الحديث الخامس والعشرون
أما إن الصابر في غيبته على الاذى
عن عبد الرحمان بن سليط قال : قال الحسين
بن علي بن أبي طالب عليهما السلام منا اثنا عشر مهديا أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وآخرهم
التاسع من ولدي ، وهو القائم بالحق ، يحيي الله تعالى به الارض بعد موتها ، ويظهر به
دين الحق على الدين كله ولو كره المشركون ، له غيبة يرتد فيها قوم ويثبت على الدين
فيها آخرون فيؤذون ويقال لهم : « متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟ » أما إن الصابر في
غيبته على الاذى والتكذيب بمنزلة المجاهد بالسيف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله([1]).
حين يتحدث الإمام الحسين عليه السلام
عن غيبة القائم عجل الله فرجه، وعن قومٍ يرتدّون وآخرين يثبتون رغم الأذى
والتكذيب، فإنّه لا يتحدث عن امتحانٍ بعيدٍ عنه، بل يصف سنّةً إلهية عاشها بنفسه،
وذاق مرارتها، ورأى نتائجها في كربلاء. فكأن الحسين عليه السلام يفتح للأمة نافذةً
على المستقبل من خلال تجربته، ليقول إن طريق الحق لا يخلو من الفتن، وإن الثبات في
كل زمان هو العنوان الأوضح لأهل البصيرة واليقين.
لقد عاش سيد الشهداء عليه السلام هذا
الامتحان بأشد صوره وضوحًا. فقد كاتبته الجموع، وامتلأت الرسائل بعبارات النصرة
والولاء، وتهيأت القلوب ظاهراً لاستقباله، لكن حين اقترب البلاء، وظهرت سيوف
الطغيان، وتقدمت كلفة التضحية، تبدلت المواقف، وتراجع كثير ممن وعدوا، وثبت معه
أهل الوفاء الذين لم تهزّهم المخاوف، ولم تغيّرهم الشدائد. فظهر يوم عاشوراء الفرق
بين من تحرك بالعاطفة، وبين من رسخ قلبه في مقام التسليم لله والثبات على الحق.
وهذا بعينه ما يشير إليه الإمام
الحسين عليه السلام في حديثه الشريف عن القائم عجل الله فرجه: «له غيبة يرتد فيها
قوم ويثبت على الدين فيها آخرون». فالغيبة ليست زمناً خاملاً يمرّ على المؤمن مرور
الأيام، بل هي ساحة امتحان متصل، تُختبر فيها القلوب، ويظهر فيها عمق اليقين،
وتنكشف فيها حقيقة الصبر والثبات عند طول الانتظار وشدة الأذى وكثرة التكذيب.
وما أشبه ما يجري في عصر الغيبة بما
جرى في كربلاء؛ ففي كلا العصرين يرتفع صوت المستهزئين، ويكثر المترددون، ويشتد
الضغط على أهل الحق، ويُبتلى المؤمن بكلمات السخرية والتشكيك: «متى هذا الوعد إن
كنتم صادقين؟». وهنا يكون الامتحان الحقيقي: هل يبقى القلب متعلقًا بالله ووعده؟
وهل يثبت الإنسان على طريقه وإن تأخر الفرج وطال الطريق؟
ومن هنا تتجلى المدرسة الحسينية في
أبهى صورها التربوية؛ فالحسين عليه السلام لم يعلّم الأمة كيف تبكي فقط، بل علّمها
كيف تصبر، وكيف تثبت، وكيف لا تتزعزع أمام العواصف. لقد ربّى أصحابه في كربلاء على
وضوح الرؤية، وعلى اليقين بوعد الله، وعلى الثبات حتى آخر لحظة، وهي التربية نفسها
التي يحتاجها المنتظر في عصر الغيبة.
ولهذا ختم الإمام الحسين عليه السلام
حديثه بأعظم وسامٍ للثابتين فقال: «أما إن الصابر في غيبته على الأذى والتكذيب
بمنزلة المجاهد بالسيف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله». فالثبات في زمن
الغيبة جهاد، والصبر فيه عبادة، وتحمل الأذى فيه موقف رسالي، كما كان الوقوف مع
الحسين في عاشوراء موقفًا جهاديًا عظيمًا.
وهكذا يلتقي العصران في حقيقة واحدة:
عاشوراء كانت امتحان النصرة في ساعاتٍ محدودة، والغيبة امتحان النصرة في عمرٍ
ممتد، لكن النتيجة واحدة؛ يثبت الصادقون، ويتراجع أهل التردد، ويبقى أهل اليقين
على العهد حتى يأذن الله بوعده. ومن أراد أن يكون من أنصار القائم حقًا، فليتربَّ
في مدرسة الحسين، فإن القلوب التي ثبتت في عاشوراء هي نفسها القلوب التي تتهيأ
لتثبت في زمن الظهور.
إن الغيبة ليست زمناً سهلاً، بل
امتحان طويل للإيمان والثبات. وكما صبر أصحاب الحسين عليه السلام في ليلة عاشوراء،
يصبر المنتظرون في زمن الغيبة على الشبهات والضغوط والاستهزاء.
فالانتظار الحقيقي ليس جلوساً
خاملاً، بل جهاد نفسي وروحي وفكري. ولهذا شبّه الإمام الصابر في الغيبة بالمجاهد
بين يدي النبي.
إن عاشوراء لم تنتهِ، بل تغير شكلها
فقط؛ ففي كربلاء كان الامتحان بالسيف، وفي الغيبة الامتحان بالصبر والثبات وعدم
الانهيار أمام طول الطريق.

تعليقات
إرسال تعليق