القائمة الرئيسية

الصفحات

في رحاب الضيافة الإلهية واللقاء المهدوي زيارة يوم الجمعة

 





في رحاب

الضيافة الإلهية واللقاء المهدوي




"الجمعة موعد الضيافة المهدوية"

يا مَولايَ يا صاحِبَ الزَّمانِ، صَلَواتُ الله عَلَيكَ وَعَلى آلِ بَيتِكَ، هذا يَومُ الجُمُعَةِ وَهُوَ يَومُكَ .

أولًا: النداء بـ «يا مولاي» هو نداء العبودية المفعمة بالحبّ، لا نداء الحاجة فحسب.

إنه إعلان الانتماء: "أنت مولاي، وأنا عبدك"، وفي هذا النسب الروحي يُعاد ترتيب الكون في وجدان المؤمن.

فالزائر يُخاطب الإمام لا بوصفه فكرة مستقبلية أو غائبًا بعيدًا، بل بوصفه الوليّ الحاضر الذي يدبّر الأمر بإذن الله.

فهو صاحب الزمان بمعنى أنه وجه الله في هذا العصر، والواسطة التي يجري بها الفيض الإلهي على الخلق.

حين يقول الزائر: «يا صاحب الزمان»، فهو يُقرّ ضمناً بأنّ الزمان ليس ملكًا لأحدٍ إلا لمن جعله الله خليفةً فيه.

فالزمان بوجوده ومعناه لا يُعرف إلا بوجه الولاية، لأنها هي التي تمنحه قدسيته.

فهو المِحور الذي تدور حوله حركة الوجود، والمرآة التي تنعكس فيها رحمة الله في كل لحظة.

وحين يُنادى في الزيارة «يا مولاي يا صاحب الزمان»، فذلك تذكير للنفس أنّ صاحبها الحقيقي هو الإمام، لا الأنا، وأنّ زمنها ممهور باسمه.

ثانيًا: «صلوات الله عليك وعلى آل بيتك» اتصال الرحمة بالولاية

بعد النداء يأتي السلام المقرون بالصلاة، وهو أعمق من مجرد تحية، لأنّ "الصلاة" في أصل معناها صلة ورحمة وثناء من الله.

حين يقول الزائر: «صلوات الله عليك وعلى آل بيتك» فهو يطلب من الله أن يُفيض على الإمام دوام رحمته ونوره، لأنّ في دوام هذه الرحمة دوامَ الوجود كلّه.

الصلاة على الإمام هنا ليست فقط دعاءً له، بل ربطٌ وجوديّ بين العبد والفيض الإلهي عبر الولاية؛ فالزائر يُشارك في تيار النور الإلهي الذي يجري من الله إلى أوليائه، ومنهم إلى الخلق.

فمن صلى على محمدٍ وآله فقد أكمل صلته بالله، لأنهم هم الوسائط في الفيض ولهذا يقدّم الزائر الصلاة على الإمام قبل أن يذكر اليوم، وكأنّه يقول:لا يكون ليوم الجمعة معنى دون أن يُختم باسمك، ولا تكون العبادة كاملة إلا بولايتك.

ثالثًا: «هذا يوم الجمعة وهو يومك» يوم اللقاء المنتظر ويوم العهد المتجدد فالزائر لا يُعرّف اليوم بزمانه الفلكي، بل بوجهه المهدوي؛ فكل يوم جمعة هو في وعي المؤمن موعدٌ مع صاحب الزمان عجل الله فرجه.

وليس هذا مجازًا، بل حقيقة روحية نصّت عليها الروايات:قال الإمام الصادق عليه السلام:« عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الصيحة التي في شهر رمضان تكون ليلة الجمعة لثلاث وعشرين مضين من شهر رمضان. »( بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٥٢ - الصفحة ٢٠٤).

ويوم الجمعة هو يوم الولاية الكبرى، فيه جُمعت الخلائق إلى عبادة الله، وفيه يُجدّد المؤمنون بيعتهم للإمام.

فكل جمعة هي بمثابة يومٍ مصغّر للظهور، حيث يُعرض فيها عمل الأسبوع على الإمام .

إذن قول الزائر: «هذا يومك» يعني أنه يوم يتجلّى فيه نورك على أهل الأرض، يوم تتفتح فيه القلوب لذكرك، يوم تجتمع فيه الأرواح على الانتظار.

وفي البعد الأخلاقي، هذا الوعي يحوّل الجمعة من يوم راحة إلى يوم مسؤولية روحية؛فهو اليوم الذي يُنتظر فيه الإمام لا انتظار الغائب، بل انتظار الحاضر الذي نُقصّر في حضرته.

فمن لم يزدد قربًا من إمامه في يوم الجمعة، فقد خسر روح الأسبوع ويوم الجمعة، في ضوء هذه الزيارة، يصبح مجلى العهد:تجديد البيعة، وشحذ الانتظار، واستحضار مشروع الظهور في ضمير المؤمن.

فهو يوم الإمام، لأنه اليوم الذي يُختزل فيه معنى "الجمعة" الحقيقي:اجتماع الخلق على إمامهم، وتمام العبادة في ظل ولايته.

المُتَوَقَّعُ فيهِ ظُهورُكَ

أولًا: الجمعة كموعد إلهي للظهور

الزائر يشير إلى يوم الجمعة بوصفه موعدًا خاصًا للظهور المنتظر، ويقول: "المتوقَّع فيه ظهورك"، أي أنّ الله جعل هذا اليوم موعدًا رمزيًا وواقعيًا للانفراج الإلهي.

فالجمعة في الإسلام ليست يومًا عاديًا، بل يوم تجميع البشر على الطاعة، ويوم تهيئة النفوس للفرج الإلهي.

قال تعالى:﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾ (الجمعة:9).

فالآية تحدد الجمعة موعدًا للتقرب إلى الله والارتباط بالحق، ومن هنا يأتي فهم الزائر أن ظهور القائم مرتبط بهذا اليوم، لأنه وقت اجتهاد القلوب في الطاعة والانتظار، أي تجهيز الأرض والزمان لاستقبال الفرج.

وهذا يربط بين العقيدة والزمان: الجمعة ليست مجرد يوم من أيام الأسبوع، بل يوم رمزي مقدس مرتبط بالوعد الإلهي بالظهور.

 ثانيًا:  بيانًا للوفاء بالوعد

«المتوقَّع فيه ظهورك» يعكس حقيقة هامة: الانتظار ليس شوقًا عاطفيًا فقط، بل معرفة بالله وبيانًا للوفاء بالوعد.

 

في العقيدة الإمامية، ظهور الإمام المهدي هو تجسيد لوعد الله بالعدل ونصرة المظلومين.

فالزائر، حين يتحدث عن "المتوقع فيه ظهورك"، يشير إلى الاستعداد النفسي والروحي للفرج، وليس فقط انتظار تاريخ محدد.

أي أن الجمعة هي يوم تجميع الوعي والإيمان والعمل الصالح استعدادًا للظهور.

ثالثًا: البشارة بالفرج

الفكرة من "بشارة الفرج" أن كل مؤمنٍ يعيش هذا اليوم بحسّ رجاءيّ وروحيّ.

فالفرج ليس مجرد تحقق سياسي أو اجتماعي، بل تحقق للعدل الإلهي، وإعادة التوازن في الوجود، وانتصار للحق على الباطل.

الأخلاقي في الأمر:من يعي هذه البشارة يعيش الجمعة مناسبة للتوبة، والعمل الصالح، والارتباط بالولاية، وتجديد الأمل.

كل جمعة هي فرصة لتقوية الصلة بالقائم المنتظر، لتكون كل صلاة، وكل ذكر، وكل عمل صالح بوصلة نحو ظهوره.

فالزائر هنا يعلمنا أن المتوقع في يوم الجمعة هو تجسيد الوعد الإلهي، وأن كل عمل صالح في هذا اليوم له بعد استباقي في بناء مشهد الفرج.

 

 

 

 

وَالفَرَجُ فيهِ لِلمُؤمِنينَ عَلى يَدَيكَ

هل يعني «الفرج على يديه» تأليه الإمام أو انتقاص التوحيد؟

مبدأ التوحيد الأوّل: كلّ فعلٍ موجودٍ في الوجود من حيث الوجود سببُه الأول هو الله تعالى؛ لا يجوز أن يُنسب الوجود الذاتي للخلق.

مبدأ السببية الشرعية: الشريعة تنقل قدرة الفعل الإلهي عبر أسبابٍ يختارها الله عزوجل : النبي، الأئمة، الأدعية، الأعمال الصالحة. وصف الشيء بأنه «سبب» و«واسطة» لا ينفي أن السبب الأول هو الله عزوجل.

في القرآن والسنّة توجد وساطات كثيرة (مثلاً: سبب النّصر بنصرة رسول الله أو بصدق المؤمنين). في النظرية الإمامية، الإمامة هي مقام تشريعي إلهي، أي الإمام «حجّة الله» و«وكيله» في العالم؛ هذا لا يعني ألوهية بل يعني تفويض إلهي ووظيفة إدارية/تشريعية/تربوية تعطيه صفة أن الفرج يحصل بإقامته ونصحه وقيادته ــ بحسب تقدير مشيئة الله.

الفَرَج: في الشرع واللغة: رفع الضيق، النصر، النيل من الظلم واستئناف العيش بهيئة أعدل. الفرج قد يكون فردياً أو كليًا اجتماعياً (إقامة قسط وعدل على مستوى سلطاني).

لِلمُؤمِنينَ: ليس التخصيص على سبيل الحصر الحصري بل تحديدٌ للمستفيدين المتحققين باستقامة الإيمان.

على يَدَيْك: التعابير العربية «على يد» تفيد السبب والواسطة الحامل للعمل: أما بأحد معاني:

 (أ) مباشرة فاعلة/يدوية،

 (ب) وسيطة وشرعية (الوسيلة التي اختارها الله)،

 (ج) حكماً وأداءً (بإقامته للعدل).

 إذن دلالة «على اليد» في إطار الكلام الزيارتي تفيد أن الفرج له رابط إجرائي سببي مربوط بالإمام.

 

 

الفرج

القراءة السياسية/الاجتماعية: الفرج بمعناه السياسي — استلام الحكومة، إقامة العدل، إنهاء الظلم والمنهج السلطاني الفاسد. هنا «على يديه» بمعنى قيامه بالحكم والسلطة.

القراءة الروحية/الداخلية: الفرج كخلاص نفسي: تزكية القلوب بوساطة الارتباط بالإمام، فتح أبواب الرحمة في النفوس، شفاء كربات المؤمنين. هنا «اليد» إشارة إلى الوساطة الروحية.

المعنى الوجداني في كلمة «الفَرَج»

الفرج ليس حدثًا زمنيًا فحسب، بل حالة نفسية وروحية يعيشها القلب المؤمن قبل أن تتحقّق في الخارج.

الفرج هو انكشاف الغطاء بين المؤمن وربّه،هو انبثاق النور بعد طول حجاب،هو عودة الاطمئنان إلى القلوب بعد طول اضطراب.

فإذا قيل في الزيارة: «الفرج فيه للمؤمنين»

فالمعنى أنَّ الفرج ليس لكل أحد، بل لمن صَدَق الإيمان وصَبَر على البلاء،لمن لم يُبدّل عند طول الغيبة، ولم يملّ الانتظار،فصار مستحقًا أن يُفرّج الله عنه بالظهور المبارك، بل بالسكينة قبل الظهور.

فكلّ مؤمن يعيش معنى الانتظار الصادق فقد بدأ فرجه الباطني قبل الفرج الظاهري إذ ينقشع عنه ضيق الشكّ واليأس، ويتنسّم هواء الثقة بوعد الله.

ثانيًا: «على يديك»... اليد في اللغة مجاز عن القدرة والوساطة والرحمة.

فليس المقصود أنّ الإمام هو الفاعل المستقل،بل أنّ الله جعل يده الطاهرة مَجرى رحمته على الخلق،كما جعل يد موسى آية، ويد عيسى شفاء،فهو تعالى يُجري لطفه على أيدي أوليائه.

فالإمام المهدي عليه السلام هو يد الله المبسوطة بالرحمة وبه يتحقّق وعد الله للمؤمنين:

«وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ».

 

إنّها يد الله التي تُعيد للإنسان إنسانيّته،وتفتح له أبواب الأمل بعد أن أُوصدت،وتقول له: لا تيأس، فالعاقبة للمتقين.

ثالثًا: البعد الأخلاقي في العبارة حين يُقال للمؤمن: «الفَرَجُ للمؤمنين على يديك»، فإنّها دعوة إلى الاصطفاف في زمرة المؤمنين حقًّا.

إذ لا ينال هذا الفرج مَن تشهّى ظهوره باللسان وهو في الباطن مخالف له، ولا من دعا إليه بلسان العاطفة دون أن يُطهّر قلبه للعدل.

 

الفرج هنا منحةٌ مشروطةٌ بالتهيّؤ الأخلاقي، فكما أن الظهور مشروط بوجود قاعدة صالحة، كذلك فرج الفرد مشروط بأن يكون قلبه مستعدًا لنور الإمام.

فالعبارة تذكّرنا أن الفرج ليس يُنتظر فقط، بل يُصنع فينا:بإصلاح القلب من الغلّ والحسد،وبتهذيب اللسان عن الغيبة والجدل، وبخدمة الناس لأنهم عباد الإمام،وبالصدق في الوعد لأن الانتظار الصادق أمانة.

مَن أراد أن يرى الفرج على يد الإمام، فليقدّم للإمام قلبًا نقيًا يستطيع أن يمسك به بيده المباركة.

رابعًا: العلّة الغائية للفرج

الله تعالى جعل الفرج غاية للخلق المخلصين، لكي يُظهر عدله في الدنيا كما أظهر رحمته في الآخرة.

والإمام هو «الواسطة الغائية» التي تُعيد الكون إلى توازنه فحين نقول: «على يديك»فنحن نعترف بأنّ كلّ الكمالات الإلهية الموعودة تمرّ من بوابة الولاية.

فالفرج للمؤمنين على يديه لأنّ:به يتحقق العدل، وبه يُعرف الدين على وجهه الصحيح،وبه تنكشف الحقائق، وبه يعود الإنسان إلى فطرته الأولى: سلامٌ على قلبٍ آمن بالله واليوم الآخر.

خامسًا: أثرها في السلوك اليومي

هذه الجملة ليست تُتلى فقط، بل تُربّي المؤمن إنها تقول له:اجعل يدك امتدادًا ليد الإمام في نشر الخير،وكن سببًا لفرج غيرك كما الإمام سبب لفرج الأمة.

فمَن فرّج عن مؤمنٍ كربة،فقد شارك في الفرج المهدويّ،

إنّ الإمام سيُقيم العدل في العالم، فكن أنت الآن نواةً صغيرة لذلك العدل في بيتك ومجتمعك.

كلّ صدقة، كلّ إصلاح، كلّ كلمة طيبة، هي لبنة في صرح الفرج العام،لأنّ الفرج لا ينزل على أمةٍ لم تتربَّ على رحمته.

سادسًا: المعنى الوجودي العميق

في باطن الأمر، «الفرج» هو ظهور وجه الله في خلقه،و«الإمام» هو مرآة هذا الوجه.

فكلّ من اشتدّ شوقه للفرج، فهو في الحقيقة يشتاق إلى تجلّي الله في الأرض بعد خفائه والإمام المهدي هو تجلّي الرحمة الإلهية الأخيرة في التاريخ.

فكما أن للعالم فرجًا على يد الإمام،فللقلب أيضًا فرجٌ على يد معرفته، إذ يعرف في الإمام طريق ربّه.

سابعًا: ثمرة التأمل

حين يقف المؤمن على هذه الفقرة في الزيارة،ينبغي أن يستشعر ثلاث حالات:

طمأنينة: لأن الله وعد أن الفرج آتٍ.

مسؤولية: لأن الفرج مشروط بإيماني وسلوكي.

محبة وشوق: لأن اليد التي ستحمل الفرج هي يد الحبيب المنتظر.

فيقول في نفسه:يا مولاي، اجعلني ممن يكون فرجه على يديك،لا ممن يحجب الفرج بذنوبه.اجعلني من جنود الرحمة، لا من أسباب البلاء.

وَقَتلُ الكافِرينَ بِسَيفِكَ،

قَتل: فعل يدلّ على إنهاء حياة أو رفع هيمنة عدوّ. اللغة تحمل دلالات الفعل الحارّ، لكن سياقها يحدد نوع القتل (قِتال، إزهاق نفس بغير حق، إزهاق في الحرب).

الكافِرينَ: لفظٌ متعدّد المعاني في النصوص: قد يقصد به من أنكر التوحيد والرسالة والولاية، أو بمعنى أوسع: الظالمون المعاندون لرسالة الحقّ. في النحو الشرعي لا يُغلق التعبير على معنى واحد دون سياق.

 

بِسَيفِكَ: «اليد/الرمز للقوة»؛ السيف هنا رمزُ القدرة والسياسة والسلطان الذي يطبق الحقّ ويقهر الظلم. ليس مجرد أداةً ميكانيكية بل دلالةً على سلطة قهرية/قضائية.

تمييز بين القتل الظالم والقتال الشرعي: الفعل العسكري الذي يقرّه الشرع يختلف عن القتل الفوضوي أو الانتقامي.

القصد والغائية: هل القتل وسيلة لإقامة عدل، أم غاية في ذاته؟ النص يضعه كوسيلة لاستئصال طغيان أهل الكفر والظلم، لا كتعبير عن كراهية شخصية.

شرطية السلطة: «سيفُك» يفترض وجود سلطة وتأهيل شرعي ومقاييس عدل؛ لا يُقَصَد به سيفٌ خارج الإطار الشرعي أو ثأر فردي.

 

 

«وَقَتلُ الكافِرينَ بِسَيفِكَ» في الزيارة: هي صورةٌ لقيام الإمام بالسلطة لإقامة الحقّ وردع الظلم، وليست دعوة للعنف الفوضوي.

هي دعوةٌ للعدالة، وتحذيرٌ للمؤمنين بأن يتجهّزوا بالأخلاق والمعرفة والقدرة حتى إذا ما قامت يدُ الحقِّ، كانوا أهلًا لأن يكونوا معها في بناء عالمٍ يُنصف الناسَ جميعًا.

وفي الباطن أيضاً، هي دعوة لكل نفس لتصفيتها من «كفرها» الداخلي: أن تموت فيها الشهواتُ ليحيا نورُ الإيمان.

 

الضيافة في لسان اهل بيت العصمة عليهم السلام

عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: مما علم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا (عليه السلام) قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه([1]).

عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، أنه قال: " أكرم ضيفك وإن كان حقيرا "([2]).

يا علي، أكرم الجار ولو كان كافرا، وأكرم الضيف ولو كان كافرا، وأطع الوالدين وإن كانا كافرين، ولا ترد السائل وإن كان كافرا([3]).

 

 

الكرم يقود إلى الجنّة

روى الإمام علي بن الحسين (عليه السلام)، قال: «خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات يوم وصلّى الفجر، ثم قال: معاشر الناس أيّكم ينهض إلى ثلاثة نفر قد آلوا باللات والعزّى ليقتلوني وقد كذبوا وربّ الكعبة.

فأحجم الناس وما تكلّم أحد، فقال: ما أحسب أنّ علي بن أبي طالب فيكم.

فقام إليه عامر بن قتادة، فقال: إنّه وعك في هذه الليلة ولم يخرج يصلّي معك، فتأذن لي أن أخبره؟ فقال النبي (صلى الله عليه وآله): شأنك.

فمضى إليه فأخبره فخرج أمير المؤمنين (عليه السلام) وكأنّه نشط من عقال وعليه إزار قد عقد طرفيه على رقبته، فقال: يا رسول الله ما هذا الخبر؟

فقال: هذا رسول ربّي يخبرني عن ثلاثة نفر قد نهضوا إلي ليقتلوني وقد كذبوا وربّ الكعبة.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): أنا لهم سريّة وحدي هوذا ألبس علي ثيابي.

فقال النبي (صلى الله عليه وآله): بل هذه ثيابي وهذا درعي وهذا سيفي، فألبسه ودرعه وعمّمه وقلّده وأركبه فرسه.

وخرج أمير المؤمنين (عليه السلام) فمكث ثلاثة أيام لا يأتيه جبرئيل بخبره ولا خبر من الأرض، فأقبلت فاطمة بالحسن والحسين (عليهم السلام) على وركيها تقول: أوشك أن يؤتم هذين الغلامين، فأسبل النبي (صلى الله عليه وآله) عينيه يبكي، ثم قال: معاشر الناس من يأتيني بخبر علي أبشره بالجنة.

وافترق الناس في الطلب لعظيم ما رأوا بالنبي (صلى الله عليه وآله)، وأقبل عامر بن قتادة يبشر بعلي، ودخل أمير المؤمنين (عليه السلام) ومعه أسيران ورأس وثلاثة أبعرة وثلاثة أفراس، وهبط جبرئيل فخبّر النبي (صلى الله عليه وآله) بما كان فيه، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): «تحب أن أخبرك بما كنت فيه يا أبا الحسن».

فقال المنافقون: هو منذ ساعة قد أخذه المخاض وهو الساعة يريد أن يحدّثه.

فقال النبي (صلى الله عليه وآله): بل تحدّث أنت يا أبا الحسن لتكون شهيداً على القوم. فقال: نعم يا رسول الله، لما صرت في الوادي رأيت هؤلاء ركباناً على الأباعر، فنادوني من أنت، فقلت: أنا علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله،

فقالوا: ما نعرف لله من رسول، سواء علينا وقعنا عليك أو على محمد، وشدّ علي هذا المقتول، ودار بيني وبينه ضربات وهبّت ريح حمراء وسمعت صوتك فيها يا رسول الله وأنت تقول: قد قطعت لك جربان درعه فاضرب حبل عاتقه، فضربته فلم أحفه، ثم هبت ريح سوداء سمعت صوتك فيها يا رسول الله وأنت تقول: قد قلبت لك الدرع عن فخذه فاضرب فخذه، فضربته فقطعته ووكزته وقطعت رأسه ورميت به وأخذت رأسه، وقال لي: هذان الرجلان: بلغنا أن محمداً رفيق شفيق رحيم فاحملنا إليه ولا تعجل علينا وصاحبنا كان يعد بألف فارس.

فقال النبي (صلى الله عليه وآله): أمّا الصوت الأول الذي حكّ مسامعك فصوت جبرئيل، وأمّا صوت الآخر فصوت ميكائيل، قدم إلى أحد الرجلين فقدّمه علي (عليه السلام)، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): قل لا إله إلا الله واشهد أنّي رسول الله، فقال: لنقل جبل أبي قبيس أحبّ إلي من أن أقول هذه الكلمة.

فقال: أخّره يا أبا الحسن واضرب عنقه، فضرب علي (عليه السلام) عنقه.

ثم قال: قدّم الآخر، فقدّم، فقال: قل لا إله إلا الله وأشهد أنّي رسول الله، فقال: ألحقني بصاحبي، قال: أخّره يا أبا الحسن واضرب عنقه، فأخّره وقام أمير المؤمنين (عليه السلام) ليضرب عنقه فهبط جبرئيل، فقال: يا محمد إنّ ربك يقرئك السلام ويقول لك: لا تقتله فإنّه حسن الخُلق، سخي في قومه.

فقال الرجل وهو تحت السيف: هذا رسول ربّك يخبرك ؟ قال: نعم، فقال: والله ما ملكت درهماً مع أخ لي قطّ إلا أنفقته، ولا كلّمت بسوء مع أخ لي، ولا قطّبت وجهي في الجدب، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنّك رسول الله. فقال (صلى الله عليه وآله): هذا ممّن جرّه حسن خلقه وسخاؤه إلى جنات النعيم»([4])

أنّ الكرم خُلق إلهي يجذب الرحمة

الرجل الذي نجا لم يُنقذ بشجاعةٍ أو عبادةٍ، بل بـ سخائه ولينه وحسن خلقه، وهذه رسالة سماوية تقول:

إنّ الكرم مفتاح الرحمة، وإنّ الأخلاق الطيبة ليست مجرد زينة اجتماعية، بل طريق إلى الجنّة.

فالسخيّ في الأرض محبوب في السماء، لأنّ قلبه يشبه قلب الله في العطاء.

 

أنّ العمل الأخلاقي يمكن أن يبدّل المصير

هذا الرجل كان على الكفر، ومع ذلك جَرَّه خُلقه إلى الإيمان والجنة.

فالله ينظر إلى القلوب لا إلى الأسماء، ومن أضاءت سريرته بالنبل والرحمة، هيّأ الله له طريق الهداية ولو كان بعيدًا عنها.

أنّ الرحمة الإلهية تسبق الغضب

في اللحظة التي رفع فيها عليّ سيفه ليقيم الحدّ بالعدل، سبقت الرحمة أمر العدل، فقال الله: "لا تقتله"، لأنّ في داخله بذرة خير، والرحمة لا تترك بذرة خير تموت، حتى في قلب عدوّ.

 

أنّ مقام النبي والإمام ليس مقام القتال فقط، بل مقام التربية الإلهية

فهما لا يطلبان النصر لأنفسهما، بل لأنّ الله يريد أن يُظهر من خلالهما عدله ولطفه، ولهذا كان عليٌّ يقاتل لوجه الله، لا لغضبٍ شخصي، وكان النبيُّ يبكي رحمةً للناس حتى لأعدائه.

 

الضيافة والإجارة

وَأنا يا مَولايَ فيهِ ضَيفُكَ وَجارُكَ، وَأنتَ يا مَولايَ كَريمٌ مِن أولادِ الكِرامِ وَمَأمورٌ بِالضيافَةِ وَالإجارَةِ فَأضِفني وَأجِرني صَلَواتُ الله عَلَيكَ وعَلى أهلِ بَيتِكَ الطَّاهِرينَ.

أوّلًا: معنى الضيافة والاجارة

الضيافة لغةً: مأخوذة من "الضيف"، وهو القادم إلى دار غيره يلتمس الإكرام والرعاية.

وفي الاصطلاح الروحي: تعني الولوج إلى دائرة العناية الخاصة، بحيث يكون الضيف تحت نظر المُضيف، مكفولًا في رزقه وأمنه، مُكرمًا بعطائه.

والإمام عليه السلام هو مضيف الأرواح المؤمنة، ومأوى القلوب المحبة، فمن قصد بابه دخل في حرمه الروحي.

الإجارة :من الجوَار، وهو الالتجاء إلى من يُحسن الحماية والرعاية، قال تعالى:﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ (المؤمنون: 88).

فالإجارة الروحية هي: طلب الأمان من الإمام، لا من خوفٍ دنيوي فحسب، بل من الضياع العقائدي والتيه الوجداني والانفصال عن ولاية الله.

ثانيًا: دلالة قول الزائر: «وَأَنَا يا مَولايَ فيهِ ضَيفُكَ وَجارُكَ»

1. الضيافة هنا ليست مكانية، بل حضورية

فالزيارة تعبّر عن حضور الضيف عند الإمام، لا في دارٍ حسّية، بل في ساحة نوره وولايته.

أن تكون "ضيف الإمام" يعني أن تُفتح لك أبواب معرفته، وأن تُرزق الإلهام والسكينة، وأن تذوق شيئًا من "طعام الولاية" الذي يُشبِع الأرواح لا الأجساد.

2. الضيافة تقتضي التخلّي عن الزاد السابق فالضيف لا يأتي بطعامه، بل يقبل ما يُقدَّم له.

كذلك السالك إلى الإمام، لا يدخل عليه وهو محمّل برؤاه الذاتية أو نجاسته المعنوية، بل يُسلِّم قلبه ويطلب الزاد من مائدة الإمام:"اللهم ارزقني معرفته، ووفّقني لطاعته، وارضني برضاه".

إذن، الضيافة عهدُ تسليمٍ وافتقار: أن تقول بقلبك: «يا ابن رسول الله، أنا فقيرٌ إلى ضيافتك، لا زاد لي إلا بك».

3. الجار في حرمة الجار

أن تكون "جار الإمام" تعني أنك في جواره المعنوي، فلا تصل إليك نيران الفتن ولا سهام الشياطين، لأنك داخل حصنه.

وهذا هو معنى قول النبي ﷺ:«مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق»

فالجار الحقيقي هو من سكن قرب سفينتهم وألقى بنفسه في ظلّهم.

ثالثًا: «وأنتَ يا مَولايَ كَريمٌ مِن أولادِ الكِرامِ»

1. الكرم في الإمام ليس خُلقًا فقط، بل هو فيض ذاتي

كرمه ليس من باب التبرّع، بل من باب الفيض الذاتي الملازم للولاية؛ لأن الإمام مظهر من مظاهر اسم الله "الكريم"، كما ورد في الزيارات:" اصول الكرم، وقادة الأمم، واولياء النعم ".

فهو يكرمك لا لأنك تستحق، بل لأن ذاته فيّاضة بالعطاء وكلما لجأ إليه عبد، اتسع له صدره، وأفاض عليه من علمه ونوره ورحمته.

2. أولاد الكرام

أي أن كرمَه متوارث من سلسلة الطهارة: من محمد ﷺ، وفاطمة، وعلي، والحسن، والحسين عليهم السلام.

فهو وارث كرم النبوة، وعطاء الولاية، وحنان الزهراء، وسخاء الحسين، فهو باب الكرم الجامع لكل صفاتهم.

رابعًا: «وَمَأمورٌ بِالضيافَةِ وَالإجارَةِ»

1. أمر إلهي بالرحمة

الإمام لا يضيّف ولا يُجير من ذاته فحسب، بل هو مأمور من الله تعالى بذلك، كما قال تعالى:﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾،والإمام مظهر تلك الرحمة في عصر الغيبة.

 

 

2. الإجارة تكليف لا تفضّل

فهو مأمور بإجارة المؤمنين لأنهم أولياؤه، كما ورد في الحديث:«نحن أمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء» (بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٧٥ - الصفحة ٣٨٠).

فكما يضيّف الله عباده في رمضان بمائدة الغفران، كذلك يضيّف الإمام أولياءه في ليالي الزيارة والانتظار بمائدة النور والطمأنينة.

خامسًا: «فأضِفني وأجِرني»

هذا الدعاء يحمل ذروة العبودية؛ لأن العبد لا يطلب مقامًا ولا كرامة، بل يطلب القبول في الضيافة.

فأضِفني وأجِرني :أي اجعلني ضيفك الدائم، لا الطارئ؛ أطعمني من مائدتك المعرفية، واسقني من كأس ولايتك، وأكرمني بأن أكون من جلساء محبتك.

أجرني: أي اجعلني في حماك من نفسي قبل غيري، ومن الشيطان، ومن الغيبة القلبية عنك.

سادسًا"الضيافة عهد بين العبد والحجة"

في هذا المقام، الضيافة ليست استضافة مكانية بل عهد روحي، يتجلى فيه قول الزائر:«أنا ضيفك»إعلانُ الفناء في ولايته «وأنت مأمور بالضيافة»  طلب البقاء بنوره.

فهو عهد حضور دائم بين العبد والإمام، قوامه ثلاث مقامات:

الاعتراف بالاحتياج التام (أنا ضيفك).

الثقة المطلقة بالكرم الإلهي عبر الإمام (وأنت كريم).

الاستسلام الكامل للعناية الهادية (فأضفني وأجرني).

الخلاصة

أن تكون ضيف الإمام يعني أن تعيش في ضوء ولايته لا في ظلمة نفسك.

وأن تكون جاره يعني أن تلوذ به من كل فكر باطل وشهوة مضلّة.

وأن تطلب منه الضيافة والإجارة يعني أن تدخل في عهد القلب مع الحجة:عهد الأمان والمعرفة والنور.



[1] / الكافي: ٦ / 285 ح 2 .

[2] / مستدرك الوسائل - ج ١٦ - الصفحة ٢٦٠.

[3] / معارج اليقين في أصول الدين - الشيخ محمد السبزواري - الصفحة ٢١٤.

[4] / الخصال: ص96 في البر بالإخوان والسعي في حوائجهم ثلاث خصال ح41.


تعليقات