القائمة الرئيسية

الصفحات

التجلي الأخير للنور الغديري من كتاب المهدي ثمرة الغدير الكبرى

 





المهدي ثمرة الغدير الكبرى

قراءة عقائدية في ذكر الإمام المهدي عليه السلام

في خطبة الغدير

عباس عزيز الحلفي

النص الأول

((مَعاشِرَ النّاسِ، النُّورُ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مَسْلُوكٌ فِيَّ، ثُمَّ في عَلِيِّ بْنِ أَبي طالِب، ثُمَّ فِي النَّسْلِ مِنْهُ إلَى الْقائِمِ الْمَهْدِيِّ الَّذي يَأْخُذُ بِحَقِّ اللهِ وَبِكُلِّ حَقٍّ هُوَ لَنا،)).

التجلي الأخير للنور الغديري

إنَّ هذا المقطع من خطبة الغدير يُعدّ من النصوص العقائدية العظمى التي ترسم خريطة الهداية الإلهية من بعثة النبي صلى الله عليه وآله إلى عصر الظهور المبارك، فهو لا يتحدث عن أفرادٍ متفرقين ولا عن مناصب مستقلة، وإنما يتحدث عن حقيقة واحدة عبَّر عنها النبي صلى الله عليه وآله بـ«النور». والنور في الثقافة القرآنية ليس مجرد الإضاءة الحسية، بل هو مبدأ الهداية الإلهية والكشف عن الحقائق وإخراج الخلق من الظلمات إلى الصراط المستقيم، كما قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾([1]). وعندما يقول رسول الله صلى الله عليه وآله: «النور من الله عز وجل مسلوك فيَّ»، فإنه يكشف أن ما يحمله ليس علماً بشرياً مكتسباً ولا تجربةً إنسانيةً عادية، بل هو نور إلهي نازل من عند الله، وأن شخصيته الرسالية هي مظهر لهذا النور الرباني في عالم البشر.

ثم تأتي العبارة الثانية: «ثم في علي بن أبي طالب»، لتبين أن النور الذي كان في رسول الله صلى الله عليه وآله لم ينقطع بوفاته، بل انتقل إلى أمير المؤمنين عليه السلام، لا بمعنى انتقال النبوة، بل بمعنى استمرار الهداية الإلهية والعلم الرباني والعصمة والولاية. وهذا من ألطف التعابير العقائدية؛ لأن النبي لم يقل: ثم العلم في علي، أو ثم الحكم في علي، وإنما قال: «النور»، والنور يشمل العلم والعصمة والهداية والقيادة والولاية معاً، وكأنَّ جميع هذه المقامات ترجع إلى حقيقة واحدة هي النور الإلهي. ففي الزيارة الجامعة الكبيرة: «أشهد أنكم الأئمة الراشدون المهديون المعصومون».

ثم يرتقي النص إلى مستوى أعمق بقوله: «ثم في النسل منه»، إذ لا يجعل الإمامة حالة استثنائية في شخص أمير المؤمنين عليه السلام، بل يجعلها امتداداً مستمراً في ذريته الطاهرة، مما يكشف أن الإمامة ليست انتخاباً بشرياً ولا اجتهاداً تاريخياً، بل مشروع إلهي ممتد تتوارثه الذوات المقدسة التي اصطفاها الله لحمل نوره في الأرض. ومن هنا نفهم أن الأئمة عليهم السلام وإن تعددت أسماؤهم وأزمنتهم إلا أنهم في الحقيقة مظهرٌ لنور واحد وحقيقة واحدة، ولذلك ورد في الزيارات والروايات التعبير عنهم بأنهم « «وأشهد أن أرواحكم ونوركم وطينتكم واحدة»،».

غير أن الذروة العقائدية في النص تظهر في قوله: «إلى القائم المهدي». فالنبي صلى الله عليه وآله يرسم خط النور من الله إلى رسوله إلى أمير المؤمنين إلى الأئمة من ذريته حتى يصل إلى الإمام المهدي عليه السلام، وكأنَّ جميع هذه السلسلة المباركة تتجه نحو محطة ختامية عظيمة هي عصر الظهور. وهذا يكشف أن الإمام المهدي ليس شخصية منفصلة عن آبائه، بل هو التجلي الأخير للنور الغديري في حركة التاريخ، وأن الغدير لم يكن حادثة انتهت في سنة عشر للهجرة، بل مشروعاً ممتداً ينتهي بتحقق أهدافه الكاملة على يد القائم عليه السلام وقد قال الله تعالى ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾([2]).

ومن أعمق الدلالات في هذا النص أن النبي صلى الله عليه وآله لم يقل: إلى المهدي الذي يحكم، أو إلى المهدي الذي يظهر، بل قال: «إلى القائم المهدي». ولفظ «القائم» يحمل دلالات عقائدية هائلة؛ فهو القائم بأمر الله، والقائم بالحق، والقائم لإقامة العدل، والقائم لإحياء معالم الدين. وكأنَّ النور الإلهي الذي سار في خط الإمامة طوال القرون سيقوم في آخر الزمان قياماً عالمياً شاملاً يملأ الأرض عدلاً وقسطاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً وقد تحدثنا عن لقب القائم على نحو الاستيفاء تقريبا في كتابنا في سماء الأسماء الامام المهدي عجل الله فرجه.

ثم تأتي العبارة المدهشة: «الذي يأخذ بحق الله». وهنا لا يتحدث النص عن مجرد إصلاح اجتماعي أو إصلاح سياسي، بل عن استرجاع حق الله نفسه. وحق الله هو أن يُعبد وحده، وأن يُطاع وحده، وأن تكون الحاكمية له وحده، وأن تُقام شريعته في الأرض كما أراد قال الله  تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾([3]) فالظهور المهدوي في جوهره إعادة الكون إلى موقعه الصحيح تحت سلطان الله روى الشيخ الصدوق: عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام في قول الله عزَّ وجلَّ: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}، فقال: والله ما نزل تأويلها بعد، ولا ينزل تأويلها حتى يخرج القائم عليه السلام، فإذا خرج القائم عليه السلام لم يبق كافر بالله العظيم، ولا مشرك بالإمام إلا كره خروجه حتى لو كان هناك كافر أو مشرك في بطن صخرة لقالت: يا مؤمن في بطني كافر فاكسرني واقتله([4]). ولذلك فإن أول مظلومية في التاريخ ليست مظلومية الإنسان، وإنما مظلومية حق الله الذي عُطِّل وعُصي وجُحد، والإمام المهدي عليه السلام هو الذي يتكفل بإظهار هذا الحق وإقامته في العالم.

ثم يضيف النبي صلى الله عليه وآله: «وبكل حق هو لنا». وهنا ينتقل النص من حق الله إلى حقوق أوليائه. وفي هذه العبارة إشارة دقيقة إلى أن تاريخ أهل البيت عليهم السلام هو تاريخ الحقوق المغصوبة؛ حق الإمامة، وحق الطاعة، وحق القيادة، وحق بيان الدين، وحق الحكم بين الناس. فالقائم عليه السلام لا يطالب بحق شخصي، وإنما يسترجع حقوق الرسالة كلها وحقوق خط الإمامة الممتد من أمير المؤمنين إلى آخر الأوصياء.

ومن هنا نفهم أن دولة الإمام المهدي عليه السلام ليست مجرد دولة عدل اقتصادي أو رخاء اجتماعي، بل هي دولة إعادة الحقوق إلى أصحابها الحقيقيين. فكل حق ضاع عبر التاريخ، وكل دم سُفك ظلماً، وكل إمام أُقصي عن مقامه، وكل حقيقة حُجبت عن الأمة، تجد اكتمال استيفائها في عصر القائم عليه السلام. ولذلك كانت دولته خاتمة التاريخ الرسالي كلّه. قال الله تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}([5]) قال الشيخ الطبرسي رحمه الله تعالى في تفسير الآية: {أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} قال أبو جعفر عليه السلام: هم أصحاب المهدي عليه السلام في آخر الزمان. ويدل على ذلك ما رواه الخاص والعام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد، لطوّل الله ذلك اليوم حتى يبعث رجلاً صالحاً من أهل بيتي، يملأ الأرض عدلاً وقسطاً، كما قد ملئت ظلماً وجوراً([6]).

وهناك لطيفة عقائدية بالغة العمق، وهي أن النبي صلى الله عليه وآله بدأ المقطع بالنور وختمه بالحق. والنور دائماً يقود إلى الحق، والحق لا يُعرف إلا بالنور. فكأن المعنى أن النور الذي أودعه الله في محمد وآل محمد عليهم السلام سينتهي في آخر الزمان إلى إظهار الحق كاملاً على يد القائم المهدي عليه السلام. فالغدير إذن لم يكن إعلان ولاية فحسب، بل إعلان مسيرة نورانية إلهية تمتد عبر الأئمة جميعاً حتى تبلغ ذروتها في الظهور المبارك.

وعلى هذا الأساس يمكن القول إن هذا النص الشريف يعرّف الإمام المهدي عليه السلام بأنه وارث النور المحمدي والعلوي، وخاتمة السلسلة النورانية للإمامة، والمكلّف بإظهار حق الله في الأرض واسترجاع حقوق أهل البيت عليهم السلام، وأن عصر الظهور هو لحظة اكتمال النور الإلهي في حياة البشرية وظهور الحقيقة المحمدية العلوية بكامل إشراقها على العالم أجمع فعن الإمام الصادق عليه السلام في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾([7]) قال: «نحن والله الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد عملاً إلا بمعرفتنا»([8]).



[1] / المائدة - الآية 15.

[2] / الصف: 8.

[3] / التوبة: 33.

[4] / كمال الدين وتمام النعمة، الشيخ الصدوق: ٦٧٠ ح١٦.

[5] / سورة الأنبياء، الآية: ٥

[6] / تفسير مجمع البيان، الشيخ الطبرسي: ٧/ ١٢٠.

[7] / الأعراف: 180.

[8] / الكافي للكليني، كتاب الحجة..



تعليقات