دراسة تحليلية في المكارم التسعين في كتاب مكيال المكارم المكرمة الثالثة
المتن المكرمة الثالثة
المكرمة الثالثة إظهار المحبة
الباطنية:
إعلم أن الحب وإن كان أمرا خفيا
قلبيا وشيئا كامنا باطنيا، لكن له آثار ظاهرة، وفروع متكاثرة، فهو كشجرة أغصان
ولكل غصن من الورد أفنان، فبعض آثاره يظهر في اللسان، وبعض في سائر جوارح الإنسان
فكما لا يمكن منع الشجر عن إبراز أزهاره، لا يمكن منع ذي الحب عن ظهور آثاره.
ولنعم ما قال بعض أهل الحال.
إذا هممت بكتمان الهوى نطقت * مدامعي
بالذي أخفي من الألم
فإن أبح أفتضح من غير منفعة * وإن
كتمت فدمعي غير منكتم
لكن إلى الله أشكو ما أكابده * من
طول وجد ودمع غير منصرم
فكما أنه كلما ازداد الشجر نموا
ازداد إزهاره كذلك كلما ازداد الحب قوة ازداد آثاره فمن آثاره في العين إسبال
الدموع وهجران الهجوع.
وقد قال بعض أهل الإشتياق، في آثار
حال الفراق:
ولو أن عينا في الفراق بكت دما *
لرأيت في عيني دما لا يجمد
ومن قصيدة لأبي العباس المبرد صدره
يناسب هذا المقال:
بكيت حتى بكى من رحمتي الطلل * ومن
بكائي بكت أعدائي إذ رحلوا
ومن آثار الحب في اللسان ذكر المحبوب
في كل مكان وزمان، بكل بيان وبأي عنوان وحسبك شاهدا في التبيان، وناطقا بالبرهان
قول الخالق المنان، في الحديث القدسي لموسى بن عمران (ذكري حسن على كل حال)( في
أصول الكافي: ٢ / ٤٩٧ بسند صحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: مكتوب في التوراة
التي لم تغير إن موسى سأل ربه فقال: إلهي إنه يأتي على مجالس أعزك وأجلك أن أذكرك
فيها، فقال: يا موسى إن ذكري حسن على كل حال (لمؤلفه).).
أقول: وهذا حال أهل الحال والاقبال،
وقد قال الله (عزَّ وجلَّ) في أحسن الأقوال في التصريح بهذا المقال: ﴿إن في خلق
السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب﴾ الذين يذكرون الله
قياما وقعودا وعلى جنوبهم(سورة آل عمران: ١٩٠.).
أقول: وهذا من آثار كمال الشوق إلى
محبوبهم، ومن الآثار اللسانية أيضا ذكر فضائل المحبوب ومحاسنه، بكل نحو مطلوب،
ولهذا ورد في فضل إنشاء الأشعار في مدح الأئمة الأطهار عدة من الأخبار، ونذكر هنا
حديثا واحدا من تلك الأخبار، وفيه كفاية لأهل الاعتبار..
- وهو ما روي في الوسائل(الوسائل: ١٠
/ ٤٦٧ / ح ٣.) والبحار عن ثامن الأئمة الأبرار صلوات الله عليهم، ما دام الليل
والنهار، أنه قال: ما قال فينا مؤمن شعرا يمدحنا به إلا بنى الله تعالى له مدينة
في الجنة أوسع من الدنيا سبع مرات، يزوره فيها كل ملك مقرب وكل نبي مرسل.
ومن الآثار اللسانية أيضا الدعاء
للمحبوب بكل شيء مطلوب، وهذا من جبليات ذوي العقول، ولا ينكره إلا جهول.
ويدل على رجحان إظهار الحب باللسان،
بل كونه من جملة الأركان، جعله ثاني أركان الإيمان، مع أن حقيقة الإيمان هو
الإذعان، وهو أمر خفي في الجنان، كما دل عليه القرآن قال الله (عزَّ وجلَّ): ﴿إلا
من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ وقال سبحانه: ﴿قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن
قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم﴾ فالإيمان في الحقيقة ليس إلا حب الله
وحب رسوله وحب وليه. ومع ذلك لا تترتب آثار ما في الجنان إلا بإظهاره باللسان.
فتحصل من هذا البيان، أن الدعاء لفرج
مولانا صاحب الزمان صلوات الله عليه كاشف عن حقيقة الإيمان، وهذا واضح عند أهل
الإيقان.
ويدل عليه أيضا ما ذكرناه في فضل مدح
الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، بإنشاء الأشعار وكذا ما ورد في فضل ذكر فضائلهم
للعباد، فإنه إظهار للحب المكنون في الفؤاد. ويدل عليه أيضا، ما ورد في فضيلة حب
أمير المؤمنين (عليه السلام) باللسان، فإن المراد به إظهار الحب القلبي باللسان
بكل بيان وبأي عنوان، ولا ريب في كون الدعاء بتعجيل فرج صاحب الزمان من المصاديق
القطعية لهذا العنوان وسيأتي لهذا المطلب مزيد شرح وبيان في أن من فوائده الفوز
بثواب أهل الرضوان.
ولنعم ما قاله بعض أهل العرفان فيما
يناسب هذا العنوان:
عباراتنا شتى وحسنك واحد * وكل إلى
ذاك الجمال يشير المراد
أنه واحد الخلائق في جهات الحسن لا
قصر جهات حسنه على جهة واحدة فافهم واغتنم هذه الفائدة.
ويدل أيضا على فضل إظهار الحب
باللسان، ما ورد في آداب معاشرة الإخوان.
- ففي الكافي(الكافي: ٢ / ٦٤٤ باب
إخبار الرجل أخاه بحبه ح ٢.) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال
لهشام بن سالم: إذا أحببت رجلا فأخبره بذلك، فإنه أثبت للمودة بينكما.
- وفيه(الكافي: ٢ / ٦٤٤ باب إخبار
الحب ح ١.) في حديث آخر صحيح باصطلاح القدماء، عن نصر بن قابوس الجليل رضي الله
تعالى عنه، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا أحببت أحدا من إخوانك فأعلمه
ذلك، فإن إبراهيم (عليه السلام) قال: ﴿رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال
بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾( سورة البقرة: ٢٦٠.).
قال المجلسي (ره) في مرآة العقول في
شرح الحديث وهذا ينطبق أشد انطباق على ما روي في العيون في تفسير الآية: أن المراد
بها ليطمئن قلبي على الخلة. فارجع إليه تفهم.
أقول: المراد بالإعلام كلما دل على
حبك لأخيك من أهل الإسلام، لا خصوص إخبارك إياه بهذا المرام ويشهد لذلك أن إبراهيم
(عليه السلام) جعل إجابة دعوته علامة خلة الملك العلام كما لا يخفى على ذوي
الأفهام، فالاهتمام في الدعاء بتعجيل فرج الإمام إظهار لحبك له على النحو التام
وهو يوجب شدة حبه لك من بين الأنام، بل يوجب حب آبائه الكرام. فإن الدعاء له إظهار
للحب بجميعهم (عليهم السلام) فيكون باعثا لثبات حبهم لك، بمقتضى الصحيح السابق
المروي عن الصادق (عليه السلام). ولو لم يكن غير هذه المكرمة في هذا المقام لكفى
في مراتب الفضل والإنعام.
بيان المكرمة الثالثة
يبني الميرزا الأصفهاني رحمه الله
هذه المكرمة على أصل وجداني واضح، وهو أن المحبة وإن كانت حقيقة قلبية مستترة،
فإنها لا تبقى محبوسة في القلب متى اشتدت، بل لا بد أن تظهر آثارها على اللسان
والجوارح. فالحب الصادق ليس حالةً جامدةً لا أثر لها، وإنما هو قوة باطنية مولِّدة
للأفعال، وكلما ازداد رسوخًا في النفس ازدادت علاماته ظهورًا في السلوك. ومن هنا
شبّه الميرزا المحبة بالشجرة؛ فكما لا يمكن للشجرة الحية أن تمنع نفسها من الإزهار
والإثمار، لا يستطيع المحب الحقيقي أن يمنع آثار محبته من الظهور.
أولًا:
المحبة حقيقة باطنة ذات آثار ظاهرة
المحبة في أصلها أمر قلبي، إلا أن
خفاء منشئها لا يعني خفاء نتائجها. فالخوف باطني، ولكن أثره يظهر في الاضطراب،
والحزن باطني، ولكن أثره يظهر في الدموع، وكذلك الحب باطني، ولكن آثاره تظهر في
الذكر والشوق والدعاء والنصرة والطاعة.
وهذا يعني أن دعوى المحبة لا تُختبر
بمجرد ما يقرره الإنسان عن نفسه، بل بما يصدر عنه من آثار. فكلما كانت المحبة
أقوى، كان حضور المحبوب في حياة المحب أوضح. أما المحبة التي لا تنتج اهتمامًا ولا
ذكرًا ولا دعاءً، فهي محبة ضعيفة أو دعوى لم تبلغ درجة الفاعلية.
ثانيًا:
شدة الأثر تكشف عن شدة الحب
قرر الميرزا أن نسبة آثار الحب إلى
أصله تشبه نسبة الأزهار إلى نمو الشجرة؛ فكلما ازداد الحب نموًا ازدادت آثاره
ظهورًا. ومن هنا تكون كثرة الدعاء للإمام عليه السلام كاشفة عن مقدار حضوره في قلب
المؤمن؛ لأن القلب الممتلئ به لا يملك إلا أن يجري ذكره على اللسان.
ولا يعني هذا أن كل من قلَّ دعاؤه
فاقد للمحبة، بل المراد أن المحبة الكاملة بطبيعتها تدفع إلى كثرة الذكر والدعاء.
فالإكثار ليس مجرد تكرار لفظي، وإنما هو أثر من آثار امتلاء القلب بالشوق والولاء.
ثالثًا:
من آثار الحب ذكر المحبوب
من القواعد الوجدانية التي أشار
إليها الميرزا أن المحب كثير الذكر لمحبوبه؛ لأنه حاضر في وعيه، قريب من خاطره،
متجدد في وجدانه. فاللسان في كثير من الأحيان ترجمان القلب، وما يكثر في الداخل
يفيض على الكلام.
ومن هنا فإن ذكر الإمام المهدي عليه
السلام في المجالس، والحديث عن فضائله، والتعريف بمقامه، وذكر غربته وحقوقه، كل
ذلك من آثار المحبة. أما الغفلة المستمرة عن ذكره، مع ادعاء شدة الولاء له، فتحتاج
إلى مراجعة صادقة؛ لأن المحبوب الحقيقي لا يكون غائبًا عن حديث المحب واهتمامه.
رابعًا:
ذكر الفضائل مظهر من مظاهر المحبة
لم يحصر الميرزا أثر الحب في مجرد
ذكر الاسم، بل جعل من آثاره ذكر محاسن المحبوب وفضائله. فالمحب يرى جمال محبوبه،
ويجد لذةً في نشر محامده، ولا يمل من تعداد فضائله. ولهذا ورد الثواب العظيم في
مدح أهل البيت عليهم السلام وإنشاء الشعر فيهم؛ لأن المدح ليس كلمات منفصلة عن
الولاية، بل هو إعلان عن الحب المستقر في القلب.
وعلى هذا، فإن التأليف في الإمام،
ونشر معارفه، وبيان دلائل إمامته، وإحياء ذكره، كلها صور علمية ولسانية لإظهار
المحبة، وليست مجرد أعمال ثقافية محايدة.
إذا كان ذكر المحبوب أثرًا من آثار
الحب، فإن الدعاء له أرقى من مجرد ذكره؛ لأن الداعي لا يذكر محبوبه فقط، بل يحمل
همَّه، ويطلب خيره، ويتمنى زوال ما يحيط به من الغيبة والبلاء. فالدعاء يجمع بين
الذكر والعاطفة والاهتمام والطلب.
ولهذا كان الدعاء بتعجيل الفرج من
أوضح المصاديق الدالة على صدق المحبة؛ لأن المؤمن حين يدعو لا يكتفي بالحديث عن
الإمام، بل يتوجه إلى الله في شأنه، ويجعل قضيته موضع ابتهاله ومسألته.
يمكن القول إن الدعاء للإمام هو
اللسان التعبدي للمحبة. فالمحبة إن بقيت شعورًا داخليًا لم تبلغ كمالها، أما إذا
تحولت إلى دعاء، فقد خرجت من دائرة الإحساس إلى دائرة العبادة.
فالداعي يقول بلسان حاله: إن غيبة
إمامي تؤلمني، وإن ظهوره من أعظم مطالبي، وإن صلاح أمره مقدم في وجداني على كثير
من مصالحي. ومن هنا كان الدعاء إعلان ولاء، لا مجرد طلب حاجة.
سابعًا:
إظهار الحب مكمّل لحقيقته
استدل الميرزا بأن الإيمان مع كونه
حقيقة قلبية لا تترتب آثاره التامة إلا بعد ظهوره باللسان. فالقلب هو موطن
التصديق، ولكن الشهادة اللسانية هي التي تُظهر الانتماء وتكشف عما استقر فيه.
وكذلك محبة الإمام؛ فإن موطنها
الأصلي القلب، إلا أن الدعاء يظهرها ويثبتها ويمنحها وجودًا عمليًا. فالدعاء لا
يصنع محبة من العدم دائمًا، وإنما يكشفها ويقويها ويجعلها أكثر رسوخًا.
ثامنًا:
الدعاء كاشف عن حقيقة الإيمان
انتهى الميرزا إلى نتيجة دقيقة، وهي
أن الدعاء لفرج الإمام كاشف عن حقيقة الإيمان؛ لأن الإيمان في جوهره ليس معرفة
ذهنية باردة، بل معرفة مقرونة بالحب والولاء والانقياد.
فإذا كان الإمام غائبًا عن الأبصار،
فإن الدعاء يكشف أن الغيبة لم تُخرجه من القلب، وأن المؤمن لا يزال يعيش قضيته
وينتظر فرجه. ومن هنا يكون الدعاء علامة حياة الإيمان المهدوي في النفس.
تاسعًا:
إعلام المحبوب بالمحبة يثبت المودة
استند الميرزا إلى الروايات الآمرة
بأن يخبر المؤمن أخاه إذا أحبه؛ لأن إظهار المحبة يزيدها ثباتًا بين الطرفين.
واستفاد من ذلك أن كل ما يدل على الحب يدخل في هذا الباب، لا خصوص التصريح اللفظي
بقول: «إني أحبك».
والدعاء للإمام من أبلغ طرق إظهار
الحب؛ لأنه إعلان عملي أمام الله تعالى بأن الداعي مهتم بأمر الإمام، متعلق بفرجه،
منشغل بشأنه. وهذا الإظهار ليس خطابًا مباشرًا للإمام فقط، بل هو موقف عبادي يكشف
صدق الولاء.
عاشرًا:
الدعاء سبب لمحبة الإمام للداعي
من ألطف نتائج هذه المكرمة أن إظهار
المؤمن محبته للإمام بالدعاء قد يكون سببًا لازدياد عناية الإمام به ومحبته له.
فإذا كان إعلام المؤمن أخاه بالمحبة سببًا لثبات المودة، فإن إظهار الحب لولي الله
أولى بأن يكون سببًا للقرب من عنايته.
بل إن الدعاء للإمام المهدي عليه
السلام إظهار للمحبة لجميع آبائه الطاهرين؛ لأنه دعاء بظهور دولتهم، وإحياء أمرهم،
وتحقيق أهدافهم، والأخذ بثأر مظلومهم. فالداعي لا يعبّر عن حب فرد منفصل، بل عن
الولاء للسلسلة المحمدية كلها.
تقوم المكرمة الثالثة على معادلة
وجدانية واضحة:المحبة الحقيقية تقتضي ظهور آثارها، ومن أعظم آثارها ذكر المحبوب
والدعاء له، فالدعاء بتعجيل الفرج إظهار للمحبة الباطنية وكشف عن صدق الإيمان
والولاء.
وبهذا لا يكون الدعاء مجرد لفظ
مستحب، بل شهادة عملية على حضور الإمام في القلب. وكلما كثر الدعاء عن وعي وشوق،
دلّ على أن المحبة قد تجاوزت حدود الادعاء، وتحولت إلى اهتمام وذكر وابتهال
وانتظار.
فالدعاء هو صوت الحب حين يخرج من
القلب، ولسان الشوق حين يعجز المؤمن عن الوصول إلى إمامه، وعلامة أن الغيبة حجبت
العين عن الرؤية، لكنها لم تحجب القلب عن المحبة.

تعليقات
إرسال تعليق