الحكاية الثالثة الشيخ الأنصاري في منزل الإمام (عليه السلام)
الحكاية
الثالثة الشيخ الأنصاري في منزل الإمام (عليه السلام)
هذه الحادثة تتّصل بحياة وسيرة العالم الشيعي الكبير الفقيه
الأعظم المرحوم الشيخ مرتضى الأنصاري الّذي كرّس حياته الشريفة لخدمة الشريعة
المقدّسة بكلّ قدراته وإمكانياته سرّاً وجهراً.
نقل أحد تلاميذ المرحوم الشيخ
الأنصاري ما يلي: وفّقت لزيارة الإمام أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) في إحدى
زياراته الخاصّة. خرجت من المنزل بعد منتصف الليل قاصداً الحمام لغسل الزيارة ثمّ
التوجّه للحرم الشريف. وكانت ليلة مظلمة والأزقّة غير معبّدة وقد حملت معي سراجاً
لرؤية الطريق، فرأيت من بعيد شخصاً شبيهاً بالشيخ الأنصاري ولمّا اقتربت منه وإذاً
هو الشيخ نفسه، فاستغربت لخروجه في هذا الوقت وفي مكان يصعب المشي فيه لوجود الحفر
والطين في الزقاق ولكون بصره ضعيفاً. فقلت في نفسي إلى أين يريد؟ ولأنّي خفت عليه
من التعرّض إلى خطر قصدته حتّى وقف على باب بيت قديم وبدا بقراءة زيارة الجامعة
الكبيرة بتوجّه خاصّ ثمّ دخل البيت. بعدها لم أعد أري الشيخ ولكن كنت أسمع صوته
وكأنّه يتحدّث مع شخص. رجعت بعدها وقصدت الحمّام ثمّ تشرّفت بزيارة الحرم، فرأيت
الشيخ هناك.
وبعد انتهاء زيارتي وسفري رجعت إلى
النجف الأشرف وهناك ذكرت للشيخ ما جري لي. يقول في البداية أنكر الشيخ الأنصاري
ذلك وبعد الإصرار والشدّة في الطلب منّي قال لي الشيخ: احياناً يؤذن لي بالتشرّف
بخدمة إمام العصر عجّل الله تعالى فرجه الشريف وأذهب إلى ذلك المنزل الّذي سوف لا
تجده أنت، وأزور بزيارة الجامعة، وإذاً ما أذن لي ثانياً سوف أتشرّف بخدمته وأسأل
منه عن الاُمور اللازمة.
ثمّ قال الشيخ: ما دمت حياً لا يجوز
أن تذكر ذلك لأحد(حياة وشخصية الشيخ الأنصاري: ١٠٦.).
تعليق السيد مرتضى المجتهدي
السيستاني:
نعم هكذا شخصيات كبيرة وعالمة بالطريق هي الّتي
تحمل استعداداً كاملاً لظهور الإمام أرواحنا فداه. لا اُولئك الّذين يؤولّون
الآيات القرآنية ويحاربون الإمام في زمان ظهوره. رمز الموفقيات وسرّ المحروميات من
الممكن أن يرد في الأذهان سؤال هو: كيف تمكن المرحوم الشيخ الأنصاري أنّه كلّما
حصل على إذن تشرّف بالحضور عند منزل الإمام أرواحنا فداه وبزيارة الجامعة الكبيرة
والإذن الثاني يتشرّف بالدخول في المنزل ويتكلّم مع إمامه العطوف؟ كيف تمكن الشيخ
أن يوفّق لذلك؟ بينما تلميذه يري منزل الإمام أرواحنا فداه ولم يحصل على ذلك الافتخار
الكبير الّذي حصل عليه استاذه الكبير، والّذي قال له: أنت سوف لا تجد ذلك المنزل؟!
هذا السؤال المهمّ بحاجة إلى جواب مقنع. ممّا يؤسف له أنّ البعض قد يجيب على هكذا
أسأله بجواب سريع وجاهز ومبهم، يجيب مثلًا: هذه إرادة الله، أو أنّ الله تعالى
يقرّب البعض وليس لسائر الناس قرب معه - نعود بالله - وليس لسائر الناس ارتباط
وعمل مع خالقهم! -نعوذ بالله - هكذا أجوبة هي في الواقع لدفع المسؤولية عن
الإنسان، وهي أجوبة غير تامّة. ولذا سوف لا تكون أجوبة مقنعة ولا تكون أجوبة تهدي
الإنسان إلى طريق نافع.
المصدر : الانتظار تأليف: السيد
مرتضى المجتهدي السيستاني ترجمة: السيد الزاملي
رشحات من اللقاء
1.
للإمام أبواب لا تُفتح بالإرادة وحدها
أعمق كلمة في الحكاية قول الشيخ
الأنصاري: «أحيانًا يؤذن لي». فالتشرف ليس اقتحامًا لمقام الإمام، ولا نتيجة آلية
لعمل مخصوص؛ وإنما هو إذن وعناية. قد يصل العبد إلى الباب، ولكن فتح الباب شأن
آخر.
2. قد
يكون الولي قريبًا وأنت لا تعرف الطريق إليه
قال الشيخ عن المنزل: «الذي سوف لا
تجده أنت». وهذه العبارة تتجاوز جدران المنزل إلى معنى أعمق: ليست المشكلة دائمًا
في بُعد الإمام، بل ربما في عدم معرفتنا بالطريق الذي يصل إليه. يسير اثنان في
الزقاق نفسه؛ فيراه أحدهما طريقًا عاديًا، ويجده الآخر طريقًا إلى الحجة عليه
السلام.
3. الشيخ
الأنصاري كان يحمل سرًّا أكبر من شهرته
عرفه الناس بالفقيه والأصولي وصاحب
الرسائل والمكاسب، ولكن الحكاية ـ على فرض ثبوتها ـ تكشف عن صفحة أخرى: حياة خفية
بين العبد وإمامه. وما أكثر ما نعرف من العلماء علمهم، ولا نعرف من أسرار عبوديتهم
إلا القليل.
4.
الطريق إلى الإمام يبدأ بالأدب قبل اللقاء
لم يدخل الشيخ المنزل مباشرة، وإنما
وقف عند الباب وقرأ الزيارة الجامعة الكبيرة بتوجه خاص. وكأن اللقاء له مقدمة:
معرفة مقام أهل البيت، والسلام عليهم، واستحضار منزلتهم، ثم الدخول. فمن أراد
القرب من الإمام، فليتعلم أولًا كيف يقف على بابه.
5.
الإمام مرجع العالم في حيرته
من أنفس عبارات الحكاية: «وأسأل منه
عن الأمور اللازمة». فإذا صح النقل، فهي تكشف أن الشيخ، على ما بلغه من قمة
الفقاهة، لم يرَ علمه مغنيًا عن إمام زمانه؛ بل بقي يرى نفسه محتاجًا إلى صاحب
العلم الحقيقي. كلما ازداد العالم علمًا، ازداد إدراكًا لفقره إلى الحجة.
6.
التشرف لم يصنع من الشيخ رجلًا يتحدث عن تشرفاته
لعل هذه من أجمل الرشحات. لم يجعل
الشيخ اللقاء عنوانًا لمكانته، بل أنكره أولًا، ثم لم يكشفه إلا بعد الإلحاح،
واشترط الكتمان في حياته. فالقرب الحقيقي من الإمام لا يصنع ضجيجًا حول صاحبه، بل
قد يزيده خفاءً وتواضعًا.
7. بعض
الكرامات تُصان بالكتمان
قوله: «ما دمت حيًا لا يجوز أن تذكر
ذلك لأحد» يفتح بابًا مهمًا في التربية الروحية: ليست كل نعمة قابلة للنشر. بعض
العطايا الإلهية يحفظها العبد بينه وبين الله، لأن سرّ القرب قد يفسده حب الظهور.
8. ليس
كل من رأى الطريق أُذن له بالدخول
التلميذ رأى الشيخ، ورأى المنزل،
وسمع الصوت، لكنه لم يدخل. والشيخ دخل. فالقرب المكاني من أهل القرب لا يساوي
القرب المقامي. قد يشاهد الإنسان آثار الأولياء، ولكنه يحتاج إلى بناء نفسه حتى
يصبح من أهل الباب.
الرشحة
الأعمق: لا تطلب المنزل... اطلب الإذن
ربما تختصر الحكاية كلها في هذه
الكلمة: «يؤذن لي»نحن كثيرًا ما نفتش عن المكان: أين التقى؟ وفي أي منزل؟ وفي أي
ليلة؟ وما العمل الذي قرأه؟ بينما الحكاية تحول السؤال من «أين المنزل؟» إلى «كيف
أصبح من أهل الإذن؟».
فالمنزل الذي دخله الشيخ ـ بحسب
الحكاية ـ قد لا نجده، والزقاق قد يتغير، والباب قد يختفي؛ ولكن أبواب التهيؤ
للإذن باقية: التقوى، والورع، وخدمة الدين، والإخلاص، ومعرفة الإمام، وكثرة ذكره،
والقيام بحقوقه.
لا تبحث عن عنوان البيت الذي دخله
الشيخ الأنصاري؛ ابحث عن السرّ الذي جعل الباب يُفتح له. فالمشكلة ليست أن نعرف
أين الإمام، بل أن نصبح ممن يُؤذن لهم بالقرب منه.

تعليقات
إرسال تعليق