دراسة تحليلية في المكارم التسعين في كتاب مكيال المكارم المكرمة الثامنة
المتن المكرمة الثامنة
المكرمة
الثامنة: أنه أداء لبعض حقوقه العظيمة في الجملة
وأداء حق ذوي الحقوق من أعظم الأمور
وأهمها عقلا وشرعا فالكلام يقع في مقامات:
الأول: أن أداء حق ذوي الحقوق من أهم
الأمور بحكم العقل وهذا واضح عند ذوي العقول.
الثاني: أنه من أهم الأمور وأفضلها
بحكم الشرع ويدل عليه روايات عديدة.
- منها ما رواه ثقة الإسلام رحمه
الله تعالى في أصول الكافي(الكافي: ٢ / ١٧٠ باب حق المؤمن على أخيه ح ٤.) بسند
صحيح عن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)، قال: ما عبد الله بشيء
أفضل من أداء حق المؤمن.
- وفي البحار عن أمير المؤمنين (عليه
السلام) أنه قال: قضاء حقوق الإخوان أشرف أعمال المتقين.
الثالث: أن له (عليه السلام) علينا
حقوقا عظيمة وقد مر في الباب الثالث منها شرذمة قليلة فلا نطيل الكلام لخروج إحصاء
حقوقه عن طاقة الأنام.
- ويدل على هذا المرام ما روي في
البحار(بحار الأنوار: ٦٧ / ٦٥ / ح ١٣.) بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام)
قال: إنه ليس يقدر أحد على صفة الله وكنه قدرته وعظمته، فكما لا يقدر أحد على كنه
صفة الله وكنه قدرته وعظمته ولله المثل الأعلى فكذلك لا يقدر أحد على صفة رسول
الله (عليه السلام)، وفضلنا، وما أعطانا الله، وما أوجب من حقوقنا، وكما لا يقدر
أحد أن يصف فضلنا، وما أوجب الله من حقوقنا، فكذلك لا يقدر أحد أن يصف حق المؤمن،
ويقوم به، الخبر.
أقول: لا يخفى أن جميع حقوق المؤمن
إنما هي من شعب حقوقهم وفضلهم.
الرابع: أن الاهتمام بأداء الحقوق
يوجب الرفعة عند الله (عزَّ وجلَّ) فمن كان جهده وسعيه في هذا الأمر أتم كان عند
الله أعز وأكرم.
- ويدل على ذلك ما روي في
الاحتجاج(إحتجاج الإمام الحسن العسكري: ٢ / ٢٦٧.) عن الإمام الهمام أبي محمد الحسن
العسكري (عليه السلام) أنه قال: أعرف الناس بحقوق إخوانه وأشدهم قضاء لها أعظمهم
عند الله شأنا، الخبر.
الخامس: أن من جملة حقوق المؤمن على
المؤمن الدعاء له، ويدل على ذلك، مضافا إلى ما مر في حديث ابن أبي يعفور الذي
رويناه في صدر الباب الرابع عن أبي عبد الله (عليه السلام) وإلى ما سيأتي في أن من
المكارم قبول الأعمال عن سيد العابدين (عليه السلام) من حصول أداء حق واسطة النعمة
بالدعاء له.
- ما رواه العلامة المجلسي (ره) في
البحار(بحار الأنوار: ٧٤ / ٢٢٦ / ح ٢٠.) عن فقه الرضا (عليه السلام): إعلم يرحمك
الله، أن حق الإخوان واجب فرض إلى أن قال: والإقبال على الله تعالى بالدعاء لهم.
الخ.
- وما رواه ثقة الإسلام في أصول
الكافي(الكافي: ٢ / ١٦٩ حق المؤمن على أخيه ح ٢.) عن المعلى بن خنيس، عن أبي عبد
الله (عليه السلام)، قال: قلت له: ما حق المسلم على المسلم؟ قال (عليه السلام): له
سبع حقوق واجبات، ما منهن حق إلا وهو عليه واجب، إن ضيع منها شيئا خرج من ولاية
الله وطاعته، ولم يكن لله فيه من نصيب قلت له جعلت فداك، وما هي؟ قال: يا معلى إني
عليك شفيق، أخاف أن تضيع ولا تحفظ، وتعلم ولا تعمل. قال: قلت: لا قوة إلا بالله.
قال: أيسر حق منها أن تحب له ما تحب
لنفسك وتكره له ما تكره لنفسك.
والحق الثاني: أن تجتنب سخطه وتتبع
مرضاته وتطيع أمره.
والحق الثالث: أن تعينه بنفسك ومالك
ولسانك ويدك ورجلك.
والحق الرابع: أن تكون عينه ودليله
ومرآته.
والحق الخامس: أن لا تشبع ويجوع ولا
تروى ويظمأ ولا تلبس ويعرى.
والحق السادس: أن يكون لك خادم وليس
لأخيك خادم، فواجب أن تبعث خادمك فيغسل ثيابه، ويصنع طعامه ويمهد فراشه.
والحق السابع: أن تبر قسمه وتجيب
دعوته، وتعود مريضه وتشهد جنازته، وإذا علمت أن له حاجة تبادره إلى قضائها، ولا
تلجئه أن يسألكها ولكن تبادره مبادرة، فإذا فعلت ذلك وصلت ولايتك بولايته وولايته
بولايتك.
أقول: الظاهر أن المراد بالواجب في
الحديث، هو المعنى اللغوي فيكون أعم من الواجب والمستحب الشرعيين ويشهد لذلك
روايات عديدة ذكرها يوجب التطويل.
قال العلامة المجلسي (ره) في
البحار(بحار الأنوار: ٧٤ / ٢٣٨ ذيل ٤٠.) يمكن حمل الوجوب على الأعم من المعنى
المصطلح والاستحباب المؤكد، إذ لا أظن أحدا قال بوجوب أكثر ما ذكره مع تضمنه للحرج
العظيم. إنتهى.
وقال رحمه الله تعالى في مرآة
العقول: الظاهر أن هذه الحقوق بالنسبة إلى المؤمنين الكاملين، أو الأخ الذي واخاه
في الله، وإلا فرعاية جميع ذلك بالنسبة إلى جميع الشيعة حرج عظيم بل ممتنع. إلا أن
يقال: إن ذلك مقيد بالإمكان، بل السهولة بحيث لا يضر بحاله.
إنتهى.
إذا عرفت ما ذكرنا، فنقول: لا ريب في
ثبوت هذه الحقوق لمولانا صاحب الزمان (عليه السلام) على جميع أهل الإيمان على كل
من تلك التقادير وهذا واضح عند العارف البصير لأن إيمان الإمام أكمل من كل مسلم،
وقد أطلق الأخ الشفيق، عليه في خبر عبد العزيز بن مسلم والدعاء في حقه إطاعة
لأمره، وإعانة له باللسان وسنوضحه فيما سيأتي بأوضح بيان.
بيان المكرمة الثامنة
الدعاء
أداءٌ لحق الإمام عليه السلام
من أعظم التحولات التي يحدثها
الميرزا الأصفهاني في هذا الباب، أنه ينقل الدعاء للإمام من دائرة الفضائل إلى
دائرة الحقوق. فهو لا يكتفي بالقول إن الدعاء يوجب الثواب، أو يقرب إلى الله، بل
يقرر أن الدعاء لونٌ من ألوان أداء حق الإمام، وأن من عرف حقه، سعى إلى القيام بما
يستطيع من هذا الحق.
وهذا يكشف عن أن العلاقة بالإمام
ليست علاقة عاطفة مجردة، وإنما علاقة حق ومسؤولية، كما أنها علاقة حب وولاء.
أولًا:
لماذا بنى الميرزا استدلاله على الحقوق؟
منهج الميرزا في هذه المكرمة لافت
للنظر؛ إذ بدأ بإثبات قاعدة عقلية، وهي أن أداء الحقوق من أوضح ما يحكم العقل
بحسنه، ثم عضّدها بالأدلة الشرعية، ثم أثبت أن للإمام حقوقًا عظيمة، ثم انتهى إلى
أن الدعاء أحد مصاديق أداء تلك الحقوق.
وهذا البناء المتدرج يدل على أنه لا
يريد إثبات استحباب الدعاء فقط، بل يريد تأسيس رؤية متكاملة تجعل الدعاء جزءًا من
الوفاء بحقوق الإمام.
ثانيًا:
حق الإمام لا يمكن الإحاطة به
استشهد الميرزا بالروايات التي تؤكد
أن الناس لا يحيطون بكنه حقوق أهل البيت عليهم السلام وهذه إشارة دقيقة فكلما
ازدادت منزلة صاحب الحق، تعاظم حقه ولما كان الإمام هو حجة الله، وواسطة فيضه،
وحافظ شريعته، وقائد عباده، كانت حقوقه فوق أن يستوعبها عقل الإنسان.
ولهذا فإن كل ما يؤديه المؤمن لا
يعدو أن يكون أداءً لبعض حقه، لا لجميعه.
ومن هنا عبّر الميرزا بدقة
فقال:«أداء بعض حقوقه في الجملة.»ولم يقل: أداء حقه كله.
ثالثًا:
لماذا اختار الدعاء من بين الحقوق؟
قد يتصور أن أداء حق الإمام يكون
بالزيارة، أو بالنصرة، أو بالخدمة وهذا صحيح لكن هذه الأعمال قد لا تتيسر لكل أحد أما
الدعاء فهو باب مفتوح لكل مؤمن، في كل زمان، وفي كل مكان.
فجعل الله تعالى هذا العمل في متناول
الجميع، حتى لا يحرم أحد من المساهمة في أداء حق إمامه فالدعاء هو الحق الذي لا
يعجز عنه أحد.
رابعًا:
الحقوق لا تسقط بالعجز عن بعضها
إذا عجز الإنسان عن أداء جميع
الحقوق، لم يسقط عنه ما يقدر عليه وهذه قاعدة فقهية وعقلائية فإذا تعذر على المؤمن
أن ينصر الإمام بالسيف في زمن الغيبة، بقيت عليه حقوق أخرى يستطيع أداءها، ومنها
الدعاء له، وإحياء أمره، ونشر معارفه، والتمهيد لدولته.
وبذلك يكون الدعاء من الحقوق التي لا
يسقط التكليف الأدبي بها ما دام الإنسان قادرًا عليها.
كل حق ينشأ عن نعمة وأعظم نعمة بعد
معرفة الله ورسوله هي معرفة الإمام.
فإذا كان الإمام واسطة الفيض الإلهي،
وحافظ الدين، وسبب بقاء الأرض، فإن أقل ما يقدمه المؤمن اعترافًا بهذه النعمة هو
أن يخص إمامه بالدعاء فالدعاء ليس مجرد طلب للفرج، بل هو إعلان دائم بأن المؤمن لا
ينسى صاحب الفضل عليه.
الإنسان الذي يعيش بمنطق الحقوق
يختلف عن الإنسان الذي يعيش بمنطق المصالح.
فالأول يسأل دائمًا:ماذا يجب علي؟
والثاني يسأل:ماذا سأحصل؟
ولهذا أراد الميرزا أن ينقل المؤمن
من التفكير بالمكاسب الشخصية للدعاء، إلى التفكير فيما يجب عليه تجاه إمامه.
فإذا دعا الإنسان لأنه يؤدي حقًا،
أصبح أكثر إخلاصًا، وأبعد عن الأنانية.
سابعًا:
الدعاء صورة من صور الوفاء
الوفاء لا يكون بالكلمات وحدها بل
يكون بحفظ الحقوق وحين يداوم المؤمن على الدعاء بتعجيل الفرج، فإنه يعلن أن غيبة
الإمام لم تُسقط حقه من ذاكرته، ولم تُضعف إحساسه بمسؤوليته تجاهه.
فكل دعاء هو شهادة وفاء متجددة، وكل
تكرار له تجديد للعهد مع الإمام.
ثامنًا:
العلاقة الحقوقية أعمق من العلاقة العاطفية
قد يحب الإنسان إمامه حبًا صادقًا،
ولكن الحب إذا لم يتحول إلى أداء للحقوق بقي شعورًا داخليًا أما إذا حمله على
القيام بما للإمام عليه من حقوق، أصبح الحب سلوكًا عمليًا.
ولهذا فإن الدعاء يمثل نقطة التقاء
بين المحبة والواجب؛ فهو عمل يصدر عن قلب محب، لكنه في الوقت نفسه أداء لحق ثابت.
تكشف هذه المكرمة عن قاعدة معرفية
مهمة، وهي أن **الدعاء للإمام ليس تفضلًا من المؤمن على إمامه، بل هو تشرّف بأداء
بعض حقوقه العظيمة**. فالإمام صاحب حق سابق، والمؤمن هو المحتاج إلى الوفاء بهذا
الحق. وكلما ازداد الإنسان معرفةً بمقام الإمام، ازداد شعوره بتقصيره في أداء
حقوقه، فكان الدعاء أحد أيسر أبواب الوفاء، وأعظمها أثرًا في حفظ الصلة بالحجة
الإلهية.
وهذا يكشف عن بعدٍ جديد في الهندسة
المعرفية للدعاء؛ إذ ينتقل بالداعي من عقلية انتظار الثواب إلى عقلية أداء الحق،
ومن ثقافة المطالبة إلى ثقافة الوفاء، وبذلك تتكامل شخصية الإنسان المنتظر، لأنها
تقوم على المعرفة، والمحبة، والالتزام، والشعور الدائم بحق الإمام عليه.

تعليقات
إرسال تعليق