة،
فقد قصد الله بوسيلته، كما في الدعاء:«اللهم إني أتوسل إليك بنبيك، وأتقرب إليك
بآله».
فالضيافة عند الإمام هي ضيافة في بيت
الله؛ لأن بيت الله هو قلوب أوليائه.
ومن دخل هذا البيت وجد ربه؛ إذ
الإمام هو «الوجه الذي يؤتى الله منه»، كما جاء في الزيارة الجامعة الكبيرة «من
أراد الله بدأ بكم، ومن وحّده قبلكم، ومن قصده توجه بكم»
(الزيارة الجامعة الكبيرة)
إذن، السير إلى الإمام هو سيرٌ إلى
الله، والضيافة في ولايته هي ضيافة عند الله.
خامسًا:
الآثار الأخلاقية للضيافة الوجودية
التواضع المطلق: إذ لا يليق بالضيف
أن يتكبّر على مضيفه، فكيف بمن ضيفُه الإمام المعصوم؟
فيتولّد من الضيافة روح الانكسار لله
عبر الإمام.
الأدب مع الإمام: كما يحسن الضيف
الأدب في بيت مضيفه، كذلك يُلزم المؤمن نفسه بأدبٍ في حضرة الوليّ: خضوعًا،
توقيرًا، حياءً، وخشوعًا.
الكرم تجاه الخلق: من تشرّب من كرم
الإمام، صار كريمًا مع الخلق؛ لأن من ذاق ضيافة الكرم لا يبخل على أحد.
الأمان القلبي: الضيف في دار الإمام
يشعر بالأمن، إذ لا يخاف من الدنيا ولا من الضياع، لأنه في كنفٍ ولائيّ لا يزول.
حيث
تنتهي الخطى تبدأ الضيافة
الضيافة في زيارة الإمام المهدي عليه
السلام ليست مجازًا بل هي تجسيدٌ للعلاقة الوجودية بين الإنسان والوليّ.
هي أن تسلّم وجودك كله إلى من جعله
الله وسيلة معرفته، وأن تجعل من ولايته طريقًا لعبوديتك، ومن جواره أمانًا لمسيرك.
الضيافة في زيارة الإمام المهدي عليه
السلام ليست لفظًا يمرّ مرورًا على ألسنة الزائرين، ولا استعارةً تُقال لتجميل
المناجاة، بل هي روحٌ تتجلّى فيها حقيقة العلاقة بين الإنسان وحجّة الله، حيث
يتجاوز المعنى حدود المجاز إلى أفقٍ من الوجود، فيغدو القلب بيتًا من بيوت
الولاية، والروح ضيفًا على مائدة النور، والعبد سائرًا إلى مولاه من خلال إمامه،
إذ لا طريق إلى الله إلا من بابه، ولا ضياء إلا من مشكاة نوره، فهي ضيافة وجودية
يدخل فيها السالك إلى حرم الإمام كما يدخل العاشق إلى مأمنه، مطمئنًّا أنّه قد بلغ
دار الأمان، وأنّ في جوار الوليّ سكينة لا تهتزّ، ورحمة لا تنقطع، وعلماً لا يذبل،
وكرماً لا يُحدّ، فالإمام هو المأوى لمن تاه في مفازات الدنيا، وهو المضيف لمن
أثقلته هموم الغربة، وهو الساقي لمن عطش إلى المعنى، ومائدته ممدودة لكلّ قلبٍ
طاهرٍ قصد بابه متخفّفًا من أثقال نفسه، فإذا أضافه الإمام فقد قبله، وإذا أجاره
فقد رفعه إلى مقعد الأمن واليقين، ومن ضيافته يبدأ العبد رحلة المعرفة، ومن جواره
يتعلّم سرّ العبادة، ومن وجهه يعرف طريق المحبوب، فكلّ شيء دون ولايته تيهٌ، وكلّ
عبادةٍ بلا حضرته ظمأٌ لا يرتوي، وحين يقول الزائر "وأنا يا مولاي فيه ضيفك
وجارك" فهو في الحقيقة يسلّم وجوده، ويفتح قلبه، ويعلن فقره، ليكون كلّه في
ذمة الإمام، ومن سكن جوار الإمام سكن في جوار الله، ومن دخل في ضيافته فقد دخل في
حضرته، حيث تتلاشى الحجب، وتشرق الأرواح بأنوار القرب، وتتحوّل الغيبة إلى حضور،
والعجز إلى سكينة، والبعد إلى وصلٍ لا ينقطع، هناك حيث لا يبقى للعبد سوى أن يهمس
بنداء الخلود: اللهم اجعلنا من ضيوفه وجيرانه، وأكرمنا بمائدته، وأجرنا بحماه، حتى
نلقاك وقد ملأتنا بنوره
الحضور الدائم للحبيب
قال السيّد ابن طاووس: وأنا اتمثّل
بعد هذه الزيارة بهذا البيت من الشعر واُشير إليه وأقول:
نزيلك حيث ما اتّجهتْ ركابي
وضيفك حيث كنت من البلاد
مولاي الغائب عن الأبصار الحاضر في
الأسرار، يا نزيل الأرواح ومهوى القلوب، يا حبيب الله في أرضه وسرّه في خلقه، أقول
كما قال السيد ابن طاوس رحمه الله
نزيلك حيثما اتجهت ركابي وظيفك حينما كنت من
البلاد، بل أزيده وجداً وحسرةً وشوقاً، فإني يا مولاي ما سكنتُ أرضاً إلا ووجدتُ
في تربتها أثر خطاك، ولا مررتُ على ريحٍ إلا وشممتُ منها نفحة حضورك، ولا نظرتُ
إلى أفقٍ إلا ورأيتُ فيه ظلَّ انتظارك، فكلّ البلاد وإن ازدانت بجمالها، تبقى
موحشةً ما لم يشرق فيها نورك، وكلّ المنازل وإن اتسعت، تضيق إن لم يكن فيها طيفك
يا سيدي، قد تعبت ركابي من طول
السير، وضاقت بي السبل، وتفرّقت بي الطرق، وما وجدتُ مأوىً يضمّ غربتي إلا ظلّك،
فإن كنتُ في أرضٍ أو بحرٍ أو ليلٍ أو نهار، فوجهتي أنت، ومناي أنت، ومقصدي أنت،
نزيلك حيثما اتجهت ركابي، وظيفك حيثما كنتُ من البلاد، لأنّي لم أخلق لشيءٍ سواك،
ولا وجدتُ معنى للحياة إلا في الانتساب إليك، وما ذُكرتك إلا رقّ قلبي حتى كاد
يذوب، وما غبتَ عنّي إلا وامتلأت الدنيا حزناً وفراغاً
يا مولاي، غيبتك ليست عن الأبصار
فقط، بل عن الفهم والعقل واليقين، كأنّ الأرض تحتفظ بسرّك كما تحتفظ الأمّ بوليدها
في رحمها، تخفيه عن العيون ولكنها تغذّيه من دمها، وكذلك القلوب تخفي حبّك وتغتذي
من شوقك، فمن أين لي بالقرار، وأنت غائب عنّي؟ ومن أين لي بالسكينة، وليل الغيبة
طويل؟ إنّ القلب ما عاد يحتمل الغياب، فقد أضناه الانتظار وأحرقه الأمل، يفتّش في
الرياح عن صوتك، وفي الموج عن خُطاك، وفي وجوه العاشقين عن أثر حبّك
يا ابن الطاهرين، لو تعلم كم من
الدعوات تُرفع إليك في خلوات العارفين، وكم من القلوب تناجيك في ظلمات الليل، وكم
من دمعةٍ سالت وهي لا تنادي إلا اسمك، لعلمتَ أنّ الأرض كلّها مدينةٌ لك بالحبّ،
وأنّك وحدك وطنُ من لا وطن له، ومأمنُ من تاه في التيه، ومرفأُ من أضناه الطوفان
مولاي، إنّي ما زلتُ على العهد
القديم، أطرق بابك كلّ يومٍ بقلبي، أضع بين يديك وجعي وأملي، أقول لك: إن ضاق بي
الزمان، فها أنا في ضيافتك، وإن أبعدتني المسافات، فها أنا في جوارك، وإن غبتَ
عنّي غيبة السنين، فحبّك فيّ لا يغيب، وكيف يغيب من جعلك قِبلةَ وجوده ومرسى روحه؟
يا صاحب الزمان، نزيلك أنا وإن لم
أرك، ووظيفك أنا وإن لم أبلغ مجلسك، أتقلب بين رجاء اللقاء وخشية الحرمان، أعيش
على الأمل بأنّني يومًا سأسمع صوتك يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جورًا، حينها أسجد
لك شكرًا لا انتهاء له، وأقول لك كما قال ابن طاوس من قبل: نزيلك حيثما اتجهت
ركابي، وظيفك حينما كنت من البلاد، فأنت البلد الذي لا يُهاجر منه، والدار التي لا
يضيق بها صدر، والحضرة التي من دخلها لم يعرف بعدُ طردًا ولا فراقًا
فيا مولاي، بحقّ شوق القلوب إليك،
ودموع العيون المترقّبة لطلعتك، لا تحرمنا ضيافتك يوم تُبسط مائدتك على الأرض، ولا
تجعلنا من الغرباء عن بابك، وها نحن نقولها بقلوبٍ موجوعةٍ وعيونٍ مبلّلةٍ بالشوق:
اللهم بلّغ إمامنا عنّا السلام، وقل
له إنّ في الأرض محبين لا ينامون على غير ذكره، ينتظرونه كما ينتظر الظمآنُ المطر،
ويعيشون غرباء لأنّ حبيبهم غائب، ولكنّهم لا ييأسون، لأنّهم يعلمون أنّ الفجر
قادم، وأنّ اللقاء وعدٌ لا يُخلفه الله.
أنّ الفجر قادم
والحمدلله رب العالمين

تعليقات
إرسال تعليق