دراسة تحليلية في المكارم التسعين في كتاب مكيال المكارم المكرمة الثانية
المتن المكرمة الثانية
المكرمة
الثانية:زيادة النعم والكلام في تحقيق هذا المرام يقع
في مقامات:
الأول: في أن وجوده نعمة.
الثاني: في وجوب شكر النعمة.
الثالث: في أن شكر النعمة سبب
للمزيد.
الرابع: في معنى الشكر.
الخامس: في أن الدعاء من أقسام الشكر
والإشارة إلى سائر أقسامه.
أما الأول: فيدل عليه العقل والنقل،
أما العقل فلا ريب في أن أعظم النعم الإلهية ما يكون سببا للفوز بمعرفة المعارف
الربانية والعلوم النافعة ولنيل الدرجات الرفيعة والنعم الأبدية الأخروية وغيرها
مما لا يخفى على ذي مسكة وهذا هو الإمام الذي به يعرف الله ويعبد وبه يصل العبد
إلى ما يهواه من المقامات العلية والمواهب السنية كما ورد في روايات كثيرة أوردنا
بعضها في الباب الأول من هذا الكتاب وفيه كفاية لأولي الألباب.
وأما النقل فروايات كثيرة جدا.
- منها ما في أصول الكافي(الكافي: ١
/ ٢١٧ باب نعمة الأئمة ح ١.) بإسناده عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، في قول الله
(عزَّ وجلَّ) ﴿ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا﴾ قال نحن النعمة التي أنعم
الله بها على عباده وبنا يفوز من فاز يوم القيامة.
- وروى في غاية المرام(الكافي: ١ /
٢٥٧، تفسير القمي: ٢ / ٤٤٠.) عن تفسيري العياشي والقمي، ومثله ما في غاية
المرام(غاية المرام: ٢٥٩ / ح ٩، تأويل الآيات: ٢ / ٨٥٠.) أيضا بإسناده عن أمير
المؤمنين (عليه السلام) في قوله تعالى: ﴿ثم لتسألن يومئذ عن النعيم﴾ قال: نحن
النعيم، وفي حديث آخر عن الصادق (عليه السلام) مثله.
- وعن أبي الحسن موسى (عليه السلام)،
قال: نحن نعيم المؤمن، وعلقم الكافر.
أقول: العلقم: الحنظل، وكون وجود
الإمام كذلك بزعم الكافر لانزجاره عنه بسبب كفره أو المراد بيان حالهما يوم
القيامة، فإن المؤمن يتنعم بأنواع النعم الأبدية لأجل إيمانه بالأئمة (عليهم
السلام)، والكافر يعذب بأنواع العقوبات الدائمة بسبب كفره بهم صلوات الله عليهم.
- وفي مجمع البيان(مجمع البيان: ١٠ /
٥٣٥.) عن العياشي بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: نحن أهل البيت
النعيم الذي أنعم الله بنا على العباد وبنا ائتلفوا بعد أن كانوا مختلفين وبنا ألف
الله بين قلوبهم وجعلهم إخوانا بعد أن كانوا أعداء وبنا هداهم الله للإسلام وهي
النعمة التي لا تنقطع والله سائلهم عن حق النعيم الذي أنعم الله به عليهم وهو
النبي (صلى الله عليه وآله) وعترته.
- وفي كفاية الأثر(كفاية الأثر:
٢٧٠.) وكمال الدين(إكمال الدين: ٢ / ٢٦٨ باب ٣٤ ح ٦.) بإسنادهما عن محمد بن زياد
الأزدي قال سألت سيدي موسى بن جعفر (عليهما السلام)، عن قول الله تعالى (عزَّ
وجلَّ)( سورة لقمان: ٢٠.) ﴿وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة﴾ قال (عليه السلام)
النعمة الظاهرة الإمام الظاهر والباطنة الإمام الغائب قال فقلت له فيكون في الأئمة
من يغيب؟ قال: نعم يغيب عن أبصار الناس شخصه ولا يغيب عن قلوب المؤمنين ذكره وهو
الثاني عشر منا يسهل الله تعالى له كل عسير، ويذلل له كل صعب ويظهر له كنوز الأرض
ويقرب عليه كل بعيد ويتبر كل جبار عنيد ويهلك على يده كل شيطان مريد ذلك ابن سيدة
الإماء، الذي يخفى على الناس ولادته، ولا يحل لهم تسميته، حتى يظهره الله، فيملأ
الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما.
المقام الثاني: في بيان وجوب شكر
النعمة ويدل عليه مضافا إلى حكم العقل السليم قوله تعالى في سورة البقرة:
﴿فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون﴾( سورة البقرة: ١٥٢.).
وقوله تعالى في سورة إبراهيم (عليه
السلام): ﴿وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد﴾( سورة
إبراهيم: ٧.).
وقوله تعالى في سورة البقرة:
﴿واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون﴾( سورة البقرة: ١٧٢.).
وقوله تعالى في سورة النحل: ﴿واشكروا
نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون﴾( سورة النحل: ١١٤.).
وفي سورة مريم: ﴿واشكروا له إليه
ترجعون﴾( سورة مريم: ١٧.) وغيرها من الآيات الشريفة، وفيما ذكرناه كفاية إن شاء
الله تعالى.
المقام الثالث: في بيان كون الشكر
سببا للمزيد ويدل عليه مضافا إلى الآية الشريفة الأخبار الكثيرة المتواترة.
- منها ما في الكافي(الكافي: ٢ / ٩٤
باب الشكر ح ٢.) بسند كالصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله
(صلى الله عليه وآله): ما فتح الله على عبد باب شكر فخزن عنه باب الزيادة.
- وفيه(الكافي: ٢ / ٩٤ باب الشكر ح
٣.) بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: مكتوب في التوراة اشكر من أنعم
عليك، وأنعم على من شكرك فإنه لا زوال للنعماء إذا شكرت، ولا بقاء لها إذا كفرت،
الشكر زيادة النعم وأمان من الغير.
- وفيه(الكافي: ٢ / ٩٥ باب الشكر ح
٨.) بإسناده عن معاوية بن وهب عنه (عليه السلام) قال: من أعطي الشكر أعطي الزيادة
يقول الله (عزَّ وجلَّ) ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾.
المقام الرابع: في معنى الشكر. إعلم
أن الشكر هو مقابلة الإحسان بالإحسان والكفر هو مقابلة الإحسان بالإساءة وهذا
التعريف مما ألهمت بفضل الله تعالى وكرمه، وإليه يرجع جميع ما قيل في تعريف الشكر،
ويرجع إليه كل ما ورد في الروايات من أقسامه، ويرشد إليه الممارسة والتأمل التام
في الآيات والأخبار المروية عن الأئمة الكرام، عليهم الصلاة والسلام، كالأخبار
الواردة في أن المؤمن مكفر. وأن أشكر الخلق لله أشكرهم للناس، وغيرها، فنسبة الشكر
إلى الله تعالى حقيقة، كما أن نسبته إلى الخلق أيضا حقيقة.
وهذا التعريف أسد وأخصر مما قيل في
تعريف الشكر، أنه صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه فيما خلق لأجله، لأن ما
ذكرته يشمل شكر الخالق والخلق جميعا. كما لا يخفى.
المقام الخامس: في بيان أقسام الشكر
وأن الدعاء شكر لنعمة وجود الإمام (عليه السلام) إذا علمت أن الشكر مقابلة النعمة
بالإحسان، فلا يخفى عليك أن له أفرادا كثيرة بالوجدان، وأصولها شكر الجنان، وشكر
اللسان وشكر الأركان، أعني جوارح الإنسان وسائر ما يتعلق به بكل عنوان.
أما الأول: فهو يحصل بعرفان النعمة،
ومعرفة أنها من الله عز اسمه.
- كما روي في أصول الكافي(الكافي: ٢
/ ٩٦ باب الشكر ح ١٥.) عن الصادق (عليه السلام) قال: من أنعم الله عليه بنعمة
فعرفها بقلبه فقد أدى شكرها.
قال المجلسي (ره): فعرفها بقلبه، أي
عرف قدر تلك النعمة، وأن الله هو المنعم بها.
أقول: ومن آثار تلك المعرفة قصد
تعظيم النعمة، وإظهار هذا القصد بما يترتب عليه من الآثار اللسانية، والأعمال
البدنية، اللتين هما القسم الثاني والثالث من أقسام شكر النعمة فمن الآثار
اللسانية التحميد والثناء، ومنها التحديث بالنعمة، ومنها الدعاء لبقاء تلك النعمة.
ومن الآثار البدنية الاجتهاد في
الطاعة والعبادة..
- كما في الكافي(الكافي: ٢ / ٩٥ باب
الشكر ح ٦.) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال كان رسول الله (صلى الله عليه وآله)
عند عائشة ليلتها، فقالت يا رسول الله، لم تتعب نفسك وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك
وما تأخر؟ فقال: يا عائشة ألا أكون عبدا شكورا.
- وفيه(الكافي: ٢ / ٩٥ باب الشكر ح
١٠.) عن الصادق (عليه السلام) قال: شكر النعمة اجتناب المحارم وتمام الشكر قول
الرجل: الحمد لله رب العالمين.
أقول: الظاهر من هذا الحديث أن أصل
الشكر يحصل باجتناب المحارم والتحميد باللسان يكمله والله العالم.
ومن الآثار البدنية أيضا بذل المال
في سبيل الله، كما يدل عليه بعض الأخبار.
ومنها سجدة الشكر.
ومنها: تعظيم النعمة كأخذ كسرة الخبز
من الأرض وأكلها، إلى غير ذلك، مما لا يخفى على العارف السالك.
إذا عرفت ما ذكرناه، فنقول: لما كان
وجود مولانا الحجة (عليه السلام) من أعظم نعم الله علينا، كما أثبتنا وبينا،
ومعرفتنا به نعمة عظيمة أخرى، بل هي نعمة لا تقاس بها نعمة لأنها الجزء الأخير
للإيمان، الذي يقال فيه إنه العلة التامة.
وقد بينا أن جميع النعم الظاهرة
والباطنة إنما هي من فروع تلك النعمة السنية، أعني وجود الإمام: فوجب علينا
الاهتمام في أداء شكر هذه النعمة أشد الاهتمام حتى نفوز بازدياد أنواع النعم
الجسام، لأن الله (عزَّ وجلَّ) وعد الازدياد شكرا لشكر العباد، والله لا يخلف الميعاد.
وشكر هذه النعمة الكريمة الجسيمة على
وجه يؤدي حقوقها العظيمة مما لا نقدر عليه بحكم العقول السليمة، ولكن القدر
المقدور يحصل بعدة أمور:
منها: المعرفة القلبية بهذه النعمة
البهية.
ومنها: ذكر فضائله، ونشر دلائله.
ومنها: بذل الصدقات لسلامته، لتصير
من أهل كرامته.
ومنها: الإقبال إليه، بما يسره ويزلف
لديه.
ومنها: طلب معرفته من الله المتعال،
لتكون من أهل الشكر والاقبال.
ومنها: الاهتمام له بخالص الدعاء،
بتعجيل الفرج وكشف البلاء، فإن هذا أحد الأقسام لشكر النعماء.
ويشهد لذلك أمور:
أحدها: أنه تعظيم له صلوات الله
عليه، كما نشاهد بالوجدان ونرى بالعيان أن من قصد تعظيم بعض الأعيان، دعى له بشخصه
ونعته من بين الأقران، وقد بينا أن تعظيم النعمة أول أفراد الإحسان، وأن الشكر هو
مقابلة الإحسان بالإحسان، فثبت ما ادعيناه بواضح البرهان.
الثاني: أنه يحصل بالدعاء له صلوات
الله عليه كمال الإقبال إليه، وقد مر آنفا في سابق المقال، أن أحد أقسام شكر
النعمة هو الإقبال، كما أن الإعراض عن النعمة من أقسام الكفران.
والدليل على ذلك من آي القرآن، قول
الخالق المنان، في سورة سبأ(سورة سبأ: ١٥ و١٦ و١٧.) بعد ذكر موت سليمان ﴿لقد كان
لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة
ورب غفور فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط
وأثل وشيء من سدر قليل ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور﴾ حيث عبر عن
إعراضهم بالكفران، وجزاهم بالسخط والخذلان.
- الثالث: ما روي في بعض الكتب
المعتبرة عن النبي (صلى الله عليه وآله)( الوسائل: ١١ / ٥٣٧ / ح ٥.) قال: من آتى
إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له حتى تعلموا من أنفسكم أنكم قد
كافأتموه.
- وعن سيد العابدين في رسالة
الحقوق(الأمالي للشيخ الصدوق: ٢٢٤ وقد جمعنا في كتاب الدرر اللامعة جميع الحقوق
بأسلوب فراجع.) قال (عليه السلام): وأما حق ذي المعروف عليك، فأن تشكره وتذكر
معروفه، وتكسبه المقامة الحسنة، وتمحض له الدعاء فيما بينك وبين الله تعالى فإذا
فعلت ذلك كنت قد شكرته سرا وعلانية ثم إن قدرت على مكافاته يوما كافيته.
الرابع: أنا قد بينا أن الشكر العملي
يحصل باستعمال العبد كل واحدة من نعم الله تعالى فيما خلق هذه النعمة لأجله، وإن
لم يفعل فقد قابل الإحسان بالإساءة وهو معنى الكفران بالنعمة. ولا ريب في أن
الدعاء بتعجيل فرج مولانا صاحب الزمان من جملة ما خلق لأجله اللسان، فبه يحصل شكر
نعمة اللسان، فقد اتضح ما قصدناه بأبلغ بيان، ومن الله التوفيق وهو ولي الإحسان.
والدليل على ما ذكرناه من كون هذا
الدعاء مما خلق لأجله اللسان، الأخبار الآمرة، والدعوات الصادرة له من معادن الوحي
والتبيان فانظر في دعاء الافتتاح لتفوز بالفيض والفلاح، وفي دعاء يوم دحو الأرض
وعرفة، لتكمل لك المعرفة ودعاء يونس بن عبد الرحمن، ودعاء العمروي المروي عن صاحب
الزمان والدعاء بعد صلاة الليل، وفي حال السجود، والمروي في الكافي(الكافي: ٢ /
٤٧٦ باب الأوقات والحالات التي ترجى فيها الإجابة.) لكل وقت مسعود، ودعاء يوم
الجمعة عند الرواح، وبعد الظهر والعصر والصباح، وقنوت ظهر الجمعة المروي في جمال
الأسبوع(جمال الأسبوع: ٤١٤.) بكمال العمل المشروع ودعاء مولانا الإمام موسى بن
جعفر بعد صلاة عصره ويوم الجمعة بعد صلاة جعفر، وقنوت مولانا الإمام الحسن العسكري
(عليه السلام)، الذي أمر بقراءة شيعته الكرام، إلى غير ذلك مما يوجب ذكره التطويل،
والإشارة كافية لأهل التحصيل وإن أردت في ذلك التفصيل فسنذكر في الباب السابع ما
يشفي العليل ويروي الغليل والله المستعان وهو حسبي ونعم الوكيل.
بيان المكرمة الثانية
هذه المكرمة من أكثر المكارم إحكامًا
في بنائها؛ لأن الميرزا لم يكتفِ بإثبات أن الدعاء سبب لزيادة النعم، بل أقام
استدلاله على سلسلة مترابطة من خمس مقدمات، بحيث تفضي كل مقدمة إلى ما بعدها: وجود
الإمام نعمة، والنعمة يجب شكرها، والشكر سبب للزيادة، والدعاء من أفراد الشكر،
فينتج أن الدعاء للإمام سبب لزيادة النعم.
الدعاء
شكرٌ للنعمة وسببٌ للمزيد
يقيم الميرزا الأصفهاني رحمه الله
هذه المكرمة على بناء استدلالي متدرج، لا على مجرد رواية مفردة، فيبدأ بإثبات أن
وجود الإمام عليه السلام نعمة، ثم يثبت وجوب شكر هذه النعمة، ثم يقرر أن الشكر سبب
لازديادها، ثم يعرّف حقيقة الشكر، وأخيرًا يثبت أن الدعاء بتعجيل الفرج من أبرز
مصاديقه. وبهذا يكون الدليل مركبًا من مقدمات عقلية ونقلية وتربوية، تنتهي إلى
نتيجة واحدة، وهي أن الدعاء للإمام ليس مجرد طلبٍ للظهور، بل شكر عملي لنعمة
الإمامة، والشكر مفتاح الزيادة.
أولًا:
الإمام أصل النعم لا نعمة بين النعم
لم يصف الميرزا الإمام بأنه نعمة
فحسب، بل أقام الدليل على أنه من **أعظم النعم الإلهية**؛ لأن قيمة النعمة تقاس
بما تفضي إليه من كمال، ولا نعمة أعظم من نعمة تكون سببًا لمعرفة الله وعبادته،
والوصول إلى المقامات الأخروية والدرجات الأبدية. فالإمام ليس نعمة محدودة الجانب،
كالمال والصحة والأمن، وإنما هو النعمة التي تهدي الإنسان إلى حسن الانتفاع بجميع
النعم الأخرى.
ومن هنا تكون الإمامة في منطق
الميرزا **نعمة مولِّدة للنعم**؛ فبها تعرف العقيدة، وتصح العبادة، وتستقيم
الطاعة، ويتميز سبيل الهدى من سبيل الضلال. ولذلك صح تفسير قوله تعالى: ﴿نِعْمَةَ
اللهِ﴾ وقوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ بالنبي وأهل بيته
عليهم السلام؛ لأنهم الواسطة في إيصال أعظم النعم، وهي الهداية والمعرفة والنجاة.
ثانيًا:
نعمة الإمام الغائب نعمة حاضرة
من أدق ما أورده الميرزا رواية
الإمام الكاظم عليه السلام في تفسير النعم الظاهرة والباطنة، فجعل الإمام الظاهر
نعمة ظاهرة، والإمام الغائب نعمة باطنة. وهذه الرواية ترفع توهم أن الانتفاع
بالإمام متوقف على رؤيته؛ لأن الغيبة تحجب الشخص عن الأبصار، لكنها لا ترفع أثر
الإمامة عن عالم الوجود، ولا تمحو ذكر الإمام من قلوب المؤمنين.
فالإمام في غيبته نعمة من جهتين:
نعمة وجودية، بما يترتب على وجود الحجة من حفظ نظام العالم واستمرار الفيض، ونعمة
معرفية، بما يترتب على الاعتقاد به من حفظ الدين والانتظار والولاء. ومن هنا لا
يكون غيابه مسوغًا للغفلة عن شكره، بل قد يكون داعيًا إلى مزيد من الشكر؛ لأن
النعمة الباطنة تحتاج إلى بصيرة تكشفها، لا إلى عين تشاهدها.
ثالثًا:
معرفة الإمام نعمة مستقلة
لم يقف الميرزا عند كون وجود الإمام
نعمة، بل أضاف أن **معرفة الإمام نعمة أخرى**. فقد توجد النعمة ويُحرم الإنسان من
معرفتها، فلا ينتفع بها ولا يؤدي حقها. ومن هنا كانت معرفة الحجة عليه السلام
تمامًا للإيمان، لأن الإيمان لا يكتمل بمجرد إثبات الله والرسالة من دون معرفة من
أقامه الله حجةً بعد نبيه.
وبهذا يتبين أن المؤمن محاط بنعمتين:
نعمة وجود الإمام، ونعمة التوفيق لمعرفته. وكل واحدة منهما تستدعي شكرًا، فإذا
اجتمعتا كان وجوب الاهتمام بالشكر أشد وأعظم.
رابعًا:
الشكر حكم عقلي وتكليف شرعي
أثبت الميرزا وجوب الشكر من طريقين:
العقل والنقل. فالعقل يحكم بقبح مقابلة الإحسان بالإهمال أو الإساءة، كما يحكم
بحسن مقابلة الإحسان بالإحسان. ثم جاءت الآيات القرآنية مؤكدة لهذا الحكم، آمرةً
بالشكر، وناهيةً عن الكفران، ورابطةً بين العبادة الحقيقية وشكر النعمة.
وفي هذا الربط نكتة دقيقة؛ إذ إن
الشكر ليس خلقًا زائدًا على العبادة، بل هو من جوهرها؛ لأن العابد الحق هو الذي
يرى النعمة، ويعرف المنعم، ثم يستعمل النعمة في طاعته. أما الغافل عن النعمة، أو
المستعمل لها في معصية المنعم، فلم يحقق حقيقة العبودية وإن نطق بالحمد بلسانه.
انتقل الميرزا من وجوب الشكر إلى
أثره، مستندًا إلى الوعد الإلهي: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾. فالزيادة
ليست أثرًا احتماليًا للشكر، بل سنة إلهية ووعد رباني. وقد أطلقت الآية الزيادة
ولم تقيدها بنوع خاص، فيدخل فيها ازدياد النعمة المشكورة، وازدياد سائر النعم،
وازدياد التوفيق، والهدى، والقرب، والبركة.
وعلى هذا، فإن شكر نعمة الإمام قد
يثمر زيادة المعرفة به، وقوة الارتباط بولايته، والثبات في زمن الغيبة، وسعة
التوفيق في الطاعة، كما قد يثمر زيادة النعم الدنيوية والأخروية. فالمكرمة لا
تنحصر في كثرة المال أو الرزق، بل تشمل كل زيادة توصل الإنسان إلى كماله.
سادسًا:
تعريف الشكر بمقابلة الإحسان بالإحسان
عرّف الميرزا الشكر بأنه: «مقابلة
الإحسان بالإحسان» وعرّف الكفران بأنه: «مقابلة الإحسان بالإساءة». وتمتاز هذه
العبارة بشمولها شكر الله وشكر الخلق؛ فكل من أوصل إليك خيرًا استحق أن تقابل
إحسانه بما يناسبه من الاعتراف والثناء والدعاء والطاعة والمكافأة.
غير أن المقابلة في شكر الله ليست
مقابلة مساواة؛ لأن العبد عاجز عن مكافأة فضل الله، وإنما هي مقابلة بما يقدر عليه
من الاعتراف والخضوع والطاعة. وكذلك شكر الإمام لا يعني مكافأته على نعمته، فهذا
خارج عن قدرة العباد، بل يعني بذل المقدور في الاعتراف بحقه، ونشر فضله، وطاعته،
والدعاء له.
سابعًا:
الشكر منظومة قلبية ولسانية وعملية
قسّم الميرزا الشكر إلى ثلاثة
أصول:شكر الجَنان وهو معرفة النعمة بالقلب، ومعرفة قدرها، والاعتقاد بأن الله هو
المنعم بها.
وشكر اللسان، وهو الحمد والثناء،
وذكر النعمة، ونشرها، والدعاء ببقائها وكمالها.
وشكر الأركان، وهو استعمال الجوارح
والنعم في طاعة الله، واجتناب المعاصي، وبذل المال، والسجود، وسائر الأعمال التي
تدل على تعظيم النعمة.
وهذا التقسيم يمنع اختزال الشكر في
قول: «الحمد لله». فالتحميد جزء من الشكر، لكنه لا يكون كاملًا إذا ناقضه القلب
بالجحود، أو ناقضته الجوارح بالعصيان. وشكر نعمة الإمام كذلك لا يتحقق بادعاء
المحبة وحدها، بل لا بد أن يظهر أثره في المعرفة واللسان والسلوك.
ذكر الميرزا عددًا من مصاديق شكر
الإمام، وهي ترسم منهجًا عمليًا للمنتظر:معرفته بالقلب، وذكر فضائله، ونشر دلائل
إمامته، والتصدق لسلامته، والإقبال على ما يسره، وطلب معرفته من الله، والدعاء
بتعجيل فرجه وكشف البلاء عنه.
وهذه الأعمال ليست متفرقة، بل تمثل
دوائر الشكر الثلاث: فالمعرفة شكر القلب، وذكر الفضائل والدعاء شكر اللسان،
والصدقة والطاعة ونصرة أمره شكر الجوارح والمال.
تاسعًا:
لماذا يكون الدعاء شكرًا؟
أقام الميرزا أربعة وجوه لإثبات أن
الدعاء للإمام شكر:
الأول: أن الدعاء له تعظيم، وتعظيم
النعمة إحسان إليها، والشكر مقابلة الإحسان بالإحسان.
الثاني: أن الدعاء يحقق الإقبال على
الإمام، والإقبال على النعمة من الشكر، كما أن الإعراض عنها من الكفران.
الثالث: أن الدعاء لمن أسدى المعروف
نوع من المكافأة المشروعة عند العجز عن مكافأته بالفعل، كما ورد في الحديث وحق ذي
المعروف.
الرابع: أن اللسان نعمة، ومن شكرها
استعمالها فيما خلقت لأجله، ومن أشرف غاياتها الدعاء لولي الله؛ لما ورد من
الأدعية الكثيرة المأثورة عن المعصومين عليهم السلام في طلب الفرج.
ومن هنا لا يكون الدعاء شكرًا بنحو
المجاز أو المسامحة، بل هو شكر حقيقي؛ لأنه يجمع الاعتراف بالنعمة، وتعظيمها،
والإقبال عليها، واستعمال اللسان في أداء حقها.
عاشرًا:
الدعاء يشكر نعمتين معًا
يُفهم من مجموع كلام الميرزا أن
الدعاء بتعجيل الفرج يؤدي شكر نعمتين في وقت واحد: شكر نعمة الإمام، لأنه دعاء
ببقاء أثره وظهور دولته؛ وشكر نعمة اللسان، لأنه استعمال لهذه الآلة الإلهية في
واحدة من أشرف غاياتها.
بل يمكن القول إنه شكر لنعم متعددة؛
إذ يستعمل المؤمن قلبه في المعرفة، وعقله في إدراك المقام، ولسانه في الدعاء،
ووقته في العبادة، وإيمانه في الولاء. فالدعاء فعل واحد في صورته، لكنه شكر مركب
لنعم كثيرة في حقيقته.
تقوم المكرمة الثانية على معادلة
مترابطة:الإمام أعظم النعم، وشكر أعظم النعم أوجب الشكر، والدعاء من أجلى مصاديق
هذا الشكر، والشكر سبب للزيادة؛ فالدعاء بتعجيل الفرج سبب لازدياد النعم.
وعليه، فالداعي لا يطلب ظهور الإمام
فقط، بل يدخل في دورة إلهية متكاملة: يعرف النعمة، فيشكرها، فيزداد إقبالًا عليها،
فيزيده الله معرفةً وتوفيقًا ونعمًا. وهكذا يصبح الدعاء وسيلةً لحفظ نعمة الولاية،
وتنميتها في قلب المؤمن، واستجلاب سائر الخيرات المتفرعة عنها.
وبهذا تكشف المكرمة عن معنى عميق،
وهو أن انتظار الإمام ليس انتظار نعمة مستقبلية فحسب، بل شكر نعمة حاضرة؛ لأن
الإمام نعمة في ظهوره وغيبته، والدعاء هو اللسان العملي لهذا الشكر.

تعليقات
إرسال تعليق