القائمة الرئيسية

الصفحات

الامام الرضا عليه السلام شمس الشموس

 


الامام الرضا عليه السلام  شمس الشموس

 

 

 



 

 

الامام الرضا عليه السلام  شمس الشموس

 

لقب شمس الشموس بالنصوص

ورد في كتاب البحار عن زاد المعاد في كيفية التوسل بالإمام الرضا × :(اللهم صل و سلم و زد و بارك على السيد المعصوم و الإمام المظلوم و الشهيد المسموم و القتيل المحروم عالم علم المكتوم بدر النجوم شمس الشموس أنيس النفوس المدفون بأرض طوس .. الخ) ([1]).

في كتاب المصباح للكفعمي "رحمه الله تعالى" توصيفًا للإمام الرضا (× ) -في خطبة العيدين-: "بشمس الشموس وأنس النفوس"، حيث ذكر فيما ذكر من خطبة العيدين: "اللهم وصلِّ على الإمام المعصوم والسيد المظلوم والشهيد المسموم والبدر بين النجوم شمس الشموس وأُنس النفوس المدفون بأرض طوس الرضا المرتضى .. " ([2]).

الألقاب اصطفائية

نحن نعتقد بان أسماء واللقاب كنى اهل البيت ^ المنصوص عليها في الاحاديث والزيارات لها حقائق تتكئ عليها وتشير الى أدوار ومسؤليات لكل امام سواء في عصره او رجعته او يوم القيامة وقد بينا ذلك في مجموعة من كتبنا ولها أبحاث مفصلة في الكتب العقائدية المستفادة من الاحاديث والروايات .

وقد لُقِّبَ الإمام الرضا ( ×  ) بكوكبة من الألقاب الكريمة ، وكل لقب منها يرمز إلى صفة من صفاته الكريمة ، وهذه بعضها الأول : ( الرضا ×  ) :اختلف المؤرخون والرواة في الشخص الذي أضفى على الإمام ( ×  ) هذا اللقب الرفيع ، حتى غلب عليه ، وصار اسماً يُعرف به .وقد عَلَّلَ أحمد البزنطي السبب الذي من أجله لُقِّب بـ ( الرضا ) فقال : إنما سُمِّي ( ×  ) الرضا ، لأنه كانَ رِضَى لله تَعَالى في سَمَائِه ، وَرِضَى لِرسُوله والأئمة ( ^ ) بعده في أرضه .

الثاني : ( الصابر ) :وإنما لُقِّب ( ×  ) بذلك لأنه صَبَر على المِحَن والخُطُوب التي تَلَقَّاهَا مِن خُصُومِهِ وأعدَائِه .

الثالث : ( الزكِي ) :لأن الإمام ( ×  ) قد كان من أزكياء البشر ، ومن نبلائهم وأشرافهم .

الرابع : ( الوفي ) :أما الوفاء فهو عنصر من عناصر الإمام ( ×  ) ، وذاتي من ذاتياته ، فقد كان ( ×  ) وَفِياً لأُمَّتِه ووطَنِه .

الخامس : ( سراج الله ) :فَقد كَان الإمام ( ×  ) سِرَاجاً لله ، يَهدِي الضالَّ وَيرشدُ الحَائِر .

السادس : ( قُرَّة عينِ المُؤمنين ) :ومن ألقابه الكريمة أنه ( ×  ) كان قُرَّة عينِ المؤمنين ، فَقد كَان زَيناً وفخراً لهم .

السابع : ( مكيدة المُلحدين ) :وإنما لُقِّب ( ×  ) بذلك لأنه أبطلَ شُبَه المُلحِدين وَفَنَّد أوهامَهُم ، وذلك في مناظراته التي أُقيمت في البلد العباسي ، والتي أَثبتَ فيها أصالة القيم والمبادئ الإسلامية .

الثامن : ( الصدِّيق ) :فقد كان ( ×  ) كـ ( يوسُفُ الصدِّيق ) الذي ملك مصر ، فقد تَزعَّم جميع أنحاء العالم الإسلامي ، وكانت لَهُ الولاية المُطلَقة عليه .

التاسع : ( الفاضل ) :فهو أفضل إنسانٍ وأكملُهُم في عصره ، ولهذه الظاهرة لُقِّبَ ( ×  ) بـ ( الفاضل ) .

فهذه بعض الألقاب الكريمة التي لقب بها ، وهي تنم عن سُمُوِّ شخصيته وعظيم شأنه ( ×  ) ([3]).

 

اهل البيت الشموس الطالعة

 

نحن نعلم ان اهل البيت ^  انما هم انوار منّ الله  علينا بهم في هذه الدنيا ليكونوا لنا دليل ففي الدعاء " صل اللهم على الدليل إليك في الليل الاليل".وفي دعاء الندبة( صالِحٌ بَعْدَ صالِحٍ، وَصادِقٌ بَعْدَ صادِقٍ، اَيْنَ السَّبيلُ بَعْدَ السَّبيلِ، اَيْنَ الْخِيَرَةُ بَعْدَ الْخِيَرَةِ، اَيْنَ الشُّمُوسُ الطّالِعَةُ، اَيْنَ الاْقْمارُ الْمُنيرَةُ، اَيْنَ الاْنْجُمُ الزّاهِرَةُ، اَيْنَ اَعْلامُ الدّينِ وَقَواعِدُ الْعِلْمِ).

روي عن الإمام الرضا"عليه السلام" الإمام كالشمس الطالعة المُجللة بنورها للعالم،و هي في الأفق بحيث لا تنالها الأيدي و الأبصار([4]).

دلالة الحديث

هذا النص مقتطف من فقرات تتناول التعريف بالإمامة، اي: إمامة الاثني عشر معصوماً (عليهم السَّلام)، اولهم الامام علي بن ابي طالب، وآخرهم الامام المهدي (عليه السَّلام).

وهنا الامام في هذ الفقرة التي تعتمد علي عنصر (التشبيه) حيث شبه الامام الرضا'× الامام الرضا (× ) الامام او الامامة بانها شمس قد جللّت بالنور، وبأن الشمس هي في الافق لا تنالها الابصار ولا الأيدي، والسؤال الآن، هو: ما هي اهمية هذه الفقرة دلالياً وبلاغياً؟

ينبغي ان نأخذ بنظر الاعتبار ان المعصومين (^ )، ليسوا عاديين كسائر البشر، بل يمتازون بالعصمة: كما هو واضح، والعصمة هي: الخلّو من الذنب والخلّو من الخطأ: سواء أكان الخطأ فكرياً ام فنياً.

لذلك عندما يشّبه الامام الرضا'× الامام الرضا (× ) الامامة بالشمس لم يكن تشبيهه تشبيه الشعراء الذين تغلب عليهم العاطفة أو الخيال وإنما يتحدث عن الحقيقة بلغة الفن. من هنا، فإن ذهابه (× ) بأن الامام كالشمس يعني: حقيقة هذه الظاهرة، فكما يستفيد الناس من الشمس في الانارة وفي سائر طاقاتها كذلك الامام نستفيد منه في كسب المعرفة وفي مطلق العطاءات والسبب من الوضوح بمكان ما دمنا نعرف تماماً بأن الائمة (^ )، هم خلفاء رسول الله (d ).

 

بلاغة الحديث

واما من حيث البلاغة او الفن للفقرة المذكورة، فيكفي ان نلاحظ بأن النص قد اعتمد التشبيه المركب، اي: التشبيه الذي يعتمد على جملة صور متفرقة من الصور المرتبة وهي الشمس، فقد شبّه الامام بالشمس اولاً، ثم اوضح توشحها بالنور ثانياً، ثم ألمح الي مكانها ثالثاً، وهو الافق، ثم اوضح عدم إدراك البصر واليد للشمس الطالعة في الافق.

واهمية هذه الصورة المركبة، هي: واقعيتها حيث ان الامام بما انه معصوم حينئذ لا يمكن بأن يماثله شخص آخر عادي، وهذا ماعبّر عنه بصورة: الشمس التي لا تدركها الابصار ولا تنالها الايدي.

ولا نحسب ان واقعية الامامة تتجلّي باكثر من التشبيه المتقدم مادام الائمة (^ ) معصومين من الذنوب، ولا يصل احد الي مقامهم.

والتشبيه بالشمس الطالعة يراد منه الإرادة الحقيقية لطريق الهدى، فكما أن النور المحسوس يكون عامل إراءة للطريق للسائر في الظلام، كذا ذواتهم الشريفة (^ ) كالنور أو كالشمس في إراءة طريق الحق لمن يقتدي بهم ويسير على هداهم.

الامام الرضا × شمس الشموس

 

ولبيان هذا اللقب لابد من قرائة تاريخ زمن الامام × وماذا جرى فيه من فتن عظيمة حتى نتعرف على عظمة هذا اللقب .

فتنتان عظيمتان

الأولى : فتنة الدين

في زمن الامام ارضا ×  تعرض الدين لفتنة كبيرة جدا   ولولا تصدي الامام الرضا × لما بقي للاسلام وجود وهو ان المأمون لعائن الله عليه اقام حربا عقائدية ضد الدين حيث جمع كبار أهل الشرك وأصحاب المقالات مثل الجاثليق ورأس الجالوت  ورؤساء الصابئين  والهربذ  الأكبر وأصحاب زردهشت  ونسطاس  الرومي والمتكلمين ليبطل الدين الإسلامي .

وبدئت الحرب في ذلك المجلس وكانت جولات وصولات اشد من حرب السيوف والرماح الى ان انتهت (أفهمت يا عمران؟ قال: نعم يا سيدي قد فهمت واشهد ان الله تعالى على ما وصفت ووحدت وأشهد أن محمدا (ص) عبده المبعوث بالهدى ودين الحق ثم خر ساجدا نحو القبلة واسلم. قال الحسن بن محمد النوفلي: فلما نظر المتكلمون إلى كلام عمران الصابي وكان جدلا لم يقطعه عن حجته أحد منهم قط لم يدن من الرضا عليه السلام أحد منهم ولم يسألوه عن شئ وأمسينا فنهض المأمون والرضا عليه السلام فدخلا وانصرف الناس وكنت مع جماعه من أصحابنا إذ بعث إلى محمد بن جعفر فاتيته فقال لي: يا نوفلي اما رأيت ما جاء به صديقك؟! لا والله ما ظننت ان علي بن موسى الرضا عليه السلام خاض في شئ من هذا قط ولا عرفناه به انه كان يتكلم بالمدينة أو يجتمع إليه أصحاب الكلام قلت: قد كان الحاج يأتونه فيسألونه عن أشياء من حلالهم وحرامهم فيجيبهم وربما كلم من يأتيه بحاجه فقال محمد بن جعفر: يا أبا محمد انى أخاف عليه ان يحسده عليه هذا الرجل فيسمه أو يفعل به بليه فأشر عليه بالإمساك عن هذه الأشياء) وكشف بشمسه × شمس الشموس هذه البلية بنوره وثبت قواعد الدين واركانه.

أقول تجد المناظرة بتمامها و بتفصيلها في العيون([5]).

ومن باب ذكر بعض المناظرات

وعن الفضل بن شاذان، قال: سأل رجل من الثنوية أبا الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) وأنا حاضر، فقال له: إني أقول: إن صانع العالم اثنان، فما الدليل على أنه واحد؟ فقال (× ): قولك إنه اثنان، دليل على أنه واحد، لأنك لم تدع الثاني إلا بعد إثباتك الواحد، فالواحد مجمع عليه، وأكثر من واحد مختلف فيه ([6]).

وروى الكليني بإسناده عن البزنطي، قال: جاء رجل إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام) من وراء نهر بلخ، فقال: إني أسألك عن مسألة، فإن أجبتني فيها بما عندي قلت بإمامتك. فقال أبو الحسن (عليه السلام): سل عما شئت. فقال: أخبرني عن ربك متى كان، وكيف كان، وعلى أي شيء كان اعتماده؟ فقال أبو الحسن (× ): إن الله تبارك وتعالى أين الأين بلا أين، وكيف الكيف بلا كيف، وكان اعتماده على قدرته. فقام إليه الرجل، فقبل رأسه، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأن عليا وصي رسول الله، والقيم بعده بما قام به رسول الله (d )، وأنكم الأئمة الصادقون، وأنك الخلف من بعدهم ([7]).

وفي كتاب الصفواني، أنه قال الرضا (عليه السلام) لابن قرة النصراني: ما تقول في المسيح؟ قال: يا سيدي إنه من الله. قال: ما تريد بقولك من؟ ومن على أربعة أوجه لا خامس لها، أتريد بقولك من كالبعض من الكل فيكون مبعضا، أو كالخل من الخمر فيكون على سبيل الاستحالة، أو كالولد من الوالد فيكون على سبيل المناكحة، أو كالصنعة من الصانع فيكون على سبيل المخلوق من الخالق، أو عندك وجه آخر فتعرفناه؟ فانقطع ([8]).

وقال ابن شهرآشوب: وكان الجاثليق يناظر المتكلمين فيقول: نحن نتفق على نبوة عيسى وكتابه، وأنه حي في السماء، ونختلف في بعثة محمد ونتفق في موته، فما الذي يدل على نبوته؟ فيحيرهم. فاحضر عند الرضا والمأمون فقال: ما تقول في نبوة عيسى وكتابه؟ هل تنكر منهما شيئا؟ فقال الرضا (× ): أنا مقر بنبوة عيسى وكتابه، وما بشر به أمته، وأقر به الحواريون، وكافر بنبوة كل عيسى لم يقر بنبوة محمد وكتابه، ولم يبشر به أمته، فانقطع. ثم قال الرضا (عليه السلام): يا نصراني، والله إنا لنؤمن بعيسى الذي آمن بمحمد، وما ننقم على عيساكم إلا ضعفه وقلة صيامه وصلاته. فقال: والله ما زال عيسى صائم النهار قائم الليل! قال (عليه السلام): لمن كان يصلي ويصوم؟ فخرس. وقال الجاثليق: ما أحيا الموتى، وأبرأ الأكمه والأبرص مستحق أن يعبد. فقال الرضا (عليه السلام): فإن اليسع صنع ما صنع، مشى على الماء، وأبرأ الأكمه والأبرص، وحزقيل أحيا خمسة وثلاثين ألف رجل من بعد موتهم بستين سنة، وقوم من بني إسرائيل خرجوا من بلادهم من الطاعون وهم ألوف حذر الموت فأماتهم الله في ساعة واحدة، فأوحى الله إلى نبي مر على عظامهم بعد سنين أن نادهم. فقال: أيتها العظام البالية، قومي بإذن الله، فقاموا. وذكر (عليه السلام) حديث إبراهيم الخليل (عليه السلام) والطير *(فصرهن إليك)*([9]) وحديث موسى *(واختار موسى)*([10]) لما قالوا: *(لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة)*([11])، فاحترقوا فأحياهم الله من بعد قول موسى: *(لو شئت أهلكتهم)*([12])، وسؤال قريش رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يحييهم.

ثم قال: والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان، قد نطقت به، فإن كان من أحيا الموتى يتخذ ربا من دون الله، فاتخذوا هؤلاء كلهم أربابا، فأسلم النصراني ([13]).

وروى الشيخ الصدوق بالإسناد عن محمد بن عبد الله الخراساني خادم الرضا (عليه السلام)، قال: دخل رجل من الزنادقة على الرضا (عليه السلام) وعنده جماعة، فقال له أبو الحسن (عليه السلام): أيها الرجل، أرأيت إن كان القول قولكم، وليس هو كما تقولون، ألسنا وإياكم شرعا سواء، ولا يضرنا ما صلينا وصمنا وزكينا وأقررنا، فسكت. فقال أبو الحسن (عليه السلام): وإن يكن القول قولنا وهو كما نقول، ألستم قد هلكتم ونجونا. فقال: رحمك الله، فأوجدني كيف هو، وأين هو؟ قال: ويلك، إن الذي ذهبت إليه غلط، هو أين الأين، وكان ولا أين، وهو كيف الكيف وكان ولا كيف، ولا يعرف بكيفوية ولا بأينونية، ولا يدرك بحاسة، ولا يقاس بشيء. قال الرجل: فإذن إنه لا شيء إذا لم يدرك بحاسة من الحواس. فقال أبو الحسن (عليه السلام): ويلك لما عجزت حواسك عن إدراكه أنكرت ربوبيته، ونحن إذا عجزت حواسنا عن إدراكه أيقنا أنه ربنا خلاف الأشياء. قال الرجل: فأخبرني متى كان؟

فقال أبو الحسن (عليه السلام): أخبرني متى لم يكن، فأخبرك متى كان؟ قال الرجل: فما الدليل عليه؟ قال أبو الحسن (عليه السلام): إني لما نظرت إلى جسدي فلم يمكني فيه زيادة ولا نقصان في العرض والطول، ودفع المكاره عنه، وجر المنفعة إليه، علمت أن لهذا البنيان بانيا، فأقررت به، مع ما أرى من دوران الفلك بقدرته، وإنشاء السحاب، وتصريف الرياح، ومجرى الشمس والقمر والنجوم، وغير ذلك من الآيات العجيبات المتقنات، علمت أن لهذا مقدرا ومنشأ. قال الرجل: فلم احتجب؟ فقال أبو الحسن (عليه السلام): إن الاحتجاب عن الخلق لكثرة ذنوبهم، فأما هو فلا يخفى عليه خافية في آناء الليل والنهار. قال: فلم لا تدركه حاسة البصر؟ قال: للفرق بينه وبين خلقه الذين تدركهم حاسة الأبصار منهم ومن غيرهم، ثم هو أجل من أن يدركه بصر أو يحيط به وهم أو يضبطه عقل. قال: فحده لي. قال: لا حد له. قال: ولم؟ قال: لأن كل محدود متناه إلى حد، وإذا احتمل التحديد احتمل الزيادة، وإذا احتمل الزيادة احتمل النقصان، فهو غير محدود، ولا متزايد ولا متناقص ولا متجزئ ولا متوهم. قال الرجل: فأخبرني عن قولكم: إنه لطيف سميع بصير عليم حكيم. أيكون السميع إلا بالأذن، والبصير إلا بالعين، واللطيف إلا بعمل اليدين، والحكيم إلا بالصنعة؟ فقال أبو الحسن (عليه السلام): إن اللطيف منا على حد اتخاذ الصنعة، أو ما رأيت الرجل منا يتخذ شيئا يلطف في اتخاذه، فيقال: ما ألطف فلانا! فكيف لا يقال للخالق الجليل: لطيف، إذ خلق خلقا لطيفا وجليلا، وركب في الحيوان أرواحا، وخلق كل جنس متباينا عن جنسه في الصورة، لا يشبه بعضه بعضا، فكل له لطف من الخالق اللطيف الخبير في تركيب صورته. ثم نظرنا إلى الأشجار وحملها أطايبها المأكولة منها وغير المأكولة، فقلنا عند ذلك: إن خالقنا لطيف لا كلطف خلقه في صنعتهم. وقلنا: إنه سميع لا يخفى عليه أصوات خلقه ما بين العرش إلى الثرى، من الذرة إلى أكبر منها في برها وبحرها، ولا تشتبه عليه لغاتها، فقلنا عند ذلك إنه سميع لا بأذن. وقلنا: إنه بصير لا ببصر، لأنه يرى أثر الذرة السحماء (السوداء) في الليلة الظلماء على الصخرة السوداء، ويرى دبيب النمل في الليلة الدجية، ويرى مضارها ومنافعها وأثر سفادها وفراخها ونسلها، فقلنا عند ذلك إنه بصير لا كبصر خلقه. قال: فما برح حتى أسلم، وفيه كلام غير هذا ([14]).

وعن صفوان بن يحيى صاحب السابري، قال: سألني أبو قره صاحب الجاثليق أن أوصله إلى الرضا (عليه السلام) فاستأذنته في ذلك. فقال (عليه السلام): أدخله علي، فلما دخل عليه قبل بساطه، وقال: هكذا علينا في ديننا أن نفعل بأشراف أهل زماننا. ثم قال: أصلحك الله، ما تقول في فرقة ادعت دعوى فشهدت لهم فرقة أخرى معدلون؟ قال: الدعوى لهم. قال: فادعت فرقة أخرى دعوى، فلم يجدوا شهودا من غيرهم؟ قال: لا شيء لهم. قال: فإنا نحن ادعينا أن عيسى روح الله وكلمته ألقاها، فوافقنا على ذلك المسلمون، وادعى المسلمون أن محمدا نبي، فلم نتابعهم عليه، وما أجمعنا عليه خير مما افترقنا فيه. فقال له الرضا (عليه السلام): ما اسمك؟ قال: يوحنا. قال: يا يوحنا، إنا آمنا بعيسى بن مريم (عليه السلام) روح الله وكلمته الذي كان يؤمن بمحمد (صلى الله عليه وآله) ويبشر به، ويقر على نفسه أنه عبد مربوب، فإن كان عيسى الذي هو عندك روح الله وكلمته ليس هو الذي آمن بمحمد (صلى الله عليه وآله) وبشر به، ولا هو الذي أقر لله عز وجل بالعبودية والربوبية، فنحن منه براء، فأين اجتمعنا؟ فقام وقال لصفوان بن يحيى: قم، فما كان أغنانا عن هذا المجلس! ([15])

وقال ابن شهرآشوب (رحمه الله): ومما أجاب (عليه السلام) بحضرة المأمون لصباح بن نصر الهندي وعمران الصابئ عن مسائلهما. قال عمران: العين نور مركبة، أم الروح تبصر الأشياء من منظرها؟ قال (عليه السلام): العين شحمة، وهو البياض والسواد، والنظر للروح، دليله أنك تنظر فيه فترى صورتك في وسطه، والإنسان لا يرى صورته إلا في ماء أو مرآة وما أشبه ذلك. قال صباح: فإذا عميت العين، كيف صارت الروح قائمة، والنظر ذاهب؟

قال (عليه السلام): كالشمس طالعة يغشاها الظلام. قال: أين تذهب الروح؟ قال (عليه السلام): أين يذهب الضوء الطالع من الكوة إذا سدت الكوة؟ قال: أوضح لي ذلك. قال (عليه السلام): الروح مسكنها في الدماغ، وشعاع منبث في الجسد، بمنزلة الشمس دائرتها في السماء وشعاعها منبسط في الأرض، فإذا غابت الدائرة، فلا شمس، وإذا قطع الرأس فلا روح. قالا: فما بال الرجل يلتحي دون المرأة. قال (عليه السلام): زين الله الرجال باللحى، وجعلها فضلا يستدل بها على الرجال من النساء. قال عمران: ما بال الرجل إذا كان مؤنثا، والمرأة إذا كانت مذكرة؟ قال (عليه السلام): ذلك أن المرأة إذا حملت وصار الغلام منها في الرحم موضع الجارية كان مؤنثا، وإذا صارت الجارية موضع الغلام كانت مذكرة، وذلك أن موضع الغلام في الرحم مما يلي ميامنها، والجارية مما يلي مياسرها، وربما ولدت المرأة ولدين في بطن واحد، فإن عظم ثدياها جميعا تحمل توأمين، وإن عظم أحد ثدييها كان ذلك دليلا على أنه تلد واحدا، إلا أنه إذا كان الثدي الأيمن أعظم كان المولود ذكرا، وإذا كان الأيسر أعظم كان المولود أنثى، وإذا كانت خاملا فضمر ثديها الأيمن فإنها تسقط غلاما، وإذا ضمر ثديها الأيسر فإنها تسقط أنثى، وإذا ضمرا جميعا تسقطهما جميعا. قالا: من أي شيء الطول والقصر في الإنسان؟ فقال (عليه السلام): من قبل النطفة، وإذا خرجت من الذكر فاستدارت جاء القصر، وإن استطالت جاء الطول. قال صباح: ما أصل الماء؟ قال (عليه السلام): أصل الماء خشية الله ، بعضه من السماء ويسلكه في الأرض ينابيع، وبعضه ماء عليه الأرضون، وأصله واحد عذب فرات. قال: فكيف منها عيون نفط وكبريت، ومنها قار وملح وما أشبه ذلك؟ قال (عليه السلام): غيره الجوهر، وانقلبت كانقلاب العصير خمرا، وكما انقلبت الخمر فصارت خلا، وكما يخرج من بين فرث ودم لبنا خالصا. قال: فمن أين أخرجت أنواع الجواهر؟ قال: انقلبت منها كانقلاب النطفة علقة، ثم مضغة، ثم خلقة مجتمعة مبنية على المتضادات الأربع. قال عمران: إذا كانت الأرض خلقت من الماء، والماء البارد رطب، فكيف صارت الأرض باردة يابسة؟ قال (عليه السلام): سلبت النداوة فصارت يابسة. قال: الحر أنفع أم البرد؟

قال: الحر أنفع من البرد، لأن الحر من حر الحياة، والبرد من برد الموت، وكذلك السموم القاتلة الحار منها أسلم وأقل ضررا من السموم الباردة ([16]).

وغيرها من المناظرات الكثيرة في كتب الاحتجاج.

الفتنة الثانية : فتنة المذهب

فتنة الواقفة التي كانت اشد الفتن على المذهب فقادتها علماء ووكلاء كبار .

" الواقفية " هم الذين وقفوا على الإمام الكاظم ( ×  ) وربما يطلق عليهم " الممطورة " وإنما وقفوا على الكاظم ( × ) بزعم أنه القائم المنتظر . قال الكشي : وقد كان بدء الواقفة أنه اجتمع عند بعض الشيعة ثلاثون ألف دينار ، فحملوها إلى وكيلين لموسى الكاظم ( ×  )

 أحدهما : حيان السراج وآخر كان معه ، وكان موسى بن جعفر ( ×  ) في الحبس ، فلما مات موسى ( ×  ) وانتهى الخبر إليهما أنكرا موته ، وأذاعا في الشيعة أنه لا يموت لأنه هو القائم ، وانتشر قولهما في الناس ، ثم استبان للشيعة أنهما قالا ذلك حرصا على المال ([17]).

دعاؤه (عليه السلام) علي الفرقة الواقفيّة:

1 - أبو عمرو الكشّيّ: ... محمّد بن الفضيل، قال: قلت للرضا (عليه السلام): جعلت فداك، ما حال قوم قد وقفوا علي أبيك موسي (عليه السلام)؟

 

فقال: لعنهم اللّه، ما أشدّ كذبهم! ...

محمّد بن عاصم، قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: يا محمّد بن عاصم! بلغني أنّك تجالس الواقفة!

فقلت: نعم، جعلت فداك، أُجالسهم وأنا مخالف لهم.

قال (عليه السلام): لاتجالسهم ... ([18])

محمّد بن أبي عمير، عن رجل من أصحابنا، قال: قلت للرضا (عليه السلام): جعلت فداك، قوم قد وقفوا علي أبيك، يزعمون أنّه لم يمت!

 

قال: قال (عليه السلام): كذبوا، وهم كفّار بما أنزل اللّه عزّ وجلّ علي محمّد (صلي الله عليه وآله وسلم) .

عمر بن فرات، قال: سألت أباالحسن الرضا (عليه السلام) عن الواقفة؟ قال (عليه السلام): يعيشون حياري، ويموتون زنادقة ... ([19])

وعن إبراهيم بن أبي البلاد، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، قال: ذكرت الممطورة  وشكّهم؟

فقال (عليه السلام): يعيشون ما عاشوا علي شكّ، ثمّ يموتون زنادقة ([20]).

ووردت فيهم الروايات الذامة لخطورتهم على المذهب منها

أنّهم ليسوا من الشيعة:

النهي عن مجالستهم:

أنّهم أهل النار:

أنّهم كفّار بما أنزل اللّه عزّ وجلّ:

أنّهم المكذّبون برسول اللّه d والأئمّة ^ .

والامام الرضا شمس الشموس × استطاع بنور شمسه ان يحافظ عى هوية المذهب بحكمته.

وهناك أمور أخرى يستطيع الباحث مطالعتها من خلال الاحداث التي حدثت في زمانه تدل بوضوح على شموسية الأمام الرضا × اعرضنا عنها خوفا من الاطالة.

 

 

الامام المهدي # شَمسَ الشُّموسِ

وقد ورد في زيارة الامام المهدي # (السَّلامُ عَلَيکَ يا بَقِيَّةَ اللّهِ في أرضِهِ وَبِلادِهِ، وَحُجَّتَهُ عَليا عِبادِهِ.السَّلامُ عَلَيکَ يا خَلَفَ السَّلَفِ، السَّلامُ عَلَيکَ يا صاحِبَ الشَّرَفِ.

الى ان يقول ..السَّلامُ عَلَيکَ يا شَمسَ الشُّموسِ، السَّلامُ عَلَيکَ يا مَهدِيَّ الأرضِ وَعَينَ الفَرضِ، السَّلامُ عَلَيکَ يا مَولاي يا صاحِبَ الزَّمانِ، وَالعاليَ الشَّأنِ السَّلامُ عَلَيکَ يا خاتَمَ الأوصِياءِ، وَابنَ خاتَمِ الأنبِياءِ، السَّلامُ عَلَيکَ يا مُعِزَّ الأولِياءِ، وَمُذِلَّ الأعداءِ([21]).

وفي الأمالي للصدوق بسنده عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (لم تخلو الأرض منذ خلق الله تعالى آدم من حجة لله فيها ظاهرٌ مشهور أو غائب مستور ولا تخلو إلى أن تقوم الساعة من حجة لله فيها ولولاهُ لم يُعبد الله، فقلتُ للصادق (عليه السلام): فكيف ينتفع الناس بالحجة الغائب المستور؟ قال: كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب) ([22]).

وفي الاحتجاج ورد توقيع من الناحية المقدسة على يد السفير محمد بن عثمان وفيه (وأما الانتفاع بي في غيبتي فكالإنتفاع بالشمس إذا غيّبها عن الأبصار السحاب وإني لأمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء فاغلقوا أبواب السؤال عمّا لا يعنيكم) ([23]).

ولا يخفى انّ للشمس علوّاً وارتفاعاً وانفراداً ونوراً وشعاعاً يهتدي به الناس في أمور دنياهم وله تأثير ودخالة في العناصر والمركّبات والقهر والغلبة، بل على باقي الكواكب النيّرة ايضاً، بل يدّعي البعض انّ جميع نور الكواكب من الشمس، وأقاموا لذلك البرهان، وأتم وأكمل جميع هذه الصفات والخصائص وزيادتها بوجود امام العصر عليه السلام بتربية العقول والأرواح والنفوس والدين والايمان والصفات الحسنة، وانّه السبب للحياة الخالدة والوصول إلى المقام الانساني.

ووجه تشبيه وجوده المقدّس بالشمس إذا جللها السحاب، قيل فيه عدّة وجوه:

الأول:انّ نور الوجود والعلم والهداية وسائر الفيوضات والكمالات والخيرات تصل إلى الخلق ببركته عليه السلام، وببركة الشفاعة وبالتوسّل به عليه السلام تظهر الحقائق والمعارف لأوليائه، وتنكشف البلايا والفتن عنهم، كما يقول الله تعالى في الحجة بكل عصر{وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبهمْ وَأَنْتَ فِيهم} ([24]).

فقانون الله تعالى أن لا يعذّب الخلق وأنت الرحمة للعالمين فيهم، وقد جاء متواتراً عنه صلى الله عليه وآله وسلّم انّه قال:" أهل بيتي أمان لأهل الأرض كما انّ النجوم أمان لأهل السماء " ([25]).

وكلّ من تنوّر قلبه ولو بقليل من نور الايمان يعلّم انّه إذا انسدّت أبواب الفرج على أحد ولا يعرف طريقاً له، أو اشتبه عليه مطلب دقيق أو مسألة غامضة، فانّه عندما يتوسّل به عليه السلام وبأدنى توسّل تنفتح أبواب الرحمة والهداية.

الثاني: كما انّ الشمس المحجوبة بالسحاب مع انتفاع الناس بضوئها فهم ينتظرون في كلّ آن رفع السحاب وانكشاف الحجاب، فكذلك المخلصون والمؤمنون الموقنون ينتظرون الفرج دائماً في أيام غيبته، ولا ييأسون، ويحصلون بذلك الانتظار على ثواب عظيم.

الثالث:

انّ منكر وجوده عليه السلام مع انّ أنوار امامته ساطعة وظهور آثار ولايته كالمنكر لوجود الشمس إذا حجبت بالسحاب.

الرابع:

قد تكون غيبة الشمس بالسحاب أحياناً أصلح للعباد وانفع، فكذلك قد تكون غيبته عليه السلام مع الانتفاع بالآثار، أو قد تكون أصلح لكثير من ظهوره عليه السلام.

روى الشيخ الصدوق في كمال الدين عن عمّار الساباطي انّه قال:

قلت لأبي عبد الله عليه السلام: العبادة مع الامام منكم المستتر في دولة الباطل أفضل، أم العبادة في ظهور الحقّ ودولته مع الامام الظاهر منكم؟ فقال: يا عمّار الصدقة والله في السّر [في دولة الباطل] أفضل من الصدقة في العلانية، وكذلك عبادتكم في السّر مع امامكم المستتر في دولة الباطل أفضل لخوفكم من عدوّكم في دولة الباطل وحال الهدنة ممّن يعبد الله عزوجل في ظهور الحقّ مع الامام الظاهر في دولة الحق، وليس العبادة مع الخوف وفي دولة الباطل مثل العبادة مع الأمن في دولة الحق، اعلموا انّ من صلّى منكم صلاة فريضة واحداناً مستتراً بها من عدوّ في وقتها فأتمّها كتب الله عزوجل له بها خمساً وعشرين صلاة فريضة وحدانيّة، ومن صلّى منكم صلاة نافلة في وقتها فأتمّها كتب الله عزوجل له بها عشر صلوات نوافل، ومن عمل منكم حسنة كتب الله له بها عشرين حسنة، ويضاعف الله حسنات المؤمن منكم إذا أحسن أعماله ودان الله عزوجل بالتقيّة على دينه وعلى امامه وعلى نفسه وأمسك من لسانه أضعافاً مضاعفة كثيرة، انّ الله عزوجل كريم.

قال: فقلت: جعلت فداك قد رغبتني في العمل وحثثتني عليه، ولكنّي اُحبّ أن أعلم كيف صرنا اليوم أفضل أعمالا من أصحاب الامام منكم الظاهر في دولة الحق، ونحن وهم على دين واحد وهو دين الله عزوجل؟ فقال: انكم سبقتموهم إلى الدّخول في دين الله عزوجل وإلى الصلاة والصوم والحجّ وإلى كلّ فقه وخير وإلى عبادة الله سرّاً مع عدوّكم مع الامام المستتر مطيعون له، صابرون معه، منتظرون لدولة الحق، خائفون على امامكم وأنفسكم من الملوك، تنظرون إلى حقّ امامكم وحقّكم في أيدي الظلمة قد منعوكم ذلك واضطرّوكم إلى حرث الدّنيا وطلب المعاش مع الصبر على دينكم وعبادتكم وطاعة امامكم والخوف من عدوّكم، فبذلك ضاعف الله أعمالكم، فهنيئاً لكم هنيئاً.

قال: فقلت له: جعلت فداك فما نتمنّى إذن أن نكون من أصحاب الامام القائم في ظهور الحق ونحن اليوم في امامتك وطاعتك أفضل أعمالا من أعمال أصحاب دولة الحقّ؟

فقال سبحان الله: أما تحبّون أن يظهر الله عزوجل الحقّ والعدل في البلاد، ويحسن حال عامّة العباد، ويجمع الله الكلمة ويؤلّف بين قلوب مختلفة ولا يعصى الله عزوجل في أرضه، ويقام حدود الله في خلقه، ويردّ الله الحقّ إلى أهله فيظهروه حتّى لا يستخفي بشيء من الحقّ مخافة أحد من الخلق، أما والله يا عمّار! لا يموت منكم ميّت على الحال التي أنتم عليها الّا كان أفضل عند الله عزوجل من كثير ممّن شهد بدراً واُحداً فأبشروا ([26]).

 

الخامس من وجوه التشبيه:

انّه لا يمكن النظر إلى قرص الشمس لأكثر العيون وقد يكون سبباً لعمى عين الناظر إليها، أو ظلمتها وعتمتها، فكذلك النظر إلى شمس جماله الذي لا نظير له قد يكون سبباً إلى عمى بصيرة الناظر، كما هو حال كثير من الناس فانّهم كانوا يؤمنون بالأنبياء عليهم السلام قبل بعثتهم، ولكنّهم ينكرون عليهم بعد البعثة لبعض الأسباب والأهداف الفاسدة مثل قلّة الجاه والاعتبار، ورفع اليد عن الرئاسة الظاهريّة التي كانت لهم ككثير من يهود المدينة.

وليس بعيداً أن يكون كذلك الكثير من أتباع الدنيا من الشيعة، بل نُقِلَ عن بعض العلماء انّه كان يتمنى أن يموت قبل الظهور خوف الامتحان والاختبار الذي في ذلك الزمان والسقوط في حبال الشيطان نعوذ بالله منه.

 

السادس: انّه في النهار الغائم قد يرى بعض الناس الشمس من فرجات السحاب ولا يراها البعض الآخر، فكذلك هو عليه السلام في أيّام الغيبة فمن الممكن أن يصل بعض شيعته إلى خدمته عليه السلام، ولا يصل إليه البعض الآخر كما تقدم ذلك مفصلا في الأبواب السابقة.

السابع:

انّه عليه السلام مثل الشمس في وصول عموم النفع إلى كلّ شيء بحسب قابليّته وتقبل ذلك الشيء وسؤاله بلسان الحال أو المقال، وعدم ارادة الأجر والجزاء حتى بمعرفة نسبة ذلك الخير إليه، بل يجحده وينكره، وينسبه الى الغير.

ولا تتضرّر عصمته وجلاله من هذا الانكار ولا يصدّ عن السيرة المرضيّة وافاضة الخير كالمنكر الذي ينكر وجود نفع من الشمس المحجوبة بالسحاب، فانّ ذلك لا يضرّها ولا تترك رعايته.

الثامن:

انّه مثل شعاع الشمس يدخل في البيوت بقدر ما فيها من الفجوات والفرجات، وينتفع صاحب البيت من هذا الشعاع بمقدار ما يعده من الطرق لهذا الشعاع ورفعه لموانعه، وكذلك الخلق انّما ينتفعون بأنوار هدايته عليه السلام وعلمه بقدر ما يرفعونه من أنفسهم من الحجب والأستار والأقفال التي على قلوبهم من الشهوات والشبهات والمعاصي التي بها تعمى البصيرة ويصمّ أذن القلب، فلو انّ العالم امتلأ نوراً فانّه لا يرى شيئاً، ولو تكلّم جميع المقدّسين فانّه لا يسمع شيئاً.

وقد أشار إلى هذه الوجوه جميعها العلامة المجلسي رحمه الله في البحار.ولا يخفى: انّ المقصود من الماء المعين في الآية الشريفة{اِن أصْبَحَ مَاؤُكُمْ غوراً فَمَنْ يَأتِيكُمْ بِمَاء معِين} ([27]).

هو عليه السلام. وكما انّ السبب الظاهري لحياة كلّ شيء من الانسان والحيوان والنبات والجماد والأجسام العلويّة والسفليّة بنصّ الآية المباركة ([28]) والتصاق بعض الأجزاء بالبعض الآخر، وبقاء تركيبها ومزاجها هو الماء، والسبب الباطني لحياة كلّ شيء لابدّ وأن يكون بنحو أعلى وأتمّ وأكمل وأشرف الوجود وهو الامام عليه السلام.

ولا يمكن للشمس بدون ماء أن تنمّي شيئاً، فهي محتاجة إليه، ووجوده المقدّس غير محتاج إلى الغير في التربية والتكميل وافاضة الخير، وانّه يفعل بالعقول والنفوس والأرواح ما يفعله الاثنان بالجسمانيّات.

وبالجملة: فلا نجاة ولا مفزع ولا ملاذ ولا كهف للعباد الّا وجوده المعظّم عليه السلام وآباؤه الأكرمون، كما قال هو عليه السلام في زيارة وجوده الأقدس التي أمرنا بقراءتها{فلا نجاة ولا مفزغ الّا أنتم}.

ويجب على كلّ انسان أن يوصل نفسه بالوسيلة التي توصله إلى هناك، وهذه الوسيلة هي البكاء والنحيب، والأنين، والاضطراب، وقراءة ما في الزيارة، والتضرّع، والمسألة، بل العمدة هو الخروج من الحالة والصفات والأفعال المكروهة عند طبعه الشريف، ومعرفة واطاعة الأشياء المحبوبة والمرضيّة عنده، وهي ليست الّا مكروهات ومحبوبات الله تعالى ورسوله الأكرم صلى الله عليه وآله وسلّم وأكثرها مفصلة ومبيّنة في الكتاب والسنّة، بل انّ جملة منها من الوضوح بمقدار بحيث وصلت إلى حدّ الضرورة.

ومن بعد ذلك حمل همّه عليه السلام فانّ الأصل من هدف بعثته كباقي الحجج عليهم السلام هو تكميل الدين، وتعليم الشرائع، وارجاع العاصين والمتمرّدين إلى مولاهم الحقيقي، وتوضيح الطريق للتائهين في وادي الضلالة، فانّ اكثر همهم في ذلك وقد تحمّلوا بسببه كلّ المصائب والمحن لذلك.

وهناك بيانات كثيرة في المقام اعرضنا عنها هنا وذكرناها في بعض كتبنا المهدوية.



[1] / العلامة المجلسي ... الجزء: 1 صفحة: 403.

[2] / المصباح -الكفعمي- ص 719.

[3] / حياة الإمام الرضا (ع) / الشيخ باقر شريف القرشي  ج ١.

[4] / الغيبة للنعماني ج1ص225.

[5] / عيون أخبار الرضا (× ) - الشيخ الصدوق - ج ٢ - الصفحة ١٤٠

[6] / التوحيد: 270 / 6.

[7] / الكافي 1: 88 / 2، بحار الأنوار 49: 104 / 31.

[8] / مناقب ابن شهرآشوب 4: 351.

[9] / البقرة: 260.

[10][10] / الأعراف: 155.

[11] / البقرة: 55.

[12] / الأعراف: 155.

[13] / مناقب ابن شهرآشوب 4: 352.

[14] / التوحيد: 250 / 3.

[15] / عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 230 / 1.

[16] / المناقب 4: 353 - 354، بحار الأنوار 6: 111 / 6.

[17] / اختيار معرفة الرجال : 2 / 760 . 5.

[18] / بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٤٨ - الصفحة ٢٦٤.

[19] / اختيار معرفة الرجال - الشيخ الطوسي - ج ٢ - الصفحة ٧٥٩.

[20] / اختيار معرفة الرجال - الشيخ الطوسي - ج ٢ - الصفحة ٧٦٢.

[21] / موسوعه زيارات المعصومين عليهم السلام تاليف موسسه الامام الهادي × ص 274.

[22] / الأمالي - الشيخ الصدوق - الصفحة (253).

[23] / بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج (53) - الصفحة (181).

[24] / الآية 33 من سورة الأنفال.

[25] / راجع التوقيع الشريف الذي خرج من الناحية المقدّسة عليه السلام ـ الاحتجاج: ج 2، ص 284 بقوله: " وانّي لأمان لأهل الأرض كما انّ النجوم أمان لأهل السماء ".

[26] / كمال الدين (الصدوق): ج 2، ص 646 ـ 647.

[27] / سورة الملك30.

[28] / وهي قوله تعالى: " وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلّ شَىْء حَىّ " ـ من الآية 30 من سورة الأنبياء.


تعليقات