المتن المكرمة التاسعة
المكرمة التاسعة: أنه تعظيم لله
وتعظيم لدين الله وتعظيم لرسول الله (عليهم السلام)
أما كونه تعظيما فقد أوضحناه في ذكر المكرمة الثانية
، وأما كونه تعظيما لله فهو مما لا يحتاج إلى بيان لأن تعظيم كل مؤمن لمحض الإيمان، ليس إلا لتعظيم الخالق المنان.
وأما حسن تعظيم دين الله، فمن
البديهيات عند ذوي العقول، فلا نحتاج إلى ذكر خبر منقول، مع أنه قد شرع كثير من
الواجبات والسنن لأجل هذا الأمر الحسن، كالأغسال المسنونة، وصلاة التحية والطهارة
لدخول المساجد وقراءة القرآن وغيرها مما لا يحتاج إلى البيان.
ويعجبني هنا نقل حكاية لطيفة فيها
موعظة شريفة، ذكرها يناسب المقام ويكون تنبيها لأولي الأفهام، من كتاب إعلام
الناس، بما جرى للبرامكة مع بني العباس، حكى محمد بن يزيد المبرد قال: كان أبو
عثمان المازني، جاء إليه يهودي وسأله أن يقرأه كتاب سيبويه وبذل له مائة دينار،
فامتنع أبو عثمان من ذلك فقلت له سبحان الله ترد مائة دينار مع فاقتك وحاجتك إلى
درهم واحد؟ فقال: نعم يا أبا العباس، اعلم أن كتاب سيبويه يشتمل على ثلاثمائة آية
من كتاب الله، ولم أرد أن أمكن منها كافرا، فسكت ولم يتكلم.
قال المبرد فما مضت إلا أيام، حتى
جلس الواثق يوما للشرب، وحضر عنده ندماؤه، فغنت جارية في المجلس هذا الشعر:
أظلوم إن مصابكم رجلا * أهدى السلام
تحية ظلم
فنصبت (رجلا) فلحنها بعض الحاضرين من
الندماء، وقال: الصواب الرفع لأنه خبر أن، فقالت الجارية ما حفظته من معلمي إلا
هكذا ثم وقع النزاع بين الجماعة فمن قائل الصواب معه، ومن قائل الصواب معها.
فقال الواثق: من بالعراق من أهل
العربية ممن يرجع إليه فقالوا بالبصرة أبو عثمان المازني، وهو اليوم واحد عصره في
هذا العلم.
فقال الواثق اكتبوا إلى والينا
بالبصرة يسيره إلينا معظما مبجلا. فما كان إلا أيام حتى وصل الكتاب إلى البصرة
فأمر الوالي أبا عثمان بالتوجه، وسيره على بغال البريد، فلما وصل دخل على الواثق
فرفع مجلسه، وزاد في إكرامه، وعرض عليه البيت فقال: الصواب مع الجارية ولا يجوز في
رجل غير النصب لأن (مصاب) مصدر بمعنى الإصابة، ورجلا منصوب به والمعنى إن أصابتكم
رجلا أهدى السلام تحية ظلم فظلم خبر (إن)، ولا يتم الكلام إلا به، ففهم الواثق
كلام أبي عثمان وعلم أن الحق ما قالته، وأعجب به، وانقطع الرجل الذي أنكر على
الجارية.
ثم أمر الواثق لأبي عثمان المازني
بألف دينار، وأتحفه بتحف وهدايا كثيرة لأهله، ووهبت له الجارية جملة أخرى ثم سيره
إلى بلده مكرما فلما وصل جاء المبرد فقال له أبو عثمان: كيف رأيت يا أبا العباس!
تركت لله مائة، فعوضني ألفا.
أقول: ترك المائة تعظيما للقرآن،
وتعظيم القرآن تعظيم الخالق المنان، فافهم أيها الإنسان واجهد في تعظيمه وتعظيم
صاحب الزمان، فإنه عدل القرآن وشريكه في كل عنوان.
فإن القرآن حبل الله المتين.
والقائم (عليه السلام) حبل الله
المتين.
القرآن: أعطاه الله النبي في قبال
جميع ما أعطاه أهل الدنيا.
والقائم (عليه السلام) كذلك.
القرآن: قال الله تعالى في حقه ﴿إنا
نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾( سورة الحجر: ٩.) وكذلك القائم (عليه السلام).
القرآن: فيه تبيان كل شيء.
القرآن: أنزله الله ليخرجهم من
الظلمات إلى النور.
القائم (عليه السلام): يظهره الله
ليخرجهم من الظلمات إلى النور ظاهرا وباطنا.
القرآن التام غائب عن أهل العالم.
صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه
غائب عن أهل العالم.
بالقرآن تبلى السرائر.
بظهور القائم عليه الصلاة والسلام
تبلى السرائر.
القرآن: شفاء للمؤمنين.
القائم (عليه السلام): شفاء
للمؤمنين.
القرآن: لا يزيد الظالمين إلا
خسارا(سورة الإسراء: ٨٢.) وطغيانا وكفرا.
وكذلك القائم (عليه السلام).
القرآن(سورة الأنعام: ١٥٤.): هدى
ورحمة لقوم ونقمة وبوار لقوم آخرين.
وكذلك القائم (عليه السلام).
القرآن: حجة باقية.
القائم (عليه السلام) حجة باقية.
القرآن: منع الله عنه مس الأيدي
النجسة.
القائم (عليه السلام) منع الله عنه
مس الأيدي النجسة.
القرآن: من أقر به أقر بجميع الكتب
المنزلة، ومن لم يقر به لم ينفعه الإقرار بغيره من الكتب.
القائم (عليه السلام): من أقر به أقر
بجميع الأئمة ومن لم يقر به لم ينفعه الإقرار بغيره من الأئمة.
القرآن: يشفع لقارئيه يوم القيامة.
القائم (عليه السلام): يشفع لتابعيه
يوم القيامة.
هذا وسيأتي ذكر ذلك في خاتمة الكتاب
بأوضح بيان والله المستعان وعليه الاتكال.
بيان المكرمة التاسعة
الدعاء
تعظيمٌ لله ولدينه ولحجته
ليست جميع العبادات سواءً في جهة
التعظيم؛ فبعضها يعظم الله مباشرة، وبعضها يعظم شعائره، وبعضها يعظم أولياءه الذين
أمر بتعظيمهم. والدعاء بتعجيل فرج الإمام المهدي عليه السلام يجمع هذه الجهات
كلها؛ فهو تعظيم لله؛ لأنه امتثال لأمره، وتعظيم لدينه؛ لأنه دعاء لقيام دولته،
وتعظيم لرسوله؛ لأنه دعاء بتحقق غاية رسالته، وتعظيم للإمام؛ لأنه اعتراف بمقامه
وحقه.
ولهذا جعل الميرزا الأصفهاني هذه
المكرمة من المكارم العظمى؛ لأنها تكشف أن الدعاء ليس مجرد طلب، بل هو موقف تعظيم.
أولًا: لماذا جعل
الميرزا التعظيم مكرمة مستقلة؟
قد يقال: إن التعظيم داخل في سائر
المكارم ولكن الميرزا أفرده بالذكر؛ لأن قيمة العمل عند الله لا تقاس بصورته، بل
بما يتضمنه من تعظيم لله تعالى.
فقد يكون العمل صغيرًا في صورته،
لكنه عظيم لأنه يجسد تعظيمًا لله.
ومن هنا قال تعالى:﴿ومن يعظم شعائر
الله فإنها من تقوى القلوب﴾.فالتعظيم حالة قلبية قبل أن يكون سلوكًا ظاهريًا.
الدعاء للإمام في حقيقته تعظيم لله؛
لأن المؤمن عندما يدعو بتعجيل الفرج، فإنه يعترف بأن تدبير هذا الأمر بيد الله
وحده فهو لا يتوجه إلى الأسباب، وإنما يتوجه إلى مسبب الأسباب.
وفي الوقت نفسه يعترف بأن الإمام
منصوب من قبل الله، وأن ظهوره وعد إلهي، وأن إقامة دولته من شؤون الربوبية في
إدارة العالم فكل هذه المعاني تعود إلى تعظيم الله سبحانه.
الدين لا يقوم بالأحكام وحدها، وإنما
يقوم أيضًا بحفظ قيادته الإلهية ودولة الإمام المهدي عليه السلام هي الظهور الكامل
للدين، كما قال تعالى:﴿ليظهره على الدين كله﴾.
فإذا دعا المؤمن بتعجيل الفرج، فهو
في الحقيقة يدعو لظهور الدين، وانتشار العدل، وانتصار الشريعة.ومن دعا لقيام
الدين، فقد عظّم الدين.
رابعًا:
الدعاء تعظيم لرسول الله صلى الله عليه وآله
إن أعظم أمنيات النبي صلى الله عليه
وآله أن ترى البشرية ثمار الرسالة كاملة وهذه الثمرة الكبرى إنما تتحقق على يد
خاتم الأوصياء.فكل دعاء بتعجيل الفرج هو دعاء بتحقق الغاية التي بعث النبي من
أجلها، ولذلك كان تعظيمًا لرسول الله، وإجلالًا لمشروعه الرسالي.
خامسًا:
تعظيم الإمام من تعظيم الله
وهذه من القواعد الدقيقة التي يريد
الميرزا ترسيخها فالإمام لا يعظم استقلالًا عن الله، وإنما يعظم لأنه منصوب من
قبله.
ولهذا فإن تعظيم الإمام ليس تعظيمًا
لشخصه المجرد، بل تعظيم للمقام الذي جعله الله له.
ومن هنا كان الاستخفاف بالإمام
استخفافًا بأمر الله، وكان تعظيمه تعظيمًا لله.
سادسًا:
لطيفة تشبيه الإمام بالقرآن
من أجمل ما أورده الميرزا في هذه
المكرمة مقارنته بين القرآن الكريم والإمام المهدي عليه السلام.
ولم يكن مقصوده مجرد تعداد أوجه
الشبه، بل أراد أن يقرر قاعدة معرفية، وهي أن القرآن والإمام يشتركان في الوظيفة
الإلهية.
فالقرآن هو الهداية الصامتة، والإمام
هو الهداية الناطقة.
القرآن حجة الله المكتوبة، والإمام
حجة الله المجسدة.
القرآن يقود الأمة بالنص، والإمام
يقودها بالتطبيق.
ومن هنا كان تعظيم أحدهما امتدادًا
لتعظيم الآخر.
سابعًا:
الدعاء إعلان الانتماء إلى مشروع الله
حين يرفع المؤمن يديه ويقول:«اللهم
عجل لوليك الفرج»فهو لا يطلب حدثًا سياسيًا، ولا تحولًا تاريخيًا فحسب بل يعلن أنه
ينتمي إلى المشروع الذي أراده الله للأرض.
فالدعاء هو إعلان ولاء لمشروع العدل
الإلهي، وإعلان براءة من مشاريع الظلم والطغيان ولهذا كان الدعاء لونًا من ألوان
التعظيم العملي لدين الله.
ثامنًا:
التعظيم يصنع الأدب مع الإمام
إذا تحول الدعاء إلى تعظيم، تغيرت
طريقة تعامل المؤمن مع إمامه.
فلا يذكر اسمه إلا بالتوقير ولا يذكر
غيبته إلا بالألم ولا يذكر ظهوره إلا بالشوق ولا يذكر دولته إلا بالرجاء فالتعظيم
ليس مجرد فكرة، بل هو مدرسة في الأدب، تبني في النفس الهيبة والمحبة والخضوع لله
من خلال تعظيم حجته.
تاسعًا:
التعظيم هو روح الانتظار
قد ينتظر الإنسان شيئًا لا يعظمه أما
المنتظر الحقيقي، فإنه يعظم إمامه قبل أن ينتظر ظهوره ولذلك كان الدعاء من أعظم
مظاهر الانتظار؛ لأنه يجمع بين التعظيم، والمحبة، والرجاء، والولاء، في عبادة
واحدة.
تكشف هذه المكرمة عن قاعدة معرفية
رفيعة، وهي أن الدعاء بتعجيل الفرج ليس مجرد سؤال لله، بل هو تعظيم لله ولدينه
ولرسوله ولحجته. فهو إعلان دائم بأن المؤمن يعظم المشروع الإلهي الذي يتمثل في
الإمام المهدي عليه السلام، ويرى أن ظهوره هو كمال ظهور الدين، وتمام ثمار
الرسالة. ومن هنا يصبح الدعاء موقفًا عقديًا قبل أن يكون لفظًا تعبديًا، وتربيةً
على تعظيم المقدسات قبل أن يكون طلبًا لتعجيل الفرج.
وبذلك يضيف الميرزا بُعدًا جديدًا
إلى الهندسة المعرفية للدعاء؛ فالدعاء لا يبني علاقة الإنسان بالإمام فحسب، بل
يعيد تشكيل سلّم التعظيم في قلبه، فيجعل الله أول المعظَّمين، ودينه أعظم
المشاريع، ورسوله أكمل القدوات، والإمام الامتداد الحي لهذا النور الإلهي، فتتكون
شخصية المنتظر على أساس التعظيم قبل المطالبة، والأدب قبل الطلب، والولاء قبل
الثمرة.

تعليقات
إرسال تعليق