دراسة تحليلية في المكارم التسعين في كتاب مكيال المكارم المكرمة الحادية عشر
المتن المكرمة الحادية عشرة
المكرمة الحادية عشرة: الفوز بشفاعته
صلوات الله عليه في يوم القيامة
وتحقيق المرام في هذا المقام، يستدعي
ذكر أمور:
الأول: في معنى الشفاعة.
الثاني: إثبات الشفاعة.
الثالث: الإشارة إلى الشفعاء يوم
القيامة.
الرابع: من يستحق الشفاعة.
الخامس: كون الدعاء بتعجيل فرج
مولانا صاحب الزمان (عليه السلام) سببا للفوز بشفاعته صلوات الله عليه - فنقول ومن
الله التوفيق.
الأمر الأول: في معنى الشفاعة
المقصودة
وهو أن يطلب الشخص ممن فوقه خيرا لمن
دونه، وذلك الخير إما إسقاط عقاب، أو زيادة ثواب، أو كلاهما، فإن كانت الشفاعة
لأهل الطاعة كان معناه طلب زيادة ثوابهم ورفع درجاتهم، وإن كانت لأهل الإساءة كان
معناه طلب العفو عن زلاتهم وسيئاتهم، وإسقاط عقابهم، أو إسقاط العذاب، والفوز
بالمنافع جميعا وهذا الذي ذكرناه هو الحق في تحقيق معنى الشفاعة.
وقد خالف في ذلك فرقتان: التفضيلية،
والوعيدية على ما حكي عنهما.
فقال الأولون: إنها مختصة بدفع
المضار، وإسقاط العقاب عن مستحقيه من مذنبي المؤمنين، وإليه ذهب جمع من علمائنا.
وقال آخرون: هي في زيادة المنافع
للمطيعين، والتائبين دون العاصين.
وقال المحقق الطوسي(شرح تجريد
الاعتقاد: ٣٣١.) رفع الله تعالى درجته: الحق صدق الشفاعة فيهما أي لزيادة المنافع
وإسقاط المضار، وثبوت الثاني له (عليه السلام) بقوله: ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر
من أمتي إنتهى.
أقول: الحق ثبوت الشفاعة له (عليه
السلام) بكلا القسمين، وسيأتي تحقيق ذلك في الأمر الرابع إن شاء الله تعالى.
الأمر الثاني: في إثبات الشفاعة
المصطلحة
لا ريب في جواز الشفاعة عقلا.
وأما وقوعها فيدل عليه مضافا إلى أنه
من ضروريات المذهب، بل الدين، كما صرح به المجلسي في حق اليقين(حق اليقين: ٢٨٤
طبعة الحيدري.) الكتاب والسنة والإجماع وكل واحد منها كاف لأهل الاستماع.
فمن الآيات قوله تعالى في سورة
البقرة: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾( سورة البقرة: ٢٥٥.).
وفي سورة مريم: ﴿لا يملكون الشفاعة
إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا﴾( سورة مريم: ٧٧.).
وفي سورة طه: ﴿يومئذ لا تنفع الشفاعة
إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا﴾( سورة طه: ١٠٩.).
وفي سورة الأنبياء: ﴿لا يشفعون إلا
لمن ارتضى﴾( سورة الأنبياء: ٢٨.).
وفي سورة سبأ: ﴿ولا تنفع الشفاعة
عنده إلا لمن أذن له﴾( سورة سبأ: ٢٣.).
وأما الأخبار: فهي في حد التواتر
ونحن نكتفي بذكر نبذة مما روي في ثالث البحار(بحار الأنوار: ٨ / ٣٤ باب ٢١ ح ١.).
- فعن النبي (صلى الله عليه وآله)
قال: لكل نبي دعوة قد دعا بها، وقد سأل سؤالا وقد أخبأت دعوتي لشفاعتي لأمتي يوم
القيامة.
- وعنه (صلى الله عليه وآله)( بحار
الأنوار: ٨ / ٣٤ باب ٢١ ح ٢.) قال ثلاثة يشفعون إلى الله (عزَّ وجلَّ): الأنبياء
ثم العلماء ثم الشهداء.
- وعنه (صلى الله عليه وآله)( بحار
الأنوار: ٨ / ٣٤ باب ٢١ ح ٤.) قال: من لم يؤمن بحوضي فلا أورده الله حوضي، ومن لم
يؤمن بشفاعتي، فلا أناله الله شفاعتي، ثم قال (عليه السلام): إنما شفاعتي لأهل
الكبائر من أمتي، فأما المحسنون فما عليهم من سبيل.
أقول: المراد بالشفاعة في هذا الحديث
هو طلب العفو عن المسيء، لا حصر الشفاعة فيه.
- وعنه (عليه السلام) قال: أنا
الشفيع لأمتي إلى ربي.
- وعنه (صلى الله عليه وآله)( بحار
الأنوار: ٨ / ٣٧ باب ٢١ ح ١٢.) إذا قمت المقام المحمود، تشفعت في أصحاب الكبائر من
أمتي، فيشفعني الله فيهم، والله لا تشفعت فيمن آذى ذريتي.
- وفي حديث آخر(المحاسن: ١ / ١٨٣ / ح
١٨٥.) أنه دخل مولى لامرأة علي بن الحسين على أبي جعفر (عليه السلام) يقال له أبو
أيمن فقال: يا أبا جعفر تغرون الناس وتقولون شفاعة محمد شفاعة محمد!
فغضب أبو جعفر (عليه السلام) حتى
تربد وجهه، ثم قال: ويحك يا أبا أيمن، غرك أن عف بطنك وفرجك، أما لو قد رأيت أفزاع
القيامة لقد احتجت إلى شفاعة محمد (صلى الله عليه وآله) ويلك، فهل يشفع إلا لمن
وجبت له النار.
ثم قال: ما أحد من الأولين والآخرين
إلا وهو محتاج إلى شفاعة محمد (صلى الله عليه وآله) يوم القيامة.
ثم قال أبو جعفر (عليه السلام): إن
لرسول الله (صلى الله عليه وآله) الشفاعة في أمته، ولنا شفاعة في شيعتنا، ولشيعتنا
شفاعة في أهليهم ثم قال: وإن المؤمن ليشفع في مثل ربيعة ومضر، وإن المؤمن ليشفع
حتى لخادمه، ويقول: يا رب حق خدمتي كان يقيني الحر والبرد.
الأمر الثالث: في ذكر بعض الشفعاء
يوم القيامة
إعلم أن الشفاعة الكبرى من خصائص
نبينا (صلى الله عليه وآله).
- روى في الخصال(٩٠٤) وغيره عنه (صلى
الله عليه وآله) قال: أعطيت خمسا لم يعطها أحد قبلي:
جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، ونصرت
بالرعب، وأحل لي المغنم وأعطيت جوامع الكلم وأعطيت الشفاعة.
وشفاعة غيره من شعب شفاعته الكبرى
لانتهائها إليه (صلى الله عليه وآله).
فمن الشفعاء: الأئمة الطاهرون، كما
عرفت.
- ويدل عليه أيضا ما في البحار(بحار
الأنوار: ٨ / ٤١ و٤٢ باب ٢١ ح ٣٢.) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله
تعالى: ﴿فما لنا من شافعين ولا صديق حميم﴾( سورة الشعراء: ١٠٠.) قال: الشافعون
الأئمة والصديق من المؤمنين.
- وفي قوله تعالى: ﴿من ذا الذي يشفع
عنده إلا بإذنه﴾( سورة البقرة: ٢٥٥.) قال: نحن أولئك الشافعون.
- وعن النبي (صلى الله عليه وآله)(
بحار الأنوار: ٨ / ٤٣ باب ٢١ ح ٣٩.) الشفعاء خمسة القرآن، والرحم، والأمانة،
ونبيكم وأهل بيت نبيكم.
- وعن معاوية بن وهب(بحار الأنوار: ٨
/ ٤١ باب ٢١ ح ٢٨.) قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله تبارك
وتعالى:﴿لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا﴾( سورة النبأ: ٣٨.) قال: نحن
والله المأذون لهم في ذلك والقائلون صوابا، قلت: جعلت فداك وما تقولون؟ قال: نمجد
ربنا ونصلي على نبينا (صلى الله عليه وآله) ونشفع لشيعتنا فلا يردنا ربنا.
ومنهم ذرية رسول الله (صلى الله عليه
وآله).
- ففي أمالي الصدوق والبحار(بحار
الأنوار: ٨ / ٣٦ باب ٢١ ح ١٠.) عن الصادق (عليه السلام) قال: إذا كان يوم القيامة،
جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فتغشاهم ظلمة شديدة فيضجون إلى ربهم
ويقولون يا رب اكشف عنا هذه الظلمة قال: فيقبل قوم يمشي النور بين أيديهم قد أضاء
أرض القيامة فيقول أهل الجمع هؤلاء أنبياء الله؟ فيجيئهم النداء من عند الله ما
هؤلاء بأنبياء فيقول أهل الجمع: فهؤلاء ملائكة؟ فيجيئهم النداء من عند الله: ما
هؤلاء بملائكة فيقول أهل الجمع:
هؤلاء شهداء؟ فيجيئهم النداء من عند
الله ما هؤلاء بشهداء فيقولون من هم؟ فيجيئهم النداء: يا أهل الجمع سلوهم من أنتم
فيقول أهل الجمع: من أنتم؟ فيقولون: نحن العلويون، نحن ذرية محمد رسول الله (صلى
الله عليه وآله) نحن أولاد علي ولي الله، نحن المخصوصون بكرامة الله، نحن الآمنون
المطمئنون، فيجيئهم النداء من عند الله (عزَّ وجلَّ): اشفعوا في محبيكم وأهل
مودتكم وشيعتكم، فيشفعون.
ومنهم المؤمنون وقد مر، ويأتي ما يدل
عليه.
- وفي البحار(بحار الأنوار: ٨ / ٥٩
باب ٢١ ح ٨٠.) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: لا تستخفوا بفقراء شيعة علي
وعترته من بعده، فإن الرجل منهم ليشفع لمثل ربيعة ومضر.
ومنهم: العلماء العاملون.
- ففيه عن أبي عبد الله (عليه
السلام) قال: إذا كان يوم القيامة بعث الله العالم والعابد فإذا وقفا بين يدي الله
(عزَّ وجلَّ)، قيل للعابد انطلق إلى الله، وقيل للعالم: قف تشفع للناس بحسن تأديبك
لهم.
ومنهم: زوار قبر الحسين (عليه
السلام).
- ففي خصائص الحسين وغيره، عن سيف
التمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: زائر الحسين مشفع يوم القيامة لمائة
ألف رجل: كلهم قد وجبت له النار.
- وفي مزار البحار(بحار الأنوار: ١٠١
/ ٢٧ ب ٤ ح ٣٤.) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال ينادي مناد يوم القيامة أين
شيعة آل محمد فيقوم عنق من الناس لا يحصيهم إلا الله فيقومون ناحية من الناس ثم
ينادي مناد أين زوار قبر الحسين فيقوم أناس كثير فيقال لهم خذوا بيد من أحببتم
انطلقوا بهم إلى الجنة فيأخذ الرجل من أحب حتى إن الرجل من الناس يقول لرجل يا
فلان أما تعرفني أنا الذي قمت لك يوم كذا وكذا فيدخله الجنة لا يدفع ولا يمنع.
الأمر الرابع: في ذكر من يستحق
الشفاعة
اعلم رزقك الله تعالى وإيانا شفاعة
الشافعين أنه لا يستحق الشفاعة سوى أهل الإيمان كما قال الله تعالى ﴿لا يشفعون إلا
لمن ارتضى﴾.
- ففي البرهان(تفسير البرهان: ٣ / ٥٧
/ ح ٥.) وغيره عن الكاظم والرضا (عليهما السلام) معناه لا يشفعون إلا لمن ارتضى
الله دينه.
ويدل على ذلك أيضا روايات عديدة مع
أن ذلك مما لا خلاف فيه أجده بين الإمامية.
- ففي البحار(بحار الأنوار: ٨ / ٤١
باب ٢١ ح ٢٧.) عن أبي عبد الله (عليه السلام): إن المؤمن ليشفع لحميمه إلا أن يكون
ناصبا ولو أن ناصبا شفع له كل نبي مرسل وملك مقرب ما شفعوا.
- وفي حديث آخر(بحار الأنوار: ٨ / ٤٢
ب ٢١ ح ٣٥.) عنه قال: إن الجار يشفع لجاره والحميم لحميمه ولو أن الملائكة
المقربين والأنبياء المرسلين شفعوا في ناصب ما شفعوا.
- وفي تفسير علي بن إبراهيم القمي(تفسير
القمي: ٤١٧.) عن الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى: ﴿لا يملكون الشفاعة إلا من
اتخذ عند الرحمن عهدا﴾ قال لا يشفع ولا يشفع ولا يشفع إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا
إلا من أذن له بولاية أمير المؤمنين والأئمة من بعده فهو العهد عند الله، الخبر،
والأخبار فيه كثيرة.
ثم إنه لا يخفى أن المؤمنين على
صنفين قوم مطيعون صالحون، وقوم مسرفون عاصون، فهل يشمل شفاعة الشافعين المحسنين
والعاصين أم يختص بالمحسنين أو بالعاصين، أقوال والحق هو القول الأول، وهو شمول
الشفاعة لكل منهما، أما بالنسبة إلى المحسنين فهي توجب ازدياد الثواب وارتفاع
الدرجات وأما بالنسبة إلى العاصين فتوجب الخلاص من العقاب واندفاع المضرات أو مع
الفوز بالمنافع أيضا، والدليل على ذلك بعد صدق الشفاعة على طلب زيادة الثواب ورفع
العقاب عدة روايات:
- منها: ما رواه ثقة الإسلام في أصول
الكافي(الكافي: ٢ / ٥٩٨ / ح ١.) في كتاب فضل القرآن عن أبي جعفر (عليه السلام) في
حديث طويل في ذكر شفاعة القرآن إلى أن قال: فينطلق به إلى رب العزة تبارك وتعالى،
فيقول يا رب عبدك وأنت أعلم به قد كان نصبا لي مواظبا علي يعادي بسببي، ويحب في
ويبغض في فيقول الله (عزَّ وجلَّ): أدخلوا عبدي جنتي واكسوه حلة من حلل الجنة
وتوجوه بتاج.
فإذا فعل ذلك به عرض على القرآن
فيقال له: هل رضيت بما صنع بوليك فيقول: يا رب إني أستقل هذا له فزده مزيد الخير
كله، فيقول (عزَّ وجلَّ) وعزتي وجلالي، وعلوي وارتفاع مكاني، لأنحلن له اليوم خمسة
أشياء مع المزيد له، ولمن كان بمنزلته ألا إنهم شباب لا يهرمون وأصحاء لا يسقمون،
وأغنياء لا يفتقرون، وفرحون لا يحزنون، وأحياء لا يموتون ثم تلا هذه الآية: ﴿لا
يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى﴾ الخبر، وهو نص في وقوع الشفاعة، بطلب رفع
العقاب وزيادة الثواب.
- ومنها: قوله (عليه السلام) في
رواية أبي أيمن التي ذكرناها في الأمر الثاني ما من أحد من الأولين والآخرين إلا
وهو محتاج إلى شفاعة محمد (صلى الله عليه وآله) يوم القيامة. لشموله بعمومه جميع
المؤمنين حتى المطيعين، بل الأنبياء السابقين وغيرهم من الصالحين ومن المعلوم أن
احتياجهم إلى شفاعته ليس لرفع العذاب إذ لا مقتضى لتعذيبهم بل هو لارتفاع الدرجات
وازدياد العنايات.
- ويعضد هذه الرواية ما روي في
البحار(بحار الأنوار: ٨ / ٤٢ باب ٢١ ح ٣١.) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما
من أحد من الأولين والآخرين، إلا وهو يحتاج إلى شفاعة محمد (صلى الله عليه وآله)
يوم القيامة.
- ومنها: ما في البحار(بحار الأنوار:
٨ / ٤٧ باب ٢١ ح ٤٨.) والبرهان عن العياشي، عن عيص بن القاسم عن أبي عبد الله
(عليه السلام) قال: إن الجن والإنس يحبسون يوم القيامة في صعيد واحد، فإذا طال بهم
الموقف طلبوا الشفاعة، فيقولون: إلى من؟ فيأتون نوحا فيسألونه الشفاعة، فيقول:
هيهات قد رفعت حاجتي فيقولون: إلى من؟ فيقال إلى إبراهيم فيأتون إبراهيم فيسألونه
الشفاعة فيقول هيهات قد رفعت حاجتي فيقولون: إلى من؟ فيقال: ائتوا موسى فيأتونه،
فيسألونه الشفاعة فيقول:
هيهات، قد رفعت حاجتي فيقولون: إلى
من؟ فيقال: ائتوا عيسى فيأتونه، ويسألونه الشفاعة، فيقول: هيهات قد رفعت حاجتي
فيقولون: إلى من؟ فيقال: ائتوا محمدا.
فيأتونه فيسألونه الشفاعة فيقوم
مدلا، حتى يأتي باب الجنة، فيأخذ بحلقة الباب ثم يقرعه، فيقال: من هذا؟ فيقال:
أحمد فيرحبون ويفتحون الباب فإذا نظر إلى الجنة خر ساجدا يمجد ربه بالعظمة، فيأتيه
ملك فيقول ارفع رأسك وسل تعط، واشفع تشفع فيرفع رأسه فيدخل من باب الجنة فيخر
ساجدا، ويمجد ربه ويعظمه فيأتيه ملك فيقول: ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع فيقوم
فما يسأل شيئا إلا أعطاه الله إياه.
قال المجلسي (ره): قوله قد رفعت
حاجتي: أي إلى غيري والحاصل: إني أيضا أستشفع من غيري، فلا أستطيع شفاعتكم.
أقول: لا ريب أن احتياجهم إلى غيرهم
ليس لأجل نجاتهم من العذاب لأنهم معصومون، لم يصدر عنهم ما يقتضيه بل هو لأجل
فوزهم بالدرجات العالية، التي لا يصلون إليها إلا بسبب من هو أرفع منهم، أعني
نبينا محمدا وآله المعصومين المكرمين (عليهم السلام).
فإن قلت: إن هذا الحديث وما بمعناه
من الأحاديث ينافي ما مر سابقا من كونهم من شفعاء يوم القيامة.
قلت: لا تنافي بين هذين الحديثين، إذ
لا مانع من وصولهم إلى درجات ومنافع ببركة من فوقهم ووصول من دونهم في المرتبة إلى
درجات ومنافع ببركتهم، وسقوط العقاب عنهم بشفاعتهم كما مر في شفاعة الأئمة
للمؤمنين وشفاعة المؤمنين لمن دونهم من أهليهم.
وسيأتي في كيفية شفاعة الصديقة
الطاهرة (عليها السلام) لمحبيها وشيعتها، وشفاعتهم لمحبيهم، وذوي حقوقهم، ما يرفع
هذا الاستبعاد والله الهادي إلى نهج السداد.
- ومنها: ما روي في اللئالي عن أبي
جعفر (عليه السلام) قال: إن المؤمنين المتواطئين في الله ليكون أحدهما في الجنة
فوق الآخر بدرجة، فيقول: يا رب إنه أخي وصاحبي، قد كان يأمرني بطاعتك، ويثبطني عن
معصيتك ويرغبني فيما عندك، فاجمع بيني وبينه في هذه الدرجة فيجمع الله بينهما،
الخبر.
- ومنها ما روي في دار السلام عن
الكافي، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في خبر شريف، وفيه: فأما الخليلان
المؤمنان فتخالا حياتهما في طاعة الله تبارك وتعالى وتباذلا عليها، وتوادا عليها
فمات أحدهما قبل صاحبه فأراه الله تعالى منزله في الجنة يشفع لصاحبه فيقول: خليلي
فلان كان يأمرني بطاعتك ويعينني عليها وينهاني عن معصيتك رب فثبته على ما تشاء
عليه من الهدى، حتى تريه ما أريتني فيستجيب الله له حتى يلتقيان عند الله (عزَّ
وجلَّ) فيقول كل واحد لصاحبه: جزاك الله من خليل خيرا كنت تأمرني بطاعة الله،
وتنهاني عن معصيته. الخبر.
فهذه الروايات تدل على وقوع شفاعة
الشافعين للصالحين من المؤمنين، طلبا لهم زيادة الثواب كما تقع للعاصين، مضافا إلى
أن القائلين بتخصيص الشفاعة بطلب إسقاط العقاب، يلزمهم القول بكونها طلبا للثواب
في حق المستوجبين للعقاب أيضا، وبيان ذلك: أن كل من قال بحصول نجاة العاصين من
النار بشفاعة الشافعين، قال بدخولهم الجنة بسبب تلك الشفاعة، فلو كانت الشفاعة طلب
إسقاط العقاب فقط لزم القول بأن من يشفع له شافع لا يدخل الجنة ولا النار، أما عدم
دخوله الجنة، فلعدم المقتضى له وأما عدم دخوله النار فلشفاعة الشافعين.
ويمكن المناقشة بأن السبب في دخول
الجنة هو الإيمان فإذا سقط العقاب بالشفاعة صار السبب بلا مانع، فيتحقق مقتضاه.
ويمكن الجواب عن هذه المناقشة
بوجهين:
أحدهما: أن بعض الروايات صريح في أن
دخول الجنة أيضا بالشفاعة:
- ففي الأمالي والبحار(بحار الأنوار:
٨ / ٥٩ باب ٢١ ح ٧٦.) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: فأيما امرأة صلت في
اليوم والليلة خمس صلوات، وصامت شهر رمضان، وحجت بيت الله الحرام وزكت مالها،
وأطاعت زوجها، ووالت عليا بعدي، دخلت الجنة بشفاعة ابنتي فاطمة. الخبر.
- وفي البحار(بحار الأنوار: ٨ / ٥٢
باب ٢١ ح ٥٩.) في حديث شفاعة فاطمة (عليها السلام) ومحبيها، فيقول الله: يا
أحبائي، ارجعوا وانظروا من أحبكم لحب فاطمة، انظروا من كساكم لحب فاطمة، انظروا من
سقاكم شربة في حب فاطمة، انظروا من رد عنكم غيبة في حب فاطمة، فخذوا بيده وأدخلوه
الجنة. الخبر.
- وفي(بحار الأنوار: ٨ / ٥٦ / ح ٧٠.)
حديث آخر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن المؤمن ليشفع لجاره وما له حسنة،
فيقول: يا رب جاري، كان يكف عني الأذى، فيشفع فيه، فيقول الله تبارك وتعالى: أنا
ربك، وأنا أحق من كافى عنك، فيدخله الجنة، وما له من حسنة، وإن أدنى المؤمنين
شفاعة ليشفع لثلاثين إنسانا، فعند ذلك يقول أهل النار: ﴿فما لنا من شافعين ولا
صديق حميم﴾ - وفي البحار(بحار الأنوار: ٨ / ٣٩ ب ٢١ ح ٢٠.) والبرهان عنه (صلى الله
عليه وآله) إذا حشر الناس يوم القيامة ناداني مناد يا رسول الله إن الله جل اسمه
قد أمكنك من مجازاة محبيك ومحبي أهل بيتك الموالين لهم فيك والمعادين لهم فيك
فكافهم بما شئت فأقول: يا رب الجنة فأبوئهم منها حيث شئت فذلك المقام المحمود الذي
وعدت به.
وثانيهما: أن الأخبار دلت على كون
الإيمان سببا لدخول الجنة وكون الثواب على الإيمان وأما كونه سببا بلا واسطة فلا،
فيمكن أن يكون المقصود منها أنه لا يدخل الجنة من لا يكون مؤمنا، وأما نفي الحاجة
إلى الشفاعة، فلا دليل عليه.
فتلخص من جميع ما ذكرناه تحقق
الشفاعة وثبوتها بكلا القسمين، وارتفع الإشكال من البين.
وقد وفقني الله تعالى لتحقيق هذا
المرام وتنقيح هذا المقام ببركة أهل الذكر (عليهم السلام)، مع خلو كلام من وقفت
على كلامه من الأعلام عن التنقيح التام. وأما من خص الشفاعة بطلب زيادة الثواب
لأهل الإطاعة فقد استدل بظواهر بعض الآيات.
منها: قوله تعالى: ﴿ما للظالمين من
حميم ولا شفيع يطاع﴾ والعاصي ظالم.
ومنها: قوله تعالى: ﴿ما للظالمين من
أنصار﴾.
ومنها: قوله تعالى: ﴿فما تنفعهم
شفاعة الشافعين﴾.
والجواب: عن الجميع أن المراد
بالظالمين في هذه الآيات وما شابهها الكفار والنواصب، والذين أخروا الأئمة (عليهم
السلام) عن مراتبهم التي رتبهم الله فيها وقدموا عليهم غيرهم، والذين ماتوا جاهلين
بإمام زمانهم وأمثال هؤلاء من الذين يرجع أمرهم بالآخرة إلى عدم الإيمان.
والدليل على ما ذكرنا - مضافا إلى ما
مر وما سيجيء - أخبار كثيرة، بل متواترة ليس هنا مقام ذكرها، مع أن ذلك مقتضى
الجمع بين الأدلة أيضا كما لا يخفى.
وأما من خص الشفاعة بطلب إسقاط
العقاب عن مستحقيه، من مذنبي المؤمنين فقد استند إلى أمرين:
الأول: أن الشفاعة لو كانت في زيادة
المنافع لا غير لكنا شافعين في النبي حيث نطلب له من الله علو الدرجات، والتالي
باطل قطعا لأن الشافع أعلى من المشفوع فيه، فالمقدم مثله وهذا الوجه في الحقيقة
إبطال للقول السابق وهو تخصيص الشفاعة بطلب زيادة الثواب فقط.
ويمكن الجواب عنه بمنع الملازمة لأنا
قد ذكرنا أن معنى الشفاعة أن يطلب الشخص ممن فوقه خيرا لمن دونه، وهذا المورد قد
جعل الشفاعة بمعنى مطلق طلب زيادة المنافع، وهذه مغالطة واضحة.
والحاصل أن ما نحن فيه، نظير الطلب
الذي له أفراد منها الأمر، ومنها السؤال، ومنها الالتماس، فإذا صدر الطلب عن
العالي سمي أمرا، وإذا صدر عن الداني سمي سؤالا وإذا صدر عن المساوي سمي التماسا،
مع أنه ليس مفاد كل منها سوى الطلب، والتفاوت إنما هو في مراتب الطالب، فكذلك فيما
نحن فيه، إذا صدر طلب المنفعة والثواب من شخص لمن دونه، كان شفاعة كطلب النبي (صلى
الله عليه وآله) زيادة المثوبات ورفع درجات لأمته، وإذا صدر ذلك من شخص لمن فوقه،
كان دعاء كصلاة الأمة على النبي ودعائهم له.
الثاني: الأحاديث التي ادعى دلالتها
على تخصيص الشفاعة بالمذنبين.
منها قول النبي (صلى الله عليه وآله)
ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي.
ومنها قوله (صلى الله عليه وآله):
إنما شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي، فأما المحسنون فما عليهم من سبيل.
ومنها قوله: وأما شفاعتي ففي أصحاب
الكبائر ما خلا أهل الشرك والظلم.
والجواب عن الجميع، أن الغرض في هذه
الروايات بيان أظهر الفردين، وأكمل الأمرين لا حصر الشفاعة في واحد من القسمين.
ويشهد لذلك ما قدمناه من الدليل، والله يهدي من يشاء إلى سواء السبيل.
وههنا فوائد ينبغي التنبيه عليها
الأولى: أن الشفاعة التي لا تشمل
الكفار هي الشفاعة في الخروج من النار وأما الشفاعة في تخفيف العذاب، فالظاهر من
بعض الأخبار شمولها لهم.
- ففي البحار(بحار الأنوار: ٨ / ٥٥
باب ٢١ ح ٦٤.) عن حنان، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: لا تسألوهم
فتكلفونا قضاء حوائجهم يوم القيامة.
- وفيه(بحار الأنوار: ٨ / ٥٥ باب ٢١
ح ٦٥.) بسند آخر عنه (عليه السلام) قال لا تسألوهم الحوائج فتكونوا لهم الوسيلة
إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في القيامة.
أقول: ولهذا المطلب شواهد عديدة في
الأخبار مثل ما ورد من أن حب الأئمة الأطهار ينفع كل أحد حتى الكفار، ونحو ذلك.
فإن قلت: إن ذلك ينافي ما نطق به بعض
الآيات، كقوله تعالى: ﴿لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون﴾ ونحوه.
قلت: يمكن الجمع بينهما بأحد وجهين:
أحدهما: أن يكون المراد بالتخفيف
الممنوع عنهم، التخفيف الزماني، بأن يرفع العذاب عنهم في بعض الأحيان، بدليل قوله
تعالى في سورة المؤمن: ﴿وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما
من العذاب﴾ وهذا لا ينافي التخفيف عن بعضهم من حيث الكيفية.
وثانيهما: أن يخصص عدم التخفيف بمن
ليس له شافع يشفع له في ذلك، والله تعالى هو العالم.
- الثانية: قد دل قوله (عليه
السلام): أعطيت خمسا لم يعطها أحد من الأنبياء.. (الخ) على أن الشفاعة من خصائصه،
وهذا مناف بظاهره لما دل على كثرة الشفعاء يوم القيامة، ويمكن الجمع بينهما بوجوه:
الأول: أن يكون المراد بإعطاء
الشفاعة إياه بخصوصه، الوعد والإذن من الله عز اسمه في ذلك لنبينا (صلى الله عليه
وآله) في دار الدنيا، دون سائر الأنبياء والشفعاء.
- ويشهد لهذا الوجه ما في تفسير
القمي في قوله تعالى: ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾ قال: لا يشفع أحد من
أنبياء الله ورسله يوم القيامة، حتى يأذن الله، إلا رسول الله (صلى الله عليه
وآله) فإن الله قد أذن له في الشفاعة قبل يوم القيامة، والشفاعة له وللأئمة من
ولده، ثم بعد ذلك للأنبياء (عليهم السلام).
الثاني: أن يكون المراد الشفاعة
العامة، التي ما من أحد من الأولين والآخرين إلا ويحتاج إلى شفاعة محمد (صلى الله
عليه وآله)، كما مر في الحديث.
وأما غيره فشفاعته لقومه وعشيرته، أو
طائفة مخصوصة فشفاعته أعم الشفاعات وأتمها لاحتياج كل أحد من الخلق إليه، وعدم
احتياجه إلى أحد سوى الخالق المتعال عز اسمه.
الثالث: أن الشفاعة لا تجوز إلا بعد
صدور الإذن عن الله تعالى، كما قال (عزَّ وجلَّ) ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾
وقال (عزَّ وجلَّ): ﴿ما من شفيع إلا من بعد إذنه﴾ وقال تعالى: ﴿إلا من أذن له
الرحمن﴾ وقال تعالى: ﴿إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى﴾ وقال تعالى:﴿لا
يسبقونه بالقول﴾ الخ.
فيمكن أن يكون الإذن منه (عزَّ
وجلَّ) لنبينا في الشفاعة، بمقتضى ما مر في خبر عيص، ويعضده أخبار عديدة، وتكون
شفاعة سائر الشفعاء بإذن النبي، فجميع الشفاعات يرجع إلى شفاعته، ويكون من شعب هذه
الشفاعة العظمى. وهذا معنى اختصاصه بالشفاعة، والشفاعة الكلية والشفاعة الكبرى.
والغرض من ارجاع الخلائق أولا إلى غيره من الأنبياء كما مر في خبر عيص، وورد في
غيره من الأخبار إظهار شأن خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله) لجميع أهل المحشر
في يوم الجزاء.
الثالثة: قد مر في حرف الشين المعجمة
في الباب الرابع حديث نبوي من طريق العامة في ذكر مناصب الأئمة، إلى أن قال (صلى
الله عليه وآله) والمهدي شفيعهم يوم القيامة، حيث لا يأذن الله إلا لمن يشاء
ويرضى.
وقد ذكرنا هنالك أن السر في تخصيص
الشفاعة بمولانا الحجة صلوات الله عليه، أن أحدا من الشفعاء لا يشفع في منكر صاحب
الأمر (عليه السلام)، وإن أقر بمن قبله فكأن الشفاعة شفاعته، والأمر أمره.
الأمر الخامس: في كون الدعاء لمولانا
صاحب الزمان وبتعجيل فرجه سببا للفوز بشفاعته
وبيان ذلك: أنه لا بد في الفوز
بشفاعة الشافعين في يوم الدين، من تحقق رابطة بين الشافع والمشفوع له، في دار
الدنيا كخدمة له، وإعانة، أو قضاء حاجة أو دعاء، أو إظهار محبة خالصة، أو إعزاز
له، أو دفع أذى عنه ونحوها، كما عرفت في حديث شفاعة المؤمنين لمن يدعو لهم في أول
الباب الرابع، وفي حديث شفاعة المؤمن، الذي ذكرناه في الأمر الثاني آنفا، وكذا في
حديث شفاعة زائر الحسين (عليه السلام)، الذي رويناه في الأمر الثالث، ويدل على ذلك
مضافا إلى ما ذكرناه روايات كثيرة:
- منها ما في ثالث البحار(بحار
الأنوار: ٨ / ٤٤ باب ٢١ ح ٤٤.) عن تفسير الإمام عن أمير المؤمنين، قال (عليه
السلام): الله رحيم بعباده، ومن رحمته أنه خلق مائة رحمة، جعل منها رحمة واحدة في
الخلق كلهم، فبها يتراحم الناس وترحم الوالدة ولدها، وتحنن الأمهات من الحيوانات
على أولادها، فإذا كان يوم القيامة، أضاف هذه الرحمة الواحدة إلى تسع وتسعين رحمة،
فيرحم بها أمة محمد (صلى الله عليه وآله) ويشفعهم فيمن يحبون له الشفاعة من أهل
الملة. حتى إن الواحد ليجيء إلى مؤمن الشيعة فيقول اشفع لي فيقول: وأي حق لك علي
فيقول: سقيتك يوما ماء فيذكر ذلك فيشفع فيه ويجيئه آخر فيقول: إن لي عليك حقا
فاشفع لي فيقول: وما حقك علي فيقول: استظللت بظل جداري ساعة في يوم حار فيشفع له،
فيشفع فيه ولا يزال يشفع حتى يشفع في جيرانه، وخلطائه ومعارفه فإن المؤمن أكرم على
الله مما تظنون.
- وفي البحار(بحار الأنوار: ٨ / ٤١
باب ٢١ ح ٢٦.) أيضا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن المؤمن منكم يوم
القيامة ليمر به الرجل له المعرفة به في دار الدنيا وقد أمر به إلى النار، والملك
ينطلق به قال فيقول يا فلان، أغثني، فقد كنت أصنع إليك المعروف في الدنيا وأسعفك
في الحاجة تطلبها مني فهل عندك اليوم مكافأة! فيقول المؤمن للملك الموكل به: خل
سبيله. قال: فيسمع الله قول المؤمن فيأمر الملك أن يجيز قول المؤمن، فيخلي سبيله.
أقول: إذا كان هذا حال المؤمن في
الشفاعة، لمن كان بينه وبينه رابطة جزئية. فلا ريب في أن مولانا صاحب الزمان (عليه
السلام) يشفع(سيأتي في المكرمة الثانية والثلاثين وجه فوز الداعي بشفاعته وشفاعة
آبائه بتقريب آخر وحاصله ما ورد في تفسير قوله ﴿وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا
بسيماهم﴾ من أن المراد بهم الأئمة وأنهم يعرفون من نصرهم ويشفعون له بضميمة ما يدل
على كون الدعاء من أقسام النصرة للإمام وملخص المقدمتين أن الداعي ناصر للإمام
والإمام يشفع لناصره ويشفع للداعي (لمؤلفه).) لمن يداوم على الدعاء له، ولا يتركه
معذبا يوم القيامة لأن الدعاء من الروابط العظيمة والحبال المتينة فهو قضاء لحاجته
ودليل محبته، وموجب لمسرته، وهو مع ذلك من أقسام نصرته وأنواع خدمته، إلى غير ذلك
من العناوين الصادقة عليه مما هو وسيلة إليه.
بيان المكرمة الحادية عشرة
الدعاء
يبني رابطة الشفاعة مع الإمام
لا يريد الميرزا الأصفهاني أن يجعل
الدعاء للإمام عملاً ينتهي أثره بانتهاء الدنيا، وإنما يكشف أن هذا الدعاء يصنع
رابطة تبقى مع الإنسان حتى يوم القيامة. فالدعاء ليس علاقة عابرة، بل عهدٌ يمتد من
الدنيا إلى الآخرة، ومن اللسان إلى الميزان، ومن مجلس الذكر إلى موقف الحساب.
ولهذا جعل الميرزا هذه المكرمة ثمرةً
للمكارم السابقة؛ فمن دعا للإمام، ونصره بلسانه، وأحيا أمره، وأدى بعض حقوقه،
واستحق دعاء الإمام في الدنيا، كان أقرب إلى أن يفوز بشفاعته في الآخرة.
أولًا:
لماذا جعل الميرزا الشفاعة ثمرةً للدعاء؟
لم يكتفِ الميرزا بإثبات أصل
الشفاعة، مع أنها من ضروريات المذهب، بل أراد أن يجيب عن سؤال آخر:كيف يصبح
الإنسان أهلًا لشفاعة الإمام؟
فأجاب بأن الشفاعة لا تكون اعتباطًا،
وإنما تقوم على رابطة سابقة بين الشافع والمشفوع له.
ولهذا أطال في بيان معنى الشفاعة،
وأقسامها، ومستحقيها، حتى يصل إلى هذه النتيجة:إن الدعاء للإمام من أوثق الروابط
التي تؤهل الإنسان لنيل شفاعته.
من الأخطاء الشائعة أن تُفهم الشفاعة
وكأنها تجاوز للنظام الإلهي.
لكن الميرزا يؤكد أن الشفاعة نفسها
جزء من هذا النظام، ولا تكون إلا بإذن الله ورضاه، كما دلت عليه الآيات الكريمة.
فالشفاعة ليست إلغاءً للعدل، وإنما مظهر من مظاهر الرحمة الإلهية لمن أقام في
الدنيا أسباب القرب من الله وأوليائه.
وهذه هي الفكرة المركزية في هذه
المكرمة فالميرزا يقرر أن كل شفاعة لا بد أن تسبقها علاقة:خدمة نصرة محبة قضاء
حاجة دعاء إعزاز.
ثم يقرر أن الدعاء للإمام يجمع عدة
روابط في وقت واحد؛ فهو إظهار للمحبة، ونصرة باللسان، وقضاء لبعض حقه، وإدخال
للسرور عليه.
فإذا اجتمعت هذه الروابط، كان الداعي
أقرب إلى شفاعة الإمام يوم القيامة.
رابعًا:
الشفاعة ثمرة العلاقة لا مجرد الانتساب
ليس كل من انتسب إلى الإمام انتسابًا
اسميًا يكون سواءً مع من عاش معه قلبًا ولسانًا.
فالذي أكثر من الدعاء له، وذكره
صباحًا ومساءً، وربط حياته بقضيته، قد أنشأ مع الإمام رابطة حيّة وهذه الرابطة هي
التي تؤهله ليكون محل عناية الإمام في الموقف الأعظم فالشفاعة ثمرة العلاقة، لا
ثمرة الدعوى.
خامسًا:
الدعاء صورة من صور النصرة
النصرة ليست محصورة بالسيف ففي زمن
الغيبة، تتنوع النصرة بحسب القدرة ومن أعظم صورها الدعاء بتعجيل الفرج؛ لأنه إعلان
دائم بأن المؤمن يقف مع مشروع الإمام، ويتمنى ظهوره، ويفرح بنصره ولهذا عدّه
الميرزا من مصاديق النصرة التي تستوجب عناية الإمام وشفاعته.
سادسًا:
من الدعاء في الدنيا إلى الشفاعة في الآخرة
في هذه المكرمة يرسم الميرزا خطًا
متصلًا:
الدعاء يولد المحبة.
والمحبة تولد النصرة.
والنصرة تنشئ الرابطة.
والرابطة تثمر الشفاعة.
فليس هناك انفصال بين الدنيا
والآخرة، وإنما الأعمال التي تصنع العلاقة هنا، هي التي تظهر آثارها هناك.
سابعًا:
الشفاعة امتداد للرعاية
الإمام في الدنيا يدعو لأوليائه،
ويرعاهم، ويهتم بأمورهم وهذه الرعاية لا تنقطع بالموت، بل تبلغ ذروتها يوم
القيامة، حين يقف الإمام شفيعًا لمن حفظوا عهده، وأخلصوا في مودته، وداوموا على
الدعاء له فالشفاعة ليست بداية العلاقة، بل كمال العلاقة.
ثامنًا:
الشفاعة لا تلغي المسؤولية
لم يجعل الميرزا الدعاء بديلًا عن
الطاعة بل أكد في ثنايا كلامه أن الشفاعة إنما تكون لأهل الإيمان، وأنها لا تنفع
من فقد أصل الولاية أو عادى أولياء الله.
ومن هنا فالدعاء لا يغني عن العمل،
وإنما يكمّل العمل، ويزيد المؤمن قربًا من الإمام، ويؤهله لمزيد من رحمته.
تاسعًا:
الهندسة المعرفية للرابطة الولائية
إذا تأملنا هذه المكرمة في سياق
الكتاب كله، وجدنا أن الميرزا لا يريد أن يبين فضل الدعاء فقط، بل يريد أن يبني
شبكة متكاملة من العلاقة بالإمام:الدعاء يحيي أمره ويؤدي بعض حقوقه ويعظم شأنه ويستجلب
دعاءه ثم ينتهي إلى شفاعته.
وهكذا يصبح الدعاء نقطة البداية في
بناء رابطة ولائية تمتد من الدنيا إلى الآخرة.
تكشف هذه المكرمة عن قانون ولائي
عظيم، وهو أن **الشفاعة لا تنشأ من علاقة طارئة يوم القيامة، وإنما تُبنى في
الدنيا**. ومن أعظم وسائل بنائها الدعاء بتعجيل فرج الإمام المهدي عليه السلام؛
لأنه يجمع المحبة، والولاء، والنصرة، وأداء بعض الحقوق، وإدخال السرور على قلب
الإمام. فإذا استمرت هذه الصلة في حياة المؤمن، استحق أن يكون من أهل عناية الإمام
في الموقف الأكبر، فيفوز بشفاعته بإذن الله تعالى. وبذلك يظهر أن الدعاء ليس مجرد
ذكر باللسان، بل هو تأسيس لعلاقة أبدية مع الحجة الإلهية، تبدأ في زمن الغيبة،
وتكتمل في يوم اللقاء الأكبر.

تعليقات
إرسال تعليق