القائمة الرئيسية

الصفحات

دراسة تحليلية في المكارم التسعين في كتاب مكيال المكارم المكرمة الثامنة عشر

 


المكرمة الثامنة عشرة: غفران الذنوب









المتن المكرمة الثامنة عشرة


- ويدل على ذلك مضافا إلى أنه مقتضى شفاعة خاتم النبيين وخاتم الوصيين ما في تفسير الإمام (عليه السلام)، عن النبي (صلى الله عليه وآله). قال: والذي بعثني بالحق نبيا إن رجلا من شيعتنا يكون له ذنوب وخطايا أعظم من جبال أحد ومن الأرض والسماء كلها بأضعاف كثيرة، فما هو إلا أن يتوب ويجدد على نفسه ولايتنا أهل البيت إلا كأن قد ضرب بذنوبه الأرض أشد من ضربة عمار هذه الصخرة بالأرض الخبر.

أقول: الظاهر أن تجديد الولاية هو إظهار ما يدل على التزام الإنسان بولاية الأئمة الطاهرين (عليهم السلام)، وانقياده لهم، وركونه إليهم، ولا ريب أن ذلك يحصل بالدعاء لفرج مولانا صاحب الزمان، وطلب ظهوره من الخالق المنان لأنه كاشف عن الانتظار لفرجهم وعلامة للالتزام بولايتهم وإلا فأصل الاعتقاد القلبي غني عن التجديد. وإن كان قابلا للمزيد وما ذكرناه واضح لمن ألقى السمع وهو شهيد.

بيان المكرمة الثامنة عشرة

هذه المكرمة من المكارم التي تحتاج إلى إبراز طريقة استدلال الميرزا أكثر من مجرد شرح الرواية؛ لأنه في الحقيقة لم يستدل على غفران الذنوب مباشرة بالدعاء، وإنما أقام استدلالاً على مراحل، ثم أوصل النتيجة إلى الدعاء للإمام.

وأقترح أن تكون معالجتها بهذا المنهج:

الدعاء للإمام المهدي عليه السلام سببٌ لغفران الذنوب

حديث المؤلف

استدل الميرزا برواية مروية في تفسير الإمام عليه السلام، مضمونها أن من جدد ولايته لأهل البيت عليهم السلام بعد التوبة، غفر الله له ذنوبه وإن كانت أعظم من الجبال. ثم انتقل إلى بيان أن الدعاء بتعجيل فرج الإمام المهدي عليه السلام يعد من أبرز مصاديق تجديد الولاية، لأنه يكشف عن التزام الداعي بولايته، وانتظاره لظهوره، وخضوعه لإمامته، ومن هنا استنتج أن الدعاء للإمام سبب لنيل مغفرة الذنوب.

منهج المؤلف في الاستدلال

لم يرد في الرواية أن الدعاء للإمام يغفر الذنوب، وإنما ورد أن تجديد الولاية سبب لغفران الذنوب.

وهنا قام الميرزا بخطوة استنباطية دقيقة، ففسر تجديد الولاية بأنه كل عمل يُظهر التمسك بالإمام والانقياد له، ثم جعل الدعاء بتعجيل فرجه أوضح مصاديق هذا التجديد؛ لأنه إعلان دائم للولاء، وتجديد للعهد، وإظهار للشوق إلى ظهوره، فانتقل من الكبرى إلى الصغرى، ثم انتهى إلى النتيجة، وهي أن الدعاء للإمام سبب لغفران الذنوب.

وهذا يكشف عن أن الميرزا لا يقتصر على نقل الروايات، بل يستثمر القواعد العامة ليستنبط منها آثاراً جديدة.

الفائدة الأولى: الولاية حقيقة متجددة وليست حادثة تقع مرة واحدة

من أعمق ما يستفاد من كلام الميرزا أن الولاية ليست مجرد اعتقاد ينعقد في بداية حياة الإنسان ثم يبقى ساكناً، وإنما هي رابطة تحتاج إلى تجديد دائم. ولذلك لم يحمل لفظ «تجديد الولاية» على أصل الاعتقاد القلبي؛ لأن الاعتقاد ثابت، وإنما حمله على تجديد مظاهر الانقياد والولاء والطاعة. وبهذا يصبح الدعاء للإمام ممارسةً مستمرة تحفظ حرارة الولاية في قلب المؤمن، فلا تبقى فكرة جامدة، بل تتحول إلى حياة متجددة.

الفائدة الثانية: الدعاء للإمام إعلان عملي للولاء

يريد الميرزا أن يقرر أن الدعاء للإمام ليس ألفاظاً تُردد، وإنما هو موقف عقدي. فكلما دعا المؤمن بتعجيل الفرج أعلن أنه ينتظر إمامه، ويرضى بقيادته، ويتمنى قيام دولته، ويؤمن بحضوره. ولذلك عدَّ الدعاء من أوضح الشواهد العملية على صدق الولاية، لأن الإنسان إنما يدعو لمن ارتبط قلبه به، وعقد ولاءه له.

الفائدة الثالثة: مغفرة الذنوب ثمرة لتعميق الولاية

لم يجعل الميرزا مغفرة الذنوب أثراً مجرداً للدعاء، بل ربطها بأصل أعمق، وهو الولاية. فالغفران هنا ليس ناشئاً من مجرد حركة اللسان، وإنما من حقيقة القلب التي يظهرها الدعاء، لأن الدعاء علامة على صدق الانتماء لأهل البيت عليهم السلام، والولاية الصادقة سبب لاستنزال الرحمة الإلهية، وإذا نزلت الرحمة شملت مغفرة الذنوب.

الفائدة الرابعة: الميرزا يربط الباطن بالظاهر

منهج الميرزا في هذه المكرمة قائم على الربط بين العمل الظاهر والحقيقة الباطنة. فالباطن هو الولاية، والظاهر هو الدعاء للإمام. ولما كان الظاهر كاشفاً عن الباطن، رتب عليه آثار الباطن، ومنها غفران الذنوب. وهذه قاعدة منهجية تتكرر في الكتاب، وهي أن الأعمال الظاهرة إذا كانت صادرة عن حقيقة إيمانية أصبحت طريقاً إلى الآثار الإلهية الكبرى.

الفائدة الخامسة: الانتظار نفسه طريق إلى التوبة

في ختام كلامه يلفت الميرزا إلى أن الدعاء بتعجيل الفرج كاشف عن انتظار الإمام، والانتظار بدوره كاشف عن تعلق القلب بالولاية. فكأن المؤمن كلما أكثر من الدعاء للإمام، جدد بيعته، وجدد ولاءه، وجدد توبته، ولذلك كانت مغفرة الذنوب ثمرة طبيعية لهذه العلاقة المتجددة مع الإمام الحجة عليه السلام، لا أثراً منفصلاً عنها.

نكتة استنباطية

هذه المكرمة تكشف عن قاعدة دقيقة في منهج الميرزا، وهي أنه لا يقتصر على منطوق الرواية، بل يستثمر ملاكاتها. فالرواية تحدثت عن تجديد الولاية، أما الدعاء للإمام فلم يذكر فيها، إلا أن الميرزا أثبت أنه من أوضح مصاديق هذا التجديد، ثم بنى عليه أثر المغفرة. وهذه من أجمل نماذج الاستنباط في مكيال المكارم؛ لأنها تبين كيف ينتقل المؤلف من النص إلى القاعدة، ومن القاعدة إلى التطبيق، ومن التطبيق إلى المكرمة.

تعليقات