دراسة تحليلية في المكارم التسعين في كتاب مكيال المكارم
المكرمة الرابعة عشر
المتن المكرمة الرابعة عشرة
المكرمة
الرابعة عشرة: استجابة الدعاء
يعني أن الداعي إذا جعل دعاءه لنفسه
مقرونا بالدعاء لمولانا صاحب الزمان صلوات الله عليه، يصير دعاؤه لمولاه سببا
وواسطة في استجابة ما يدعو به لنفسه.
ويدل على ذلك وجوه عقلية ونقلية:
الأول: أنه لا شك ولا شبهة في تحقق
إجابة دعاء العبد لمولانا صاحب الزمان لوجود المقتضى، وعدم المانع، وكلاهما واضحان
والتأخير في الإجابة لا يدل على نفي الإجابة كما لا يخفى فإذا جعل الشخص أول دعائه
وآخره لصاحب الأمر بتعجيل فرجه، وتسهيل مخرجه، كان مقتضى كرم أكرم الأكرمين أن
يستجيب ما بينهما أيضا، وقد قرر سبحانه ذلك بين عباده، فإن من اشترى أمتعة مختلفة
بصفقة واحدة، وكان بعضها معيبا يجب عليه إما أن يقبل الجميع أو يرد الجميع، ولا
يجوز أن يرد المعيب فقط.
الوجه الثاني: أن جملة من الذنوب
والسيئات مانعة عن إجابة الدعوات فإذا قرن الإنسان دعاءه بالدعاء لمولانا صاحب
الزمان غفرت له تلك الذنوب الموانع فيصير دعاؤه بلا مانع فيستجيب له المنان الواسع
وسيأتي في المكرمة الثامنة عشرة اقتضاء الدعاء له (عليه السلام) غفران الذنوب إن
شاء الله تعالى.
الوجه الثالث: قد ذكرنا سابقا أن من
فوائد الدعاء له (عليه السلام) دعاءه في حق الداعي، ولا ريب أن دعاءه بكفاية مهم
الداعي يقتضي استجابة ما يسأله من الله جل شأنه كما لا يخفى.
- الوجه الرابع: ما روي في أصول
الكافي(الكافي: ٢ / ٤٩٤ / ح ١٦.) في فضل الصلاة على محمد وآله مرسلا عن الصادق
(عليه السلام) قال: من كانت له إلى الله حاجة فليبدأ بالصلاة على محمد وآله، ثم
يسأل حاجته، ثم يختم بالصلاة على محمد وآل محمد، فإن الله (عزَّ وجلَّ) أكرم من أن
يقبل الطرفين، ويدع الوسط، إذ كانت الصلوات على محمد وآل محمد لا تحجب عنه.
أقول: وجه دلالته على المطلوب، أن
عموم التعليل يقتضي استجابة كل دعاء يقع بين دعاءين مستجابين، لأنه تعالى أكرم من
أن يستجيب الطرفين ويرد ما وقع في البين. وقد ذكرنا في الوجه الأول أن دعاء المؤمن
في فرج مولاه (عليه السلام) وطلب نصرته، مستجاب لا محالة.
فهذا الدليل النقلي شاهد لما ذكرناه
من الوجه العقلي.
الوجه الخامس: ما سيأتي من دعاء
الملائكة للداعي في حق مؤمن غائب، بأضعاف ما سأل له، ولا ريب في استجابة دعاء
الملائكة لخلوه عن الموانع، فيقتضي دعاؤهم استجابة دعائه في حق نفسه.
- الوجه السادس: ما روي في أصول
الكافي(الكافي: ٢ / ٤٨٧ باب العموم في الدعاء ح ١.) بسند معتبر، عن أبي عبد الله
(عليه السلام)، قال:
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
إذا دعا أحدكم فليعم، فإنه أوجب للدعاء، وفي بعض النسخ: فليعم في الدعاء، فإنه
أوجب للدعاء.
أقول: قوله (صلى الله عليه وآله)
فإنه أوجب للدعاء، يعني أن الدعاء للعموم أثبت، وألزم لدعاء الداعي في حقه، من أن
يدعو لنفسه فقط، خاليا عن الدعاء للمؤمنين، فحاصله سببية ذلك الدعاء العام، لإجابة
الدعاء ونيل المرام. ووجه دلالة هذا الكلام على ما هو المقصود في هذا المقام، أن
العموم في الدعاء يتصور على وجهين:
أحدهما: أن يشرك الداعي جميع
المؤمنين والمؤمنات في دعائه، بأن يدخل نفسه فيهم، فيدعو له ولهم جميعا كأن يقول:
اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، واقض حوائج المؤمنين والمؤمنات. أو يقول: اللهم
اغفر لنا، واقض حاجتنا مريدا بذلك نفسه وسائر المؤمنين والمؤمنات.
وثانيهما: أن يكون دعاؤه دعاء يشمل
نفعه جميع المؤمنين والمؤمنات، وإن لم يصرح بهم، كالدعاء بطلب الأمنية، ونزول
البركات السماوية، وخروج البركات الأرضية، ودفع البلاء، ونحوها مما يعم نفعه
جميعهم وهذا أيضا تعميم في الدعاء. والدعاء لفرج مولانا صاحب الزمان (عليه السلام)
من هذا القبيل فيكون من مصاديق هذا الدليل، ويترتب عليه الفائدة المذكورة، وهي على
العارفين غير مستورة، وإن تجمد أحد لقصوره، وأنكر ما ذكرناه مع ظهوره، وأنكر كون
هذا القسم تعميما في الدعاء قلنا - مماشاة ومسالمة للخصماء -: إذا قصد الداعي، أو
صرح بأن غرضه من هذا الدعاء انتفاع جميع المؤمنين والسعداء، فلا ريب في كونه دعاء
للعموم، وبذلك يقحم المتعنت الخصوم.
وأما كون الدعاء لظهور مولانا صاحب
الزمان عليه صلوات الملك المنان مما ينتفع به جميع أهل الإيمان، فلا يحتاج إلى
مزيد بيان، بعد ما ذكرناه في الباب الرابع، بأحسن تبيان، إذ بظهوره فرج كل مؤمن،
وفرح كل موقن، وظهور كل عدل، وخمود كل جهل، وانكشاف العلوم، واندفاع الغموم،
وارتفاع العاهات، وانتشار البركات وغلبة المؤمنين، وهلاك الظالمين، وأمن البلاد،
وسلامة العباد، واجتماع الأحباب، وغيره مما بيناه في مطاوي هذا الكتاب والله تعالى
هو الهادي إلى نهج الصواب.
وأما قوله (صلى الله عليه وآله) إذا
دعا أحدكم فليعم فهو يحتمل أمورا:
أحدها: أن يكون المقصود أن المؤمن
إذا دعا فليجعل دعاءه هذا عاما للمؤمنين، وليدخل نفسه في جملتهم فإذا فعل ذلك: بأن
دعا دعاء شاملا عاما لجميعهم، كان ذلك أوجب، أي أثبت، يعني يكون هذا الدعاء أسرع
إجابة، وأشد نفوذا من دعائه لنفسه فقط، فهذا الوجه يقتضي كون التعميم سببا لسرعة
إجابة هذا الدعاء.
وحاصلة أنك لو قلت: اللهم اغفر
للمؤمنين والمؤمنات كان أوجب لمغفرتك من قولك:اللهم اغفر لي، وإذا قلت: اللهم عجل
فرج مولانا صاحب الزمان، كان أوجب لفرجك من أن تقول: اللهم اجعل لي من أمري فرجا،
لأن الدعاء لفرجه (عليه السلام) دعاء للفرج لجميع المؤمنين والمؤمنات فتدبر.
الأمر الثاني: أن يكون من باب
المشارفة ويكون المقصود أنك إذا أردت الدعاء لنفسك في أمر من الأمور فابدأ بالدعاء
للعموم، فإنه أوجب لدعائك، يعني أن دعاءك للعموم يصير سببا لاستجابة دعائك، وثبوت
مرادك وحصول مرامك فيكون هذا الكلام من قبيل قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة
فاغسلوا وجوهكم﴾ وقوله: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله﴾ ونحوهما.
وحاصل هذا الوجه أن معنى قوله (عليه
السلام): إذا دعا أحدكم فليعم، أنه إذا أراد أحدكم الدعاء لنفسه، فليبدأ بدعاء عام
للمؤمنين ثم يدع لنفسه فإن ذلك أوجب لدعائه لنفسه، وأثبت له، لأن في تقديم الدعاء
لأهل الإيمان تأثيرا تاما في استجابة دعاء الإنسان..
- كما ورد في عدة روايات(الكافي: ٢ /
٥٠٩ / ح ٥.) عن الصادق (عليه السلام): إن من قدم أربعين رجلا من إخوانه فدعا لهم،
ثم دعا لنفسه، استجيب له فيهم وفي نفسه.
الأمر الثالث: أن يكون المراد مطلق
المقارنة العرفية يعني أنك إذا دعوت في كل زمان لنفسك، فادع بدعاء عام لإخوانك،
سواء كان قبل دعائك لنفسك أم بعده، أو دعاء عاما له ولهم. وهذا النوع من الاستعمال
كثير في اللغة العربية والمحاورات العرفية كما لا يخفى على العارف البصير، ولا
ينبئك مثل خبير.
- الوجه السابع: ما رواه ثقة الإسلام
الكليني (ره) أيضا، في أصول الكافي(الكافي: ٢ / ٥٠٧ باب الدعاء للإخوان بظهر
الغيب.) عن محمد بن يحيى العطار، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم عن سيف
بن عميرة، عن عمرو بن شمر، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن أبي جعفر (عليه السلام) في
قوله تبارك وتعالى ﴿ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله﴾( سورة
الشورى: ٢٦.) قال (عليه السلام): هو المؤمن، يدعو لأخيه بظهر الغيب، فيقول له
الملك: آمين، ويقول الله العزيز الجبار: ولك مثلا ما سألت وقد أعطيت ما سألت بحبك
إياه.
أقول: السند صحيح عندنا. وحكم
العلامة المجلسي في مرآة العقول(مرآة العقول: ٢ / ٤٦٣ باب فضل الدعاء للمؤمنين.)
بضعفه والظاهر أنه لمكان عمرو بن شمر، لأنه قد صرح بتوثيق جميع رواة هذا الخبر في
وجيزته إلا عمرو بن شمر، فقال: (ضعيف). والأقرب عندي تبعا للعالم المحقق النوري
(ره) في مستدرك الوسائل(الوسائل: ٣ / ٦٣٥ و٨٣٠.) كونه ثقة لرواية جماعة من الأجلاء
عنه، ولأمارات أخر، ذكرها لا يناسب وضع هذا المختصر، ولعدم ثبوت ما رمي به من
الغلو فراجع وتدبر.
وكيف كان فدلالته على المطلوب واضحة
لقوله: ولك مثلا ما سألت، فإنه ظاهر في إجابة ما سأل لأخيه في حق الداعي مع
الزيادة.
وقوله: وقد أعطيت ما سألت بحبك إياه،
يدل على إجابة ما سأل لنفسه ببركة دعائه في حق أخيه الغائب، ويحتمل بعيدا أن يكون
لفظة أعطيت بصيغة المتكلم المبني للفاعل.
يعني أعطيت ما سألت لأخيك الغائب
والله العالم.
فيا أيها الطالب الراغب في نيل
المطالب هل تعرف مؤمنا أكمل إيمانا، وأتم يقينا، وأشد اجتهادا، وأقرب إلى الله
حبا، وأعظم عند الله شأنا، وأرفع جاها من مولاك صاحب الزمان (عليه السلام)؟ فأكثر
الدعاء لمولاك حتى يستجيب الله ببركته دعاك.
الوجه الثامن: أنه قد تقدم ويأتي أن
من فوائد الدعاء لظهوره وتعجيل فرجه كمال الإيمان، وقوة اليقين، والنجاة من وساوس
المشككين والمضلين، وذلك من الأسباب المقتضية لإجابة الدعاء كما أن ضعف اليقين
والشك في أصول الدين مانع عن الإجابة فإذا كان العبد مواظبا في الدعاء لمولاه
(عليه السلام) قوي يقينه وكمل إيمانه وإذا قوي يقينه، وكمل إيمانه رزقه الله تعالى
الإجابة.
- ويدل على ذلك ما رواه ثقة الإسلام
الكليني (ره)( الكافي: ٢ / ٢٠٠ / ح ٩.) في الموثق كالصحيح عن محمد بن مسلم، عن
أحدهما (عليهما السلام) (يعني الباقر والصادق صلوات الله عليهما) قال: قلت: إنا
لنرى الرجل له عبادة واجتهاد وخشوع، ولا يقول بالحق، فهل ينفعه ذلك شيئا؟ فقال
(عليه السلام): يا محمد إن(في نسخة: إنما.) مثل أهل البيت مثل أهل بيت كانوا في
بني إسرائيل، كان لا يجتهد أحد منهم أربعين ليلة إلا دعا فأجيب وإن رجلا منهم
اجتهد أربعين ليلة، ثم دعا فلم يستجب له فأتى عيسى ابن مريم، على نبينا وآله
و(عليه السلام) يشكو إليه ما هو فيه ويسأله الدعاء.
قال (عليه السلام) فتطهر عيسى (عليه
السلام) وصلى، ثم دعا الله (عزَّ وجلَّ) فأوحى الله (عزَّ وجلَّ) إليه: يا عيسى،
إن عبدي أتاني من غير الباب الذي أؤتى منه إنه دعاني وفي قلبه شك منك فلو دعاني
حتى ينقطع عنقه وتنتثر(في نسخة: تنثر.) أنامله ما استجبت له.
قال: فالتفت إليه عيسى (عليه السلام)
فقال: تدعو ربك وأنت في شك من نبيه؟ فقال يا روح الله وكلمته، قد كان والله ما
قلت، فادع الله أن يذهب به عني. قال: فدعا له عيسى صلى الله عليه فتاب الله عليه
وقبل منه وصار في حد أهل بيته.
الوجه التاسع: ما ذكره المجلسي (ره)
في مرآة العقول(مرآة العقول: ٢ / ٤٤٧ باب الصلاة على محمد وآله.) في سر حجب الدعاء
بدون الصلاة على محمد وآله، قال: إن المقصود من إيجاد الثقلين وسائر الموجودات،
والقابل من فيوض الفائضة من بدء الإيجاد إلى ما لا يتناهى من الأزمنة والأوقات، هو
رسول الله وأهل بيته عليهم أفضل الصلوات، فلهم الشفاعة الكبرى في هذه النشأة،
والنشأة الأخرى وبواسطتهم تفيض الرحمات على جميع الورى. إذ لا بخل في المبدأ وإنما
النقص من القابل، وهم القابلون لجميع الفيوض القدسية والرحمات الإلهية فإذا أراد
الداعي استجلاب رحمة من الله تعالى، يصلي عليهم، ولا يرد هذا الدعاء لأن المبدأ
فياض، والمحل قابل، وببركتهم يفيض على الداعي بل على جميع الخلق كما إذا جاء
أعرابي، أو كردي غير مستأهل لشيء من الإكرام إلى باب سلطان، نافذ حكمه في الأنام،
فأمر له ببسط الموائد واختصه بأنواع العوائد نسبه العقلاء إلى قلة العقل، وسخافة
الرأي، بخلاف ما إذا أمر بذلك لأحد من مقربي حضرته، وأمراء جنده أو لرسول أحد من
سلاطين عصره فحضر هذا الأعرابي أو الكردي تلك المائدة فأكل منها، يكون مستحسنا، بل
لو منع منها يكون مستقبحا بظاهر النظر. إنتهى كلامه رفع مقامه.
أقول: لا يخفى أن هذا الوجه يجري في
الدعاء لمولانا صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه حرفا بحرف وهذا واضح بأدنى نظر
لمن تبصر واعتبر.
الوجه العاشر: ما ذكره هذا الفاضل
العلام في ذاك المقام أيضا، فقال: إنهم صلوات الله عليهم وسائط بيننا وبين ربنا
تقدس وتعالى في إيصال الحكم والأحكام منه إلينا، لعدم ارتباطنا بساحة جبروته،
وبعدنا عن حريم ملكوته، فلا بد أن يكون بيننا وبين ربنا سفراء وحجب ذوو جهات
قدسية، وحالات بشرية، يكون لهم بالجهات الأول ارتباط بالجناب الأعلى، يأخذون عنه،
ويكون لهم بالجهات الثانية مناسبة للخلق، يلقون إليهم ما أخذوا من ربهم.
ولذا جعل الله سفراءه وأنبياءه ظاهرا
من نوع البشر، وباطنا مباينين عنهم في أطوارهم وأخلاقهم، ونفوسهم وقابلياتهم فهم
مقدسون روحانيون قائلون: ﴿إنما أنا بشر مثلكم﴾ لئلا ينفر عنهم أمتهم، وليقبلوا
منهم، ويأنسوا بهم فكذلك في إفاضته سائر الفيوض والكمالات.
هم وسائط بين ربهم وبين سائر
الموجودات، فكل فيض وجود يبتدئ بهم، ثم ينقسم على سائر الخلق، فالصلوات عليهم
استجلاب للرحمة من معدنها، وللفيوض إلى مقسمها، لتنقسم على سائر البرايا، بحسب
استعداداتها وقابلياتها. إنتهى كلامه قدس سره.
أقول: وهذا الوجه أيضا يجري في
المقام، كما لا يخفى على ذوي الأفهام فهذه الوجوه عشرة كاملة. يقتضي كون الإجابة
للداعي شاملة بسبب دعائه لمولانا القائم عليه الصلاة والسلام الدائم، والله الموفق
وهو العاصم.
بيان المكرمة الرابعة عشرة
الدعاء للإمام المهدي عليه السلام
من أسباب استجابة دعاء الإنسان لنفسه
تُبرز هذه المكرمة بُعدًا دقيقًا من
أبعاد الدعاء للإمام المهدي عليه السلام، وهو أن أثر هذا الدعاء لا يقف عند الثواب
المترتب على الدعاء للإمام، ولا عند ما يتصل بتعجيل الفرج فحسب، بل يمتد ـ بحسب ما
قرره المؤلف ـ إلى دعاء الإنسان نفسه وحوائجه الشخصية؛ فالدعاء للإمام يمكن أن
يكون سببًا وواسطةً في تهيئة دعاء العبد للاستجابة.
ومن هنا فمحور المكرمة ليس أن كل ما
يطلبه الإنسان يتحقق بمجرد اقترانه بالدعاء للإمام على النحو الحتمي المطلق، وإنما
بيان أن الدعاء للإمام عليه السلام يشتمل على مقتضيات وأسباب قوية للاستجابة، وقد
أقام المؤلف على ذلك مجموعة من الوجوه العقلية والنقلية، تكشف بمجموعها عن قاعدة
مهمة في آداب الدعاء: أن العبد كلما خرج في دعائه من دائرة «الأنا» إلى دائرة
الاهتمام بحجة الله وعباده، كان دعاؤه أقرب إلى أبواب القبول.
أولًا: منهج المؤلف في الاستدلال
يمتاز استدلال المؤلف في هذه المكرمة
بأنه لم يعتمد على طريق واحد، وإنما جمع بين التحليل العقلي، والقواعد المستفادة
من الروايات، وآداب الدعاء، وآثار الولاية والإيمان.
فهو ينطلق أولًا من أن الدعاء بتعجيل
فرج الإمام عليه السلام دعاء عظيم الشأن، ثم يبحث عن أثر اقترانه بدعاء الإنسان
لنفسه. ومن هنا جاءت الوجوه التي ذكرها مترابطة؛ فبعضها يرجع إلى تقوية مقتضي
الاستجابة، وبعضها إلى رفع موانعها، وبعضها إلى إحاطة دعاء الإنسان بأدعية
مستجابة، وبعضها إلى أن الدعاء للإمام من أوسع مصاديق الدعاء العام الذي جاءت
الروايات بكونه أوجب للإجابة.
وبذلك تتحول المكرمة من إثبات فضيلة
جزئية إلى بناء تصور متكامل عن العلاقة بين الدعاء للإمام واستجابة الدعاء.
ثانيًا: إحاطة الحاجة الشخصية
بدعاء عظيم الشأن
أول الوجوه التي يعتمد عليها المؤلف
أن الإنسان إذا جعل الدعاء للإمام عليه السلام في أول دعائه وآخره، وجعل حاجته
الشخصية بينهما، كان ذلك من أسباب رجاء قبول ما توسط بين الدعاءين.
وقد استأنس المؤلف لذلك بما ورد في
الصلاة على محمد وآل محمد عليهم السلام، من أن الداعي يبدأ بالصلاة عليهم، ثم يسأل
حاجته، ثم يختم بالصلاة عليهم؛ لأن الله تعالى أكرم من أن يقبل الطرفين ويترك
الوسط.
والنكتة العلمية هنا أن المؤلف لا
يساوي بين الصلاة على محمد وآل محمد وبين الدعاء بتعجيل الفرج من جميع الجهات،
وإنما يستفيد من عموم التعليل الوارد في الرواية؛ أي إن وقوع حاجة العبد بين أمرين
عظيمين مقبولين عند الله يكون من موجبات رجاء قبول ما بينهما.
ومن هنا يمكن أن نفهم الدعاء للإمام
عليه السلام بوصفه نوعًا من تهيئة المناخ الروحي لقبول الحاجة؛ فالإنسان لا يدخل
على الله بحاجته مباشرة، وإنما يقدم بين يديها ما هو أحب وأعظم وأقرب إلى المشروع
الإلهي العام.
ثالثًا: الاستجابة تقوم على وجود
المقتضي وارتفاع المانع
من أدق النكات في هذه المكرمة أن
المؤلف ينظر إلى استجابة الدعاء بمنطق المقتضي والمانع؛ فليس البحث في وجود سبب
الإجابة فقط، وإنما في الموانع التي قد تحول دون تأثير ذلك السبب.
وقد ذكر أن الذنوب والسيئات قد تكون
من موانع استجابة الدعاء، ثم ربط ذلك بما سيأتي من أن الدعاء للإمام عليه السلام
من أسباب غفران الذنوب. وعلى هذا الأساس يصبح للدعاء للإمام أثران متكاملان: فهو
من جهة يقوّي أسباب القبول، ومن جهة أخرى يساهم في إزالة بعض الموانع.
وهذه نكتة تربوية مهمة؛ لأن الإنسان
قد يكثر من الطلب، لكنه لا يلتفت إلى إصلاح قابلية الداعي. أما الدعاء للإمام عليه
السلام فلا يغيّر مضمون الدعاء فقط، بل يساهم ـ بحسب منظومة المكارم التي يبنيها
المؤلف ـ في تغيير الداعي نفسه: إيمانًا، ويقينًا، وولاءً، ومحبةً، وتوبةً، فيصبح
أكثر استعدادًا للإجابة.
رابعًا: من دعائك للإمام إلى دعاء
الإمام لك
ينتقل المؤلف بعد ذلك إلى وجه أعمق،
وهو أن من آثار الدعاء للإمام عليه السلام أن يكون الداعي مشمولًا بدعائه وعنايته.
وهنا تتبدل صورة المسألة تمامًا؛ لأن
الإنسان حين يدعو للإمام لا يبقى هو الطرف الوحيد في الدعاء، بل يرجو أن يقابَل
دعاؤه بدعاء الإمام له. وإذا كان المؤمن يرجو الخير من دعاء أخيه المؤمن، فكيف
بدعاء حجة الله ووليه وصاحب المقام الأعظم في عصره؟
وعلى هذا تصبح العلاقة تبادلية في
الدعاء: أنت تدعو لولي الله، ومن بركات ذلك أن تكون محلًا لدعائه وعنايته. وحينئذ
لا تكون قوة الرجاء في استجابة حاجتك ناشئة من دعائك وحدك، بل مما يرجى أن ينضم
إليه من دعاء الإمام لك.
خامسًا: الدعاء للفرج من أعظم
مصاديق تعميم الدعاء
من أهم ما أسسه المؤلف في هذه
المكرمة الاستدلال بقول النبي صلى الله عليه وآله: «إذا دعا أحدكم فليعم، فإنه
أوجب للدعاء».
وقد حلل المؤلف معنى تعميم الدعاء،
وبيّن أنه لا ينحصر في أن يقول الإنسان: «اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات»، بل قد
يتحقق التعميم بأن يطلب أمرًا يعم نفعه جميع المؤمنين.
وهنا تظهر خصوصية الدعاء بتعجيل
الفرج؛ لأن الداعي وإن قال: «اللهم عجل فرج وليك»، فإنه في الحقيقة يدعو بمضمون
يعود نفعه على مجموع أهل الإيمان؛ إذ إن ظهور الإمام عليه السلام يعني انتشار
العدل، وارتفاع الظلم، وانكشاف العلوم، وانتشار البركات، وأمن البلاد، وصلاح
العباد.
ومن هنا يصل المؤلف إلى نكتة بالغة
الدقة: أن قول الإنسان:«اللهم عجل فرج مولانا صاحب الزمان»
أوسع دائرةً من قوله:«اللهم اجعل لي
من أمري فرجًا»؛لأن الثاني طلب فرج شخص واحد، أما الأول فطلب فرج مشروع يمتد أثره
إلى الأمة بأجمعها.
وهنا تتحول أولوية الدعاء للفرج من
مجرد أدب وجداني إلى قاعدة في هندسة الدعاء: كلما اتسعت دائرة الخير الذي يطلبه
العبد، خرج دعاؤه من ضيق المصلحة الفردية إلى سعة الرحمة العامة.
سادسًا: الدعاء للإمام تطبيق لأدب
تقديم الآخرين
ويعضد المؤلف هذا المعنى بما ورد في
الروايات من تقديم المؤمنين في الدعاء، ومن ذلك ما روي فيمن قدم أربعين مؤمنًا
فدعا لهم ثم دعا لنفسه.
وهذا يكشف عن سنة روحية في باب
الدعاء، وهي أن الإيثار في الدعاء من أسباب القبول؛ فالإنسان الذي لا يجعل نفسه
مركز كل طلباته، وإنما يقدم غيره على نفسه، يكون أقرب إلى روح العبودية والرحمة.
وإذا كان تقديم عامة المؤمنين في
الدعاء موجبًا لهذه البركة، فإن تقديم الإمام المهدي عليه السلام يكتسب خصوصية
مضاعفة؛ لأنه أكمل المؤمنين، وحجة الله على خلقه، ولأن الحاجة التي ندعو له بها
ليست حاجة شخصية منفصلة عن الأمة، بل هي فرج يعود خيره على الجميع.
فالدعاء للإمام يجمع بين أمرين:
تقديم أفضل المؤمنين في الدعاء، وطلب أعم منفعة للمؤمنين.
سابعًا: دعاء الملائكة يحوّل
العطاء من الواحد إلى المضاعف
ويستدل المؤلف أيضًا بما ورد في
الدعاء للمؤمن بظهر الغيب، وأن الملك يقول للداعي: «آمين»، ويكون له مثل ما دعا به
لأخيه.
والنكتة هنا أن الإنسان حين يدعو
لغيره لا يخسر نصيبه، بل قد يكون طريق حصوله على نصيبه هو خروجه من الانشغال
بنفسه. فالمنطق الروحي للدعاء يختلف عن المنطق المادي؛ في عالم المادة قد يكون
إعطاء الآخر نقصانًا من نصيب الإنسان، أما في عالم الدعاء فإن إعطاء الآخر من قلبك
ولسانك قد يعود إليك بمثله أو بأفضل منه.
ومن هنا ينقل المؤلف القضية إلى
الإمام المهدي عليه السلام: فإذا كان الدعاء للمؤمن الغائب بهذه المنزلة، فالدعاء
لأكمل المؤمنين وأعظمهم شأنًا وأقربهم إلى الله تعالى أجدر بأن يكون من أبواب
البركة في دعاء الإنسان لنفسه.
ثامنًا: الدعاء للفرج يعالج
الداعي قبل أن يحقق مطلوبه
ومن أعمق وجوه المكرمة أن المؤلف لا
يحصر أسباب الاستجابة في كيفية صياغة الدعاء، بل يربطها بالبنية الإيمانية للداعي.
فالمداومة على الدعاء للإمام عليه
السلام تزيد معرفة الإنسان بإمامه، وتقوي يقينه، وتعمق ارتباطه بالحجة، وتبعده عن
الشكوك والوساوس؛ وهذه كلها تؤثر في حقيقة توجهه إلى الله تعالى.
وهنا تتجلى قاعدة مهمة:الدعاء
المستجاب لا يتعلق بالمطلوب وحده، بل بالداعي أيضًا.
فقد تكون المشكلة أحيانًا ليست في
الحاجة، وإنما في القلب الذي يطلبها. ولذلك فإن من آثار الدعاء للإمام أنه يبني في
الإنسان الإيمان واليقين اللذين يجعلان دعاءه أصدق وأقوى وأقرب إلى القبول.
وهذا يفسر استشهاد المؤلف بالرواية
التي تبين أثر سلامة الاعتقاد في قبول الدعاء؛ ليؤكد أن باب الإجابة مرتبط بصحة
الطريق إلى الله، لا بمجرد كثرة الألفاظ والطلبات.
تاسعًا: من الدعاء الفردي إلى فقه
الأولويات في الدعاء
تكشف هذه المكرمة في عمقها عن فقه
للأولويات في الدعاء. فالإنسان بطبيعته يبدأ من آلامه وحاجاته: رزقه، ومرضه،
وأسرته، ومشكلاته. وهذه مطالب مشروعة، لكن التربية المهدوية توسع أفقه ليبدأ من
حاجة الحجة ومشروع الدين والأمة.
والمفارقة التي تكشفها المكرمة أن
الإنسان عندما يقدم الحاجة الكبرى لا تضيع حاجته الصغيرة؛ بل قد يكون تقديم الكبرى
طريقًا إلى قضاء الصغرى.
فليس المطلوب أن يترك الإنسان الدعاء
لنفسه، وإنما أن يعيد ترتيب منظومة حاجاته: يبدأ بحجة الله، ويدعو للمؤمنين، ثم
يذكر نفسه. وبهذا ينتقل الدعاء من منطق «ماذا أريد أنا؟» إلى منطق «ماذا يريد الله
لدينه وحجته وعباده؟»وهذا التحول نفسه من أعظم ثمرات الدعاء للفرج.
عاشرًا: المكرمة تؤسس لنظرية
«الفرج الجامع»
يمكن استخلاص نتيجة مركزية من مجموع
كلام المؤلف، وهي أن فرج الإمام عليه السلام فرج جامع؛ ولذلك كان الدعاء له جامعًا
أيضًا.
فالإنسان حين يدعو بفرج نفسه يطلب
رفع مشكلة محدودة، أما حين يدعو بفرج الإمام فإنه يدعو لظهور العدل، وإحياء الدين،
ونصرة المظلوم، وانتشار العلم، وارتفاع الجهل، ودفع البلاء، وانتشار البركات، وأمن
البلاد وسلامة العباد.
ولهذا كان الدعاء للفرج من أوسع
مصاديق الدعاء العام، ومن هنا نفهم سر ارتباطه باستجابة الحاجات الشخصية: لأن
الداعي قدّم الحاجة الجامعة على حاجته الجزئية.
فالعبد يقول بلسان حاله: يا رب، لا
أريد فرجي وحدي؛ أريد فرج وليك وفرج دينك وعبادك، ثم أطلب فرجي في ضمن ذلك الخير
الكبير.
وهذه هي النقلة التي تصنعها المكرمة
الرابعة عشرة: إنها لا تقول للمنتظر فقط «ادعُ للإمام لكي تُقضى حاجتك»، فإن هذا
قد يعيد الدعاء إلى دائرة المصلحة الشخصية؛ بل تريد أن تربيه على معنى أرفع:
اجعل حاجة إمامك مقدمة على حاجتك،
واجعل فرج الأمة أكبر في قلبك من فرجك الشخصي، وعندئذٍ يصبح دعاؤك للإمام نفسه من
أعظم الأسباب التي ترجو بها قضاء حاجتك.
وبهذا تتكامل المكرمة الرابعة عشرة
مع المكرمة السابقة؛ ففي الثالثة عشرة كان الدعاء للإمام وسيلة إلى الله، وفي
الرابعة عشرة تظهر ثمرة من ثمرات سلوك هذه الوسيلة، وهي أن الدعاء للإمام يصبح
وسيلةً لاستجابة دعاء الإنسان نفسه.
فالأولى تحدد طريق القرب، والثانية
تكشف عن بركة هذا الطريق في باب الإجابة.

تعليقات
إرسال تعليق