الحكاية
السادسة تشرف حيدر اقا معجزة
الكلام للشيخ مرتضى الطهراني هو حيدر
آقا معجزة ([1])ابن
مرشد چلويي([2]) ،
حيث نقل لي شخصياً ما جرى له قائلاً :راودتني الشكوك في صحة هذه الرواية «نزهونا
عن الربوبية " ([3])وقولوا
فينا ما شئتم([4])»
التي وردت في مقام أهل البيت ، ولم يرضني مضمونها، ولم أعلم هل صدرت عن أهل البيت
أم لا.
وفي سفرة لي إلى العتبات المقدسة
وسامراء، ذهبت إلى سرداب إمام الزمان .
ومر هذا السؤال في ذهني وهو : هل صدر
هذا الحديث عن أسرتكم؟ فقال الإمام: ارجع إلى طهران، واذهب إلى الميرزا عبد العلي
الطهراني ووجه إليه سؤالك لأنه يتحدث بحديثنا!
لم أكن أعرف الميرزا عبد العلي ،
وعندما رجعت إلى طهران حصلت على عنوان بيته وذهبت إليه، وبعد التحية والسلام أردت
أن أطرح مسألتي، فبادرني بالقول:أنا أعلم أي رواية تعني . فنهض من مكانه وذهب إلى
المكتبة وجلب كتاباً، وأخرج الرواية وقرأها وقال: هذه الرواية صادرة عن أهل البيت
.
فأخبرته بما جرى في السرداب وقلت:
لقد أحال جواب سؤالي عليك! فلما سمع هذا الكلام أخذ بالبكاء والنحيب وراحت الدموع
تقطر من لحيته، ولم أتركه بعد هذه الحادثة؛ لأنه قيل لي في السرداب: إنه يتحدث
بحديثنا ([5]).
رشحات من
الحكاية
الرشحة
الأولى: الإمام حاضر في أسئلة المؤمن
لم يكن سؤال حيدر آقا عن حاجة
دنيوية، بل عن حديثٍ أشكل عليه معناه؛ فكأن الحكاية تفتح نافذة على لون آخر من
الارتباط بالإمام عليه السلام: أن نحمل إليه أسئلتنا العقدية وهموم معرفتنا بأهل
البيت عليهم السلام.
الرشحة
الثانية: الشك بداية البحث لا نهايته
حين توقف حيدر آقا أمام الرواية لم
يرفضها لمجرد أن مضمونها عظيم، بل بحث وسأل. والدرس هنا أن النصوص العميقة لا
تُواجه بالإنكار المتعجل، وإنما بالتحقيق والرجوع إلى أهل المعرفة.
الرشحة
الثالثة: «إنه يتحدث بحديثنا»
لعل أرفع ما في الحكاية هذه الكلمة.
فالعالم الرباني لا تكمن قيمته في كثرة الكلام، وإنما في أن يكون حديثه امتدادًا
لحديث أهل البيت عليهم السلام؛ ينقل معارفهم، ويحفظ حدودها، ولا يتقدم عليهم.
الرشحة
الرابعة: من دلّك الإمام عليه فاعرف قدره
لم يُعطَ حيدر آقا الجواب في السرداب
مباشرة، بل أُحيل إلى الميرزا عبد العلي الطهراني. وفي ذلك إشارة لطيفة إلى أن من
عناية الإمام بالأمة أن يدلّها على العلماء الذين يحملون معارف أهل البيت بأمانة.
الرشحة
الخامسة: العالم الحقيقي يبكي من التزكية
حين أخبره حيدر آقا بما سمعه في
السرداب، لم يفرح الميرزا عبد العلي بالثناء على نفسه، بل أخذ بالبكاء حتى ابتلت
لحيته. وكلما عظمت معرفة الإنسان بأهل البيت، عظمت هيبته من الانتساب إليهم.
الرشحة
السادسة: فضائلهم بين التقصير والغلو
الحكاية تعلمنا ميزانًا دقيقًا: لا
ننزل بأهل البيت عن مقاماتهم التي أثبتها الله لهم، ولا نرفعهم إلى الربوبية. وبين
التقصير والغلو ميدان واسع لمعرفة فضائل محمد وآل محمد عليهم السلام.
الرشحة
السابعة: التشرف قد ينتهي... لكن أثره يبدأ
انتهى اللقاء في السرداب، لكن حيدر
آقا يقول: «ولم أتركه بعد هذه الحادثة». وهنا ثمرة التشرف الحقيقية: أن يتحول
اللقاء إلى تغيير في الطريق، واختيار للصحبة، وارتباط بأهل المعرفة.
الرشحة
الثامنة: الإمام يربط الناس بالعلماء الربانيين
من أجمل أبعاد الحكاية أنها لا تجعل
التشرف بديلًا عن العلم والتحقيق؛ بل إن الإحالة نفسها كانت إلى عالم وكتاب
ورواية. فكأن الطريق إلى الإمام لا يفصل المؤمن عن مدرسة العلم، وإنما يعيده إليها
على بصيرة.
رشحة الرشحات
((أن تتحدث بحديثهم))
ليس الشرف كل الشرف أن يُقال عن
العالم: كثير العلم، أو واسع التأليف، أو حسن البيان؛ بل أن يبلغ من صدقه وأمانته
في حمل تراث محمد وآل محمد عليهم السلام أن يستحق هذه الكلمة: «إنه يتحدث
بحديثنا».
فيا لها من منزلة، ويا لها من
مسؤولية؛ أن يصبح لسان العالم أمينًا على حديثهم، فلا يزيد من عنده، ولا ينقص من
حقهم، ولا ينطق إلا بما يقرب الناس إليهم.
[1] / حيدر الطهراني : شاعر نظم باسم «معجزة وصاحب
ديوان، وهو من تلامذة الشيخ رجب على الخياط، أعد مدة مكاناً لإطعام الطلاب في
مدرسة الفيضية بمدينة قم.
[2] / المبرزا أحمد عابد النهاوندي المعروف بالحاج
مرشد جلویی (ت ۱۳۹۸هـ)، شاعر نظم باسم «ساعي»،
وعارف معاصر، له مطعم في سوق طهران بجانب المسجد الجامع، ألقى محاضرات أسبوعية
وعامل الناس بالشعر والإرشادات والمواعظ، لذلك عرف بالحاج مرشد.
احترقت النسخة الوحيدة لديوان
أشعاره العرفانية وهو على قيد الحياة في حريق شب بمحل عمله، فكتب ما تبقى منها في
ديوان عرف باسم «ديوان سوخته (الديوان المحترق) أعيدت طباعته عدة مرات من بعد
وفاته
حتى الوقت الحاضر.
وهناك ثلاثة أمور ينبغي أن
تذكر عن مطعم الحاج مرشد:
الأول: اللهم التي يضعها في
أفواه الصغار، وأحياناً الكبار أيضاً.
الثاني: اللوحة التي علقها على
مدخل المطعم وهي تباع ديناً ونقداً».
الثالث: تردد المساكين عليه
لأخذ مصاريفهم اليومية والغذاء المجاني
توفي بطهران في الثالث عشر من
شوال سنة ۱۳٩٨ هـ عن عمر يناهز التسعين
عاماً، ودفن في المدينة المذكورة بجانب مرقد ابن بابويه في داخل مسجد ما شاء الله
(راجع بهترین کاسب قرن (بالفارسية): خاطرات مرحوم حاج مرشد جلوبي)
[3] / مشارق أنوار اليقين: ص ۱۱۰.
[4] / نص الرواية كما ذكرها الشيخ الصدوق في كتاب
الخصال: ص ٦١٤ ج ٢: قال الإمام علي ي: «إياكم والغلو - م فينا، قولوا: إنا عبيد
مربوبون وقولوا في فضلنا ما تبثتم، وجاء هذا المضمون في مصادر حديثة أخرى، مثل:
مختصر بصائر الدرجات: ص ٥٩ و
٢٠٣ والاحتجاج: ج ۲ ص ۲۳۳
وبديهي أن المقصود من «قولوا
في فضلنا ما شئتم، ليس جواز الكذب في فضائل أهل البيت ، بل إن فضائلهم كثيرة جداً،
وكل فضيلة يمكن أن تتصور فهم جديرون بها، إلا مقام الربوبية.
[5] / موسوعة الامام المهدي ري شهري 4 ص 20.

تعليقات
إرسال تعليق