القائمة الرئيسية

الصفحات

دراسة تحليلية في المكارم التسعين في كتاب مكيال المكارم المكرمة العاشرة

 





المتن المكرمة العاشرة

المكرمة العاشرة: دعاء مولانا صاحب الزمان في حق الداعي له بالفرج والنصر

- ويدل على ذلك، مضافا إلى أنه مقتضى شكر الإحسان، الذي هو أولى به من كل إنسان قوله صلوات الله عليه في حجابه المروي في مهج الدعوات(مهج الدعوات: ٣٥٢، بحار الأنوار: ٩١ / ٣٧٨.) بعد الدعاء لتعجيل فرجه ما لفظه: واجعل من يتبعني لنصرة دينك مؤيدين، وفي سبيلك مجاهدين وعلى من أرادني وأرادهم بسوء منصورين الخ.

إذ لا ريب في أن الدعاء له وبتعجيل فرجه اتباع ونصرة له، فإن من أقسام النصرة للإيمان ولمولانا صاحب الزمان النصرة باللسان، والدعاء له من أقسام النصرة اللسانية، كما لا يخفى.

- ويدل على المطلوب أيضا ما ذكره علي بن إبراهيم(تفسير القمي: ١ / ١٣٣.) القمي في تفسير قوله تعالى:﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾( سورة النساء: ٨٦.) فإذا دعا المؤمن لمولاه (عليه السلام) بخالص الدعاء كافأه مولاه أيضا بخالص الدعاء ودعاؤه مفتاح كل خير ومقلاع كل ضير.

- ويشهد لذلك ويؤيده ما رواه القطب الراوندي (ره) في الخرائج(الخرائج والجرائح: ١ / ٣٩٢.) قال: حدث جماعة من أهل أصفهان، منهم أبو العباس أحمد بن النصر وأبو جعفر محمد بن علوية قالوا:

كان بأصفهان رجل يقال له عبد الرحمن، وكان شيعيا قيل له: ما السبب الذي أوجب عليك القول بإمامة علي النقي (عليه السلام) دون غيره من أهل الزمان قال: شاهدت ما أوجب ذلك علي وهو أني كنت رجلا فقيرا، وكان لي لسان وجرأة فأخرجني أهل أصفهان سنة من السنين، فخرجت مع قوم آخرين إلى باب المتوكل متظلمين، فبينا نحن بالباب إذ خرج الأمر بإحضار علي بن محمد بن الرضا (عليهم السلام)، فقلت لبعض من حضر من هذا الرجل الذي قد أمر بإحضاره؟

فقيل: هو رجل علوي، تقول الرافضة بإمامته.

ثم قال: وقدرت أن المتوكل يحضره للقتل فقلت: لا أبرح من ههنا حتى أنظر إلى هذا الرجل، أي رجل هو! قال: فأقبل على فرس وقد قام الناس يمنة الطريق ويسرتها صفين، ينظرون إليه فلما رأيته وقع حبه في قلبي، فصرت أدعو له في نفسي بأن يدفع الله عنه شر المتوكل، فأقبل يسير بين الناس وهو ينظر إلى عرف دابته، لا ينظر يمنة ولا يسرة، وأنا أكرر في نفسي الدعاء له.

فلما صار بإزائي أقبل بوجهه علي، ثم قال استجاب الله دعاءك، وطول عمرك، وكثر مالك وولدك فارتعدت من هيبته ووقعت بين أصحابي. فسألوني: ما شأنك؟ فقلت: خيرا، ولم أخبر بذلك مخلوقا، ثم انصرفنا بعد ذلك إلى أصفهان ففتح الله علي بدعائه وجوها من المال، حتى أنا اليوم أغلق بابي على ما قيمته ألف ألف درهم، سوى مالي خارج داري، ورزقت عشرة من الأولاد، وقد مضى لي من العمر نيفا وسبعين سنة وأنا أقول بإمامة ذلك الرجل، الذي علم ما كان في نفسي، واستجاب الله دعاءه في أمري.

أقول: فانظر أيها العاقل، كيف كافى مولانا الهادي (عليه السلام) دعاء ذلك الرجل بسبب الإحسان ذلك بأن دعا له بما عرفت مع كونه خارجا حينئذ عن زمرة أهل الإيمان. أفترى من نفسك في حق مولانا صاحب الزمان، أن لا يذكرك بدعاء الخير إذا دعوت له، مع كونك من أهل الإيمان! لا والذي خلق الإنس والجان بل هو يدعو لأهل الإيمان وإن كانوا غافلين عن هذا الشأن، لأنه ولي الإحسان، وحسبك للدليل والبرهان ما ذكرناه في الباب الرابع، في حرف الدال وفيه كفاية لأهل الإقبال.

ومما يؤيد ما ذكرناه في هذا المقام ما ذكره بعض إخواني الصالحين الكرام أنه رأى الإمام (عليه السلام) في المنام فقال (عليه السلام) له إني أدعو لكل مؤمن يدعو لي بعد ذكر مصائب سيد الشهداء في مجالس العزاء، نسأل الله التوفيق لذلك إنه سميع الدعاء.

بيان المكرمة العاشرة

الدعاء للإمام يستنزل دعاء الإمام للداعي

من أعظم ما يبعث الشوق إلى الدعاء للإمام المهدي عليه السلام أن المؤمن لا يكون فيه داعيًا فقط، بل يصبح مدعوًّا له. فهو يرفع يديه إلى الله سائلًا تعجيل فرج إمامه، فيقابله الإمام برفع يديه داعيًا لذلك المؤمن بالخير والرحمة والتوفيق.

وهذه المكرمة تكشف عن حقيقة جليلة، وهي أن العلاقة بين الإمام وشيعته ليست علاقة أحادية الاتجاه، وإنما هي علاقة متبادلة؛ كما يتوجه المؤمن إلى إمامه بالمحبة والدعاء، فإن الإمام يتوجه إلى شيعته بالرعاية والدعاء.

أولًا: الدعاء يولد دعاءً

منهج الميرزا في هذه المكرمة قائم على قانون أخلاقي رفيع، وهو أن الإحسان يقابل بالإحسان.

فإذا كان عامة الناس يشكر بعضهم بعضًا على المعروف، فكيف بولي الله الأعظم، الذي هو معدن الكرم، وينبوع الرحمة، ومظهر أخلاق النبوة؟

فمن دعا للإمام، لم يذهب دعاؤه في طريق لا عودة فيه، بل عاد إليه من الإمام نفسه في صورة دعاء مبارك وهذا هو أسمى أنواع المكافأة.

ثانيًا: الإمام لا ينسى من ذكره

من أعظم ما يورثه هذا المعنى في القلب أن المؤمن يشعر بأنه ليس مجهولًا عند إمامه فرب كلمة يقولها في خلوته:«اللهم عجل لوليك الفرج»تكون سببًا لأن يذكره الإمام في دعائه.وهذا يبدل نظرة الإنسان إلى الدعاء؛ فلا يعود يراه عملًا يخرجه من لسانه، بل يراه بابًا يدخل به إلى عناية الإمام.

ثالثًا: لماذا يدعو الإمام للداعي؟

ليس لأن الإمام محتاج إلى دعاء الناس، بل لأن الإمام مربٍ لأمته فهو يقابل الإحسان بالإحسان، ويعلم المؤمنين أن طريق القرب منه لا يضيع ومن هنا كانت مكافأته للداعي بالدعاء لونًا من ألوان التربية على الإخلاص والوفاء.

رابعًا: دعاء الإمام ليس كدعاء غيره

قد يدعو لك صالح من الصالحين، فتفرح بدعائه فكيف إذا كان الداعي هو الإمام المعصوم، الذي لا يسأل إلا ما يرضي الله، ولا يدعو إلا بما فيه الخير لعباده؟

إن دعاء الإمام يمتاز بأنه صادر من قلب معصوم، ولسان طاهر، ونفس اصطفاها الله لحمل حجته ومن هنا كان دعاؤه من أعظم ما يرجوه المؤمن.

خامسًا: الدعاء يفتح باب العناية الخاصة

الإمام راعٍ لجميع المؤمنين، يدعو لهم، ويرعى شؤونهم بإذن الله ولكن بعض الأعمال تجعل المؤمن أقرب إلى هذه العناية الخاصة ومن هذه الأعمال الدعاء للإمام نفسه.

فإذا اهتم المؤمن بقضية إمامه، كان من المناسب أن يلتفت الإمام إليه بعناية خاصة، ويدعو له بالخير والبركة والثبات وهذا لا يعني اختصاص الإمام بفئة دون أخرى، وإنما يدل على أن الأعمال الصادقة تستجلب مزيدًا من عنايته.

سادسًا: الدعاء يصنع علاقة متبادلة

في كثير من العبادات يكون الإنسان طالبًا أما هنا فهو طالب ومطلوب داعٍ ومدعوٌّ له يذكر الإمام، فيذكره الإمام يدعو للإمام، فيدعو له الإمام وهذه من أرقى صور الارتباط الروحي بين الحجة وأتباعه فليست العلاقة علاقة معرفة نظرية، بل علاقة حياة متبادلة.

 

 

سابعًا: قصة الإمام الهادي عليه السلام شاهد على القاعدة

استشهد الميرزا بقصة الرجل الذي دعا للإمام الهادي عليه السلام في قلبه، فكافأه الإمام بالدعاء، فاستجاب الله دعاء الإمام، وانقلبت حياة ذلك الرجل إلى خير وسعة وليس المقصود من القصة مجرد بيان كرامة للإمام، بل ترسيخ قاعدة تربوية، وهي أن أهل البيت عليهم السلام لا ينسون من أحسن إليهم، ولو كان إحسانه دعاءً صامتًا لم يسمعه أحد من الناس.

فإذا كان الإمام الهادي عليه السلام قد دعا لرجل لم يكن يومئذ من خاصة المؤمنين، فكيف بمن عرف إمام زمانه، وداوم على الدعاء له مخلصًا؟

ثامنًا: الدعاء يورث الطمأنينة

حين يعلم المؤمن أن إمامه يدعو له، يزول عنه شعور الوحدة ويشعر أن له في السماء من يذكره، وفي الأرض حجةً يرعاه وهذا المعنى من أعظم ما يبعث السكينة في زمن الغيبة، لأن الغيبة لا تعني انقطاع الرعاية، وإنما تعني احتجاب الرؤية، أما العناية فباقية، والدعاء من الإمام لعباد الله المؤمنين شاهد عليها.

تاسعًا: من دعاء الإمام إلى بناء الإنسان المنتظر

إذا أيقن المؤمن أن دعاءه للإمام يقابله دعاء من الإمام له، ازداد حرصًا على دوام هذه الصلة فلا يقتصر دعاؤه على المناسبات، بل يجعله وردًا ثابتًا في يومه وليلته.

وهكذا يتحول الدعاء من عمل موسمي إلى برنامج دائم، ومن أمنية عابرة إلى أسلوب حياة، وبذلك تتحقق الغاية التربوية التي يريدها الميرزا، وهي بناء الإنسان المنتظر من خلال دوام الارتباط بالإمام.

النتيجة

تكشف هذه المكرمة عن قانون ولائي بديع، وهو أن **الدعاء للإمام لا يقف أثره عند صعود دعاء المؤمن إلى الله، بل يعود إليه في صورة دعاء الإمام له**. وهذه المكافأة ليست مجرد جزاء على عمل، وإنما هي مظهر من مظاهر الرعاية المتبادلة بين الحجة وأوليائه. فكلما ازداد المؤمن اهتمامًا بإمامه، ازداد نصيبه من عنايته، وإذا كان الدعاء جسرًا يصل العبد بالإمام، فإن دعاء الإمام هو الجسر الذي تتنزل عبره بركات الله ورحماته على عبده.

وهذا يضيف بُعدًا جديدًا إلى الهندسة المعرفية للدعاء؛ إذ إن الدعاء لا يصنع علاقة صاعدة من العبد إلى الإمام فحسب، بل يفتح أيضًا علاقة نازلة من الإمام إلى العبد، فيعيش المؤمن في دائرة من الذكر المتبادل، والدعاء المتبادل، والرعاية المتبادلة، حتى يشعر أن إمام زمانه حاضرٌ في حياته، يذكره كما يذكره هو، ويدعو له كما يدعو هو لإمامه.


تعليقات