الحكاية
السابعة يا
شيخ حسين، أنت تشاك أيضاً؟
نقله السيد مهدوي نيا ، قال: قد قرأنا مع الحاج شيخ
حسين الفاضلي في يوم الجمعة دعاء الندبة خلف الركن اليماني وكنا بحالي طيبة وجيدة
عندما انتهت قراءة الدعاء حيث أن له حكاياة عديدة عن الحجة لا قلت هل تشرفتم
بزيارته ، في بيت الله الحرام؟ أجاب بتعجب: هاهنا بيت الإمام الله لقد كان أغلب
صلاته يقيمها هنا في بيت الله الحرام، وهل لا يمكن التشرف في بيته الا؟ قلت: بينوا
لي واحدة منها.
قال: قمت في إحدى المرات بحج واجب
النفسي، وبعده متى ما جنت إلى الحج.
نويته نيابة عن الإمام الحجة . في
أحدى المرات التي تشرفت إلى الحج ونويته عنه ، كانت ليلة الحادي عشر من ذي الحجة،
وقد عدنا من منى إلى مكة المكرمة لأداء ما بقي من أعمال الحج، وبينما كنت أطوف
تغيرت حالي، ولما وصلت للسعي بين الصفا والمروة بكيت كثيراً، وقلت: ماذا يكون لو
أحصل على قطعة من النقود كالتي أعطيتها للسيد بحر العلوم والعلامة الحلي والسيد
ابن طاووس، أن أحصل أنا مثلها - مخاطباً الإمام المهدية - ؟ كنت أذرف الدموع،
وأجهش بالبكاء وأقول:
گلی گم کرده ام می جویم او را
به هر گل می رسم می بویم او را
جنت وأذيت طواف النساء، ووقفت الأصلي
خلف المقام، لما صليت ركعتي الطواف وضعت رأسي على حجر المسجد الحرام، وأخذت أجهش
بالبكاء بشدة، رفعت رأسي من السجود، رأيت سيداً جليل القدر قادم نحوي من جهة حجر
إسماعيل قمت وسلمت عليه، فأجاب على سلامي، وقال: يا شيخ حسين، أحب أن تصلي ركعتين
لأمي نرجس، قلت: الصلاة، أنا لا أليق لهذا أن تطلب مني أن أصلي لأمك؟ قال: لا،
عليك، فصلاتك تقبل، صل، قلت: سمعاً وطاعة، تفضلوا أي صلاة أصلي؟ قال: مثل تلك
الصلاة التي تصليها كل يوم لابنها المهدي.
كان يقول: لقد اعتدت أن أصلي كل يوم
صلاة الحجة المعروفة، لسلامته ولتعجيل فرجه، قمت وصليت ركعتي صلاة الحجة، وبعد أن
فرغت، رأيت وكان حائلاً من حولي لشدة زحام الحجاج، وقد كنت خلف المقام، ولكن لم
يزاحمتي أحد، انتهت صلاتي، فقلت في نفسي: لا يكون هذا السيد قد ذهب من هنا ؟
فرأيته جالساً إلى جانبي أدخل يده في جيبه، وأخرج منه قدراً من المال وأعطانيه،
قلت: التي لم أصل الأخذ المال، فقال: إذا ماذا قلت وأنت في السعي بين الصفا
والمروة: إننا نهب النقود للعلامة بحر العلوم والعلامة الحلي والسيد ابن طاووس،
فهذه مثل تلك النقود.
خذها، أخذتها، وقبلت بديه الشريفتين،
ومسحت بهما عيني
قلت: سيدي، بين العلماء اختلاف في
اله يمكن الوصول إلى الإمام الحجة مية في عصر الغيبة أم لا ؟ وهل يمكن معرفته أم
لا ؟ فقال: يا شيخ حسين، أنت تشاك أيضاً؟ قلت: أنا على يقين، لكنني أحب أن أسمع
الجواب من شفتيك المباركتين العطرتين، قال: تتذكر قضية إخوة يوسف قلت: بلى، قال: كيف أن بنيامين وحده هو الذي
عرف أحاد يوسف؟ وكنت أنا أبكي فقط، وأضاف السيد لأنهم كانوا عصاة مذنبون ماذا تفعل
نحن؟ يأتينا الشيعة، ولكن ذنوبهم ومعاصيهم تمنع من أن يعرفوننا، قال هذا وغاب علي
ولم أره( [1]).
رشحات
القصة
الأولى:
الحج عن الإمام طريقٌ لإبقاء الإمام حاضرًا في العبادة
فالحاج لم يجعل الحج لنفسه فقط، بل
اعتاد بعد حجته الواجبة أن يحج نيابةً عن الإمام عليه السلام؛ وفي ذلك انتقال من
مجرد تذكّر الإمام إلى إشراكه في أفضل أعمال القربات.
الثانية:
الشوق الصادق يطلب علامةً من المحبوب
لم يكن طلبه للنقود طلبًا للدنيا،
وإنما طلب علامة تشبه ما سمعه من عنايات الإمام ببعض العلماء؛ ولذلك امتزج طلبه
بالبكاء والشوق والبحث عن الحبيب.
الثالثة:
الإمام يسمع شكوى المحب ويعلم بما يجري عليه
قوله له: «فإذا ماذا قلت وأنت في
السعي بين الصفا والمروة؟» هو قلب الحكاية؛ لأنه ـ على فرض ثبوتها ـ يكشف عن عناية
الإمام بحال شيعته ومعرفته بما صدر من هذا المشتاق في خلوته.
الرابعة:
العطاء المهدوي قد يأتي مطابقًا لطلب صاحبه
طلب نقودًا كتلك التي نُقلت في
حكايات بعض العلماء، فجاءه العطاء من جنس ما طلب؛ وكأن في الحكاية رسالة: قد تكون
الاستجابة أحيانًا على الصورة التي تعلّق بها قلب الداعي.
الخامسة:
خدمة الإمام تمتد إلى من ينتسب إليه
طلب السيد منه أن يصلي ركعتين لأمه
نرجس عليها السلام؛ وفي ذلك لفتة جميلة إلى أن الارتباط بالإمام يفتح القلب على
تعظيم من ينتسب إليه وخدمتهم بالعبادة والإهداء.
السادسة:
العمل القليل قد يكون عظيمًا عند الإمام
قوله له بحسب الحكاية: «صلاتك تُقبل،
صلِّ» يلفت إلى أن المؤمن قد يستصغر عمله، بينما تكون له قيمة عند الله إذا خرج من
قلب صادق.
السابعة:
أجمل الاستعداد للقاء الإمام هو ما كان قبل اللقاء
الشيخ حسين لم يبدأ صلاة الحجة بعد
التشرف، بل كان يصليها كل يوم «لسلامته ولتعجيل فرجه». فاللقاء ـ في منطق الحكاية
ـ سبقه ارتباط يومي ثابت بالإمام.
الثامنة:
مكة بيت اللقاء كما هي بيت العبادة
قوله: «هاهنا بيت الله... لقد كان
أغلب صلاته يقيمها هنا» يربط الحج بصاحب الزمان عليه السلام؛ فالحاج المهدوي لا
يرى الكعبة منفصلة عن إمام زمانه، بل يستحضر أن الحج من المواطن التي ورد فيها
حضور الإمام وشهوده للموسم.
التاسعة:
إمكان اللقاء شيء، ومعرفة الإمام حال اللقاء شيء آخر
وهذه من أدق رشحات الحكاية؛ فقد يقع
التشرف ولا يعرف المتشرف الإمام في اللحظة نفسها، وإنما تنكشف له الحقيقة بقرائن
أو بعد انقضاء اللقاء.
العاشرة:
قصة يوسف مفتاح لفهم غيبة المعرفة لا غيبة الوجود
الاستشهاد بإخوة يوسف بالغ الدلالة:
كان يوسف بينهم، ورأوه وكلموه وتعاملوا معه، ولكنهم لم يعرفوه. فالحجاب لم يكن
حجاب وجود، بل حجاب معرفة.
الحادية
عشرة: قد يكون الإمام قريبًا ولكن المعصية تصنع المسافة
أشد جملة تربوية في الحكاية: «يأتينا
الشيعة، ولكن ذنوبهم ومعاصيهم تمنع من أن يعرفوننا». فالمشكلة ليست دائمًا: أين
الإمام؟ بل قد يكون السؤال الأشد: ما الذي يحجبني أنا عن الإمام؟
الثانية
عشرة: الطريق إلى الإمام يبدأ بإزالة الحجاب لا بطلب المشاهدة
إذا كانت الذنوب حجابًا، فإن إصلاح
العلاقة بالإمام لا يبدأ من البحث عن التشرف، بل من التوبة والطاعة وتهذيب النفس
وأداء الحقوق.
الثالثة
عشرة: التشرف ليس هو الغاية
الغاية ليست أن يقول الإنسان: رأيت
الإمام؛ بل أن يصبح ممن يرضى عنهم الإمام. فقد يراه إنسان ولا يعرفه، وقد لا يراه
آخر بعينه ولكنه يعيش حياته كلها في طاعته ونصرته وانتظاره.
الرابعة
عشرة: «يا شيخ حسين، أنت تشك أيضًا؟» سؤال يتجاوز صاحب الحكاية
يمكن تحويل هذه العبارة إلى سؤال
للقارئ نفسه: بعد كل ما ورد في حياة الإمام وحضوره وعنايته، هل بقي الإمام عندنا
عقيدةً ذهنية، أم أصبح حقيقة حاضرة في حياتنا؟

تعليقات
إرسال تعليق