الحكاية التاسعة ميرجهاني من نور السرداب إلى كرامة الشفاء
يقول الشيخ علي اكبر مهدي بور أصبح
آية الله ميرجهاني موضع عناية آية الله السيد أبو الحسن الأصفهاني، وصار من خواص
أصحابه ومحرم أسراره، بحيث إن غالب الإجازات الصادرة عن آية الله الأصفهاني كانت
تُكتب بخط آية الله ميرجهاني، وتُرسل بواسطته. أقام آية الله ميرجهاني نحو عشرين
سنة في النجف الأشرف. وبعد رحيل آية الله الأصفهاني ـ في التاسع من ذي الحجة
الحرام سنة 1365هـ ق ـ عاد إلى أصفهان.
تشرف آية
الله ميرجهاني في السرداب المقدس
قال آية الله ميرجهاني: في زمن
مرجعية المرحوم آية الله السيد أبو الحسن الأصفهاني رحمه الله، سافرت بأمره إلى
سامراء. وقد أعطاني مبلغًا كبيرًا من المال وأمرني أن أقسم ثلثه بين طلاب سامراء،
وثلثه عن طريق وكيله بين فقراء الشيعة، وأقدّم الثلث الآخر إلى خادم حرم العسكريين
عليهما السلام. وبما أن خادم الحرم كان يحبني كثيرًا، اغتنمت الفرصة وطلبت منه أن
يسمح لي أن أبيت ليلًا في السرداب المقدس. فوافق. وخلال نحو عشرة أيام كنت في
سامراء، كنت أقضي الليالي في السرداب المقدس بالعبادة، وكان الخادم بعد دخولي
السرداب يغلق عليّ الباب، ويستريح هو خارج السرداب في صحن الحرم. وفي آخر ليلة من
إقامتي، وكانت ليلة الجمعة، دخلت السرداب ومعي شمعة على العادة، فرأيت فضاء
السرداب مضيئًا كالنهار، فتركت الشمعة ونزلت الدرج. فرأيت سيدًا جليلًا مشتغلًا
بالعبادة. ولكي لا أزعجه دخلت بلا سلام، ووقفت إلى جانب باب الصفة، وبدأت أقرأ
زيارة حضرة بقية الله أرواحنا فداه. ثم وقفت إلى جانبه وقليلًا أمامه للصلاة، ثم
جلست واشتغلت بدعاء الندبة. وعندما وصلت إلى جملة وصلتُ في الدعاء إلى هذه الفقرة:
(وعرجت بروحه إلى سمائك) وإذا أنا بسيّد جليل وهو جالس إلى جنبي يشير إليّ بيده
ويقول: (وعرجت به إلى سمائك) مكان: (وعرجت بروحه إلى سمائك).
فأعدتُ الفقرة كما أشار عليّ السيد
الجليل وواصلتُ قراءتي للدعاء وأنا غافل تماماً عن عمق الواقع، وعن الحقيقة التي
اتّفقت لي، وعن إشارة السيّد في تبديل الفقرة، وعن شخصيّة السيّد نفسه، حتّى إذا
مضيتُ في مواصلة الدعاء، وانقضت مدّة يسيرة، وإذا بي ألتفتُ إلى نفسي متسائلاً: يا
ترى من كان هذا السيّد الجليل؟ ومن أين دخل السرداب المقدّس؟ ألستُ قد أغلقتُ
الباب على نفسي بحيث لا يستطيع أحد الدخول إليه؟ ألم أطمئنّ بعدم وجود أحد في
السرداب المقدّس؟
وأخذت هذه الأفكار تساورني وتدور في
رأسي وتقودني إلى معرفة الواقع وكشف الحقيقة، هذا وقد أخذت مني القشعريرة كل مأخذ
وتركت أعضائي ومفاصلي ترتجف بشدّة، وقلبي يدقّ باضطراب وقوّة، وما إن استطعتُ أن
اُحوّل وجهي إلى المكان الذي كان السيّد الجليل يجلس فيه لأرى محيّاه، لم أرَ
أحداً، ورفعت رأسي سريعًا من السجود، فرأيت أن فضاء السرداب صار مظلمًا تمامًا،
ولا خبر عن ذلك السيد. وبسرعة صعدت الدرج، فوجدت باب السرداب مغلقًا، فناديت
الخادم؛ فجاء وفتح الباب، ورأيت أنه قريب من أذان الصبح. فسألته: من كان ذلك السيد
الموجود في السرداب الليلة؟ فقال: غيرك لم يكن أحد في السرداب. قلت: نفس السيد
الذي خرج لتوه. قال: لا، لم يخرج أحد، فباب السرداب كان مغلقًا، وأبواب الحرم
والصحن أيضًا مغلقة. عندها انتبهت إلى أي سعادة عظيمة نلتها، وأي جوهرة ثمينة
فقدتها. الهامش: الكاتب سمع هذه القصة عدة مرات من المرحوم آية الله ميرجهاني في
مشهد وأصفهان، وقد ورد ملخصها في آثار مكتوبة كثيرة مع اختلافات.
وقد سمعتُ(علي اكبر مهدي بور) هذه
القصة مرارًا من لسانه الشريف، وأوردتها هنا بقدر ما أسعفتني الذاكرة، وخلاصة
القصة جاءت في آثار مكتوبة عديدة بتعبيرات مختلفة.
يستفاد من قصة تشرف آية الله
ميرجهاني عدة نقاط:
1 ـ العناية الخاصة لحضرة بقية الله أرواحنا
فداه؛ ولهذا استدللنا بعنايته بالدعاء في أحداث أخرى وأثبتناها في كتاب با دعاي
ندبه در پگاه جمعه.
2 ـ حضرة ولي العصر عليه السلام، بسبب الموقع
الخاص لدعاء الندبة، تولى تنقيته من كل تحريف وتصحيح، كما أثبتنا بالأدلة المحكمة
في الكتاب المذكور أن جملة «وعرجتَ به إلى سمائك» صحيحة، وعبارة «وَعَرَجْتَ
بِرُوْحِهِ إلى سَمائِكَ» غير صحيحة.
3 ـ هذا التشرف شاهد حي على أصالة دعاء الندبة
وصحة سنده.
4 ـ من هذه القصة يتضح لزوم الاهتمام
بآداب الزيارة عند التشرف إلى الحرم المطهر للمعصومين عليهم السلام. وقد نقلنا في
كتاب النبراس، في ضوء روايات المعصومين عليهم السلام، ستين أدبًا لحرم أولياء
المتقين، وخمسين أدبًا لحرم سيد الشهداء عليه السلام([1]).
فقرة:
(وعرجتَ بروحه) مغلوطة
ورد في بعض نسخ دعاء الندبة: «وعرجتَ
بروحه إلى سمائك»، فيُسأل: كيف ينسجم ذلك مع اعتقاد الإمامية بأنّ معراج النبيّ
صلى الله عليه وآله كان بروحه وجسده؟
الجواب يبدأ من ضبط لفظ الدعاء. فقد
نقل محمد بن المشهدي في المزار الكبير: «وعرجتَ به إلى سمائك»، من دون لفظ
«بروحه». وذكر الميرزا محمد تقي الأصفهاني أنّ هذا اللفظ يوافق ما في مصادر أخرى
للدعاء، منها مصباح الزائر للسيد ابن طاووس. أمّا لفظ «بروحه» فقد ورد في نقلٍ
آخر، ومنه ما في بحار الأنوار. ومن هنا رجّح الشيخ محمد صنقور لفظ «به»، وعدّ
اختلاف اللفظ ناشئًا، على الأرجح، من اختلاف النسخ أو التصحيف؛ فلا يصحّ الجزم
بسبب معيّن لذلك الاختلاف من دون مقابلة النسخ.
ويؤيّد لفظ «به» أمران ذكرتهما
المقالة: أولهما أنّ الدعاء يقول قبلها: «وسخّرتَ له البراق»، وذكر البراق أنسب
بالمعراج الجسدي. وثانيهما ورود التعبير نفسه في دعاء رواه الشيخ الطوسي عن الإمام
الصادق عليه السلام: «وعرجتَ به إلى سماواتك».
وحتى لو ثبت لفظ «بروحه»، فلا يلزم
منه نفي معراج الجسد؛ لأنّ ذكر الروح وحدها لا يتضمّن القول بأنّ البدن لم يُعرج
به. فالاختلاف بين النسخ لا يصلح دليلًا على حصر المعراج بالروح، كما أنّ اللفظ
المرجّح في المقالة، «وعرجتَ به»، منسجم مع المعراج بالروح والجسد([2]).
شفاء ميرجهاني ببركة
المولى
قال المرحوم آية الله ميرجهاني:
ابتُليت في طهران وأصفهان ومشهد بمرض النقرس وعرق النساء، وراجعت عددًا من
الأطباء، فلم أحصل على نتيجة. وفي سفر كان معي فيه عدد من الأصدقاء إلى محافظة
خراسان، توقفنا في قوچان لزيارة الإمام زاده المعروف بـ«إمام زاده إبراهيم» في
حومة قوچان. وكان الجو والماء لطيفين جدًا، فقررنا أن نتناول الغداء في حرم الإمام
زاده. وانشغل الأصدقاء بإعداد الطعام، وأنا ذهبت متكئًا على عصا بصعوبة إلى جانب
النهر، وجددت الوضوء وجلست عند النهر أتفرج على مناظر الطبيعة الجميلة. فجاء إليّ
شخص يرتدي ملابس قطنية ويحمل منجلًا، فناداني باسمي وقال: «آقاي ميرجهاني! أنتم من
أهل الدعاء والعلاج، فلماذا لم تعالجوا أنفسكم؟». قلت: لقد سعيت كثيرًا، ولكن لم
يتيسر حتى الآن. قال: «هل تسمح أن أعالجك؟». قلت: نعم. جاء وجلس إلى جانبي، وأخذ
اسم أمي على لسانه. وفجأة أخرج من جيبه سكينًا صغيرًا، فوضعه في موضع الألم، وسحبه
إلى قرب الركبة وضغط عليه. اشتد الألم فقلت: آه. فرفع السكين وقال: «انهض، لقد
شُفيت». أردت أن أنهض كالعادة معتمدًا على العصا، فأخذ العصا من يدي وألقاها إلى
جهة النهر. فقمت، ورأيت أنني قد شُفيت ولا ألم في ساقي. فسألته: أنتم من أين؟
فأشار إلى أطراف الجبال وقال: «أنا في هذه القمم». قلت: أين يمكنني أن أنال رؤيتك؟
قال: «أنتم لا تستطيعون أن تجدوني،
ولكن لدي عنوانكم، وسآتي إلى زيارتكم في الوقت المناسب». في ذلك الوقت وصل
الأصدقاء وقالوا: عصاك؟ قلت: السيد ألقاها في النهر. فبحثوا فلم يجدوا أثرًا لذلك
السيد. وقد سمعت هذه القصة منه عدة مرات، وجاء ملخصها في بعض المصادر([3]).
[1] / التشرّف في السرداب المقدس ذكريات آية الله
السيد محمد حسن ميرجهاني رحمه الله علي أكبر مهدي بور.. (ص80)
[2] / المزار الكبير لمحمد بن المشهدي، ص 575؛ مكيال
المكارم للميرزا محمد تقي الأصفهاني، ج 2، ص 86؛ بحار الأنوار للمجلسي، ج 99، ص
105؛ مصباح المتهجد للطوسي، ص 326.
[3] / التشرّف في السرداب المقدس ذكريات آية الله
السيد محمد حسن ميرجهاني رحمه الله علي أكبر مهدي بور (ص86)

تعليقات
إرسال تعليق