القائمة الرئيسية

الصفحات

الحديث الثالث والثلاثون اَلْقَائِمُ مِنَّا مَنْصُورٌ بِالرُّعْبِ، مُؤَيَّدٌ بِالنَّصْرِ

 




اَلْقَائِمُ مِنَّا مَنْصُورٌ بِالرُّعْبِ، مُؤَيَّدٌ بِالنَّصْرِ

الحديث الثالث  والثلاثون

روي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ اَلثَّقَفِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ اَلْبَاقِرَ (عليهما السلام) يَقُولُ: «اَلْقَائِمُ مِنَّا مَنْصُورٌ بِالرُّعْبِ، مُؤَيَّدٌ بِالنَّصْرِ، تُطْوَى لَهُ اَلْأَرْضُ، وَتَظْهَرُ لَهُ اَلْكُنُوزُ، يَبْلُغُ سُلْطَانُهُ اَلمَشْرِقَ وَاَلمَغْرِبَ، وَيُظْهِرُ اللهُ (عزَّ وجلَّ) بِهِ دَيْنَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ اَلمُشْرِكُونَ، فَلَا يَبْقَى فِي اَلْأَرْضِ خَرَابٌ إِلَّا قَدْ عُمِرَ، وَيَنْزِلُ رُوحُ الله عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ (عليه السلام) فَيُصَلِّي خَلْفَهُ...» كمال الدِّين (ص ٣٣٠ و٣٣١/ باب ٣٢/ ح ١٦).

قوله (عليه السلام): «القائمُ مِنَّا»

لم يقل الإمام الباقر (عليه السلام): القائم هو منا، وإنما قال: «القائم منا»، وفي هذا التعبير دلالة بلاغية دقيقة؛ فإن كلمة «مِنَّا» تفيد الانتماء الكامل إلى البيت النبوي، وأن جميع خصائص الرسالة والإمامة والعصمة والوراثة الإلهية متجسدة في هذا القائم. فكأن الحديث يريد أن يقول: إن نهضة الإمام المهدي ليست مشروعاً منفصلاً، بل هي الامتداد الطبيعي لرسول الله وأمير المؤمنين والحسن والحسين وسائر الأئمة (عليهم السلام). ولذلك افتتح الحديث بهذه النسبة قبل ذكر صفاته؛ لأن شرف النسب إلى أهل البيت هو منشأ جميع تلك الخصائص.

قوله (عليه السلام): «مَنْصُورٌ بالرعب، مُؤَيَّدٌ بالنصر»

ظاهر العبارتين أنهما متقاربتان، ولكن بينهما فرق عقدي لطيف.

فـالرعب يسبق المواجهة؛ إذ يُلقي الله سبحانه الهيبة في قلوب أعدائه قبل وقوع القتال، فتنهار إرادتهم النفسية، كما قال تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾.

أما النصر فهو نتيجة المواجهة بعد تحقق أسبابها.

إذن الحديث يرسم مرحلتين للنصر الإلهي:

هزيمة نفسية للأعداء بالرعب.

ثم هزيمة خارجية بالنصر.

وفي هذا إشارة إلى أن الله تعالى لا يمنح وليَّه مجرد الغلبة العسكرية، بل يمنحه السيطرة على النفوس قبل السيطرة على الأرض، وهو أعلى مراتب التأييد الإلهي.

قوله (عليه السلام): «ويُصلّي خلفه روحُ الله عيسى بن مريم (عليه السلام)»

هذه الفقرة ليست مجرد إخبار عن حادثة مستقبلية، وإنما تحمل رسالة تربوية عظيمة، وهي أن العظمة الحقيقية ليست بالمقام الشخصي، وإنما بالطاعة لأمر الله.

فعيسى (عليه السلام) نبيٌّ من أولي العزم، ومع ذلك عندما ينزل في آخر الزمان لا يتقدم للإمامة، بل يقف مأموماً خلف الإمام المهدي (عجل الله فرجه)، إعلاناً بأن القيادة الإلهية في ذلك العصر هي للإمام الحجة.

وفي ذلك درسٌ بليغ لأتباع أهل البيت؛ فكلما ازداد الإنسان علماً وفضلاً، ازداد تواضعاً للحق، ولم ير في اتباع الإمام نقصاً، بل رأى فيه كماله وشرفه. ولهذا كان اقتداء نبيٍّ عظيمٍ بالإمام المهدي أعظم شهادة على عالمية إمامته، وعلى أن دولته ليست مشروعاً مذهبياً محدوداً، بل هي القيادة الإلهية التي تخضع لها الإنسانية المؤمنة جميعاً.

أنت الان في اول موضوع

تعليقات