القائمة الرئيسية

الصفحات

دراسة تحليلية في المكارم التسعين في كتاب مكيال المكارم المكرمة الخامسة

 


دراسة تحليلية في المكارم التسعين في كتاب مكيال المكارم المكرمة الخامسة



المتن المكرمة الخامسة

المكرمة الخامسة: أنه إحياء أمر الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) وهذا كاف في ترغيب أهل اليقين. وما يدل من طريق المنقول، مضافا إلى اتفاق ذوي العقول، على حسن هذا العمل المقبول، روايات عديدة عن آل الرسول (صلى الله عليه وآله).

- منها ما في أصول الكافي(الكافي: ٢ / ١٧٥ باب زيارة الإخوان ح ٢.) بسند صحيح عن خيثمة قال: دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) أودعه فقال: يا خيثمة، أبلغ من ترى من موالينا السلام وأوصهم بتقوى الله العظيم وأن يعود غنيهم على فقيرهم وقويهم على ضعيفهم، وأن يشهد حيهم جنازة ميتهم وأن يتلاقوا في بيوتهم، فإن لقيا بعضهم بعضا حياة لأمرنا، رحم الله عبدا أحيى أمرنا. يا خيثمة:

أبلغ موالينا أنا لا نغني عنهم من الله شيئا إلا بعمل، وأنهم لن ينالوا ولايتنا إلا بالورع، وأن أشد الناس حسرة يوم القيامة من وصف عدلا ثم خالفه إلى غيره.

- ومنها ما في عاشر البحار(بحار الأنوار: ٤٤ / ٢٧٨ / ح ١.) عن مجالس الصدوق عن الرضا (عليه السلام) قال: من جلس مجلسا يحيى فيه أمرنا، لم يمت قلبه يوم تموت القلوب.

- ومنها ما في اللئالي عن الصادق (عليه السلام) قال تلاقوا، وتحادثوا العلم فإن بالحديث تجلى القلوب الراينة، وبالحديث إحياء أمرنا، فرحم الله من أحيى أمرنا.

 

بيان المكرمة الخامسة

الدعاء يصنع الحضور الدائم للإمام

قد يغيب الإمام عن الأبصار، ولكن لا ينبغي أن يغيب عن الأفكار، ولا عن القلوب، ولا عن حياة الأمة. ومن أعظم وظائف الدعاء أنه يمنع الغيبة من أن تتحول إلى نسيان، فيبقى الإمام حاضرًا في وجدان المؤمنين، حيًا في ضمائرهم، ومتجددًا في حديثهم ودعائهم.

ومن هنا جعل الميرزا الأصفهاني هذه المكرمة عنوانًا لإحياء أمر أهل البيت عليهم السلام؛ لأن الدعاء للإمام ليس مجرد طلبٍ لتعجيل ظهوره، بل هو إحياء دائم لقضيته، وربط مستمر للأمة بقيادتها الإلهية.

أولًا: لماذا عبّر الإمام بـ«إحياء الأمر»؟

لم تقل الروايات: «أحيوا ذكرنا»، وإنما قالت:«رحم الله عبدًا أحيا أمرنا.»وهذا التعبير في غاية الدقة؛ لأن "الأمر" أوسع من الذكر.

فالذكر قد يكون مجرد استحضار الاسم، أما الأمر فهو المشروع، والمنهج، والرسالة، والولاية، والقيم، والأهداف التي جاء بها أهل البيت عليهم السلام.

فإحياء الأمر يعني إبقاء مشروعهم حيًا في الأمة، لا مجرد إبقاء أسمائهم على الألسن.

ثانيًا: الدعاء أحد أعظم مصاديق إحياء الأمر

قد يحيي الإنسان أمر أهل البيت بالتعليم، أو التأليف، أو الخطابة، أو إقامة الشعائر.

لكن الدعاء للإمام يمتاز بأنه يجمع بين العلم والعبادة، وبين المعرفة والولاء، وبين القلب واللسان.

فكل دعاء بتعجيل الفرج يعلن أن قضية الإمام ما زالت حية، وأن المؤمن لم ينس إمامه، ولم ينس رسالته، ولم ينس وعد الله بظهوره.

ولهذا كان الدعاء إحياءً للأمر بأسمى صوره.

ثالثًا: الدعاء يحول الغيبة إلى حضور

الغيبة امتحان، وأخطر ما فيها أن تتحول مع مرور الزمن إلى اعتياد، ثم إلى غفلة، ثم إلى نسيان لكن الدعاء يكسر هذا الاعتياد فكلما رفع المؤمن يديه وقال:«اللهم عجل لوليك الفرج» عاد الإمام حاضرًا في قلبه من جديد.

وبذلك يصنع الدعاء حضورًا دائمًا للإمام، وإن غاب شخصه عن الأبصار.

رابعًا: الحضور الحقيقي ليس حضور الجسد

قد يكون الإنسان حاضرًا بجسده، ولكنه غائب عن العقول وقد يغيب بجسده، لكنه يملأ القلوب حضورًا ولهذا فإن الإمام المهدي عليه السلام في زمن الغيبة حاضر بقيادته، وحاضر بحجّيته، وحاضر بولايته، وحاضر بعنايته، ولكن الدعاء هو الذي يجعل المؤمن يعيش هذا الحضور شعوريًا ومن هنا كان الدعاء وسيلة لإحياء العلاقة بالإمام، لا مجرد طلب لظهوره.

خامسًا: الأمة التي تدعو لا تنسى إمامها

إن المجتمعات لا تنسى قضاياها الكبرى ما دامت تتحدث عنها، وتربي أبناءها عليها، وتدعو لها ولهذا فإن الإكثار من الدعاء بتعجيل الفرج ليس عبادة فردية فحسب، بل هو وسيلة لحفظ الوعي الجمعي للأمة فإذا نشأ الأطفال وهم يسمعون الدعاء للإمام، وكبر الشباب وهم يرددونه، وعاش العلماء والخطباء يحيون به المجالس، بقي الإمام حاضرًا في ضمير الأمة جيلاً بعد جيل.

سادسًا: الدعاء يربط الفرد بالمشروع المهدوي

قد يشعر الإنسان أن ظهوره عليه السلام قضية بعيدة عنه لكن عندما يجعل الدعاء وردًا يوميًا، يتحول الإمام إلى محور دائم في حياته وحينئذ لا يعود الظهور حدثًا تاريخيًا ينتظره، بل يصبح مشروعًا يعيش من أجله، ويدعو له، ويهيئ نفسه للمشاركة فيه وهذه هي حقيقة إحياء الأمر.

سابعًا: من الدعاء إلى صناعة الهوية

كلما أكثر المؤمن من الدعاء للإمام، ازدادت معرفته به، واشتد شوقه إليه، وتعاظم إحساسه بمسؤوليته في زمن الغيبة.

فالدعاء لا يحفظ ذكر الإمام فقط، بل يعيد تشكيل شخصية الداعي، حتى يصبح جزءًا من المشروع الذي يدعو له.

ولهذا فإن الدعاء لا يصنع حضور الإمام في وجدان الأمة فحسب، بل يصنع أيضًا *الإنسان المنتظر* الذي يحمل هذا الوجدان.

النتيجة

تكشف هذه المكرمة عن قانون تربوي عظيم، وهو أن **الدعاء ليس مجرد عبادة لطلب الفرج، بل هو وسيلة إلهية لإحياء أمر أهل البيت عليهم السلام، وصناعة الحضور الدائم للإمام في وجدان الأمة.

فما دام الدعاء حاضرًا، بقي الإمام حاضرًا، وما دام الإمام حاضرًا في القلوب، بقي مشروعه حيًا في الأمة، وبقي المنتظرون يعيشون معه، وإن حالت الغيبة بينهم وبين رؤيته.

 

أنت الان في اول موضوع

تعليقات