القائمة الرئيسية

الصفحات

دراسة تحليلية في المكارم التسعين في كتاب مكيال المكارم المكرمة المتممة للعشرين

 



 دراسة تحليلية في المكارم التسعين في كتاب مكيال المكارم المكرمة المتممة للعشرين




المتن المكرمة المتممة للعشرين

المكرمة المتممة للعشرين

ما يكون غاية أمل المؤمنين المشتاقين وهو الرجوع إلى الدنيا في زمان ظهوره وانتشار نوره إن تأخر هذا الأمر العظيم عن هذه الأزمان ولم نفز في زمان حياتنا بمشاهدة ظهور صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه.

- ويدل على ذلك ما رواه العالم العامل، والفقيه الكامل المولى أحمد الأردبيلي (ره) في كتاب حديقة الشيعة عن مولانا الصادق عليه الصلاة والسلام، ومضمونه: أنه ما من مؤمن يتمنى خدمته، ويدعو لتعجيل فرجه، إلا أتاه آت على قبره، وناداه باسمه: يا فلان قد ظهر مولاك صاحب الزمان فإن شئت فقم واذهب إلى حضرة الإمام وإن شئت فنم إلى يوم القيام.

قال فيرجع إلى الدنيا خلق كثيرون ويولد لهم من نسلهم بنون.

أقول: قد كان هذا الحديث في كتاب الحديقة مترجما بالفارسية فنقلت عباراته إلى اللغة العربية، وقد ورد هذ الفضل بالخصوص(يعني الرجوع إلى الدنيا في زمان ظهوره (عليه السلام) (لمؤلفه).) في حديث منصوص لدعاء العهد بالخصوص.

- ففي البحار(بحار الأنوار: ٨٦ / ٦١ باب ٣٨: ٦٩.) والأنوار والمقباس وزاد المعاد(زاد المعاد: ٤٨٣.) وغيرها من مؤلفات العلماء الأمجاد روي عن الصادق (عليه السلام) بحذف الإسناد وعبارة الأنوار النعمانية(الأنوار النعمانية: ١٦٢.) هكذا: أنه قال: من دعا بهذا الدعاء أربعين صباحا كان من أنصار القائم (عليه السلام) وإن مات قبل ظهوره (عليه السلام)، أحياه الله تعالى حتى يجاهد معه، ويكتب له بعدد كل كلمة منه ألف حسنة، ويمحى عنه ألف سيئة، وهو هذا بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم رب النور العظيم، والكرسي الرفيع، إلى آخر الدعاء وسنذكره في الباب الآتي إن شاء الله تعالى، وهو دعاء شريف مشتمل على الدعاء لتعجيل فرج مولانا صاحب الزمان صلوات الله عليه وفي هذه الجملة كفاية لما دللنا إليه.

بيان المكرمة المتممة للعشرين

هذه المكرمة من ألطف المكارم، لأنها لا تتحدث عن أثر يقع في حياة المؤمن فقط، بل تتحدث عن امتداد أثر الدعاء إلى ما بعد الموت. والميرزا رحمه الله بنى استدلاله هنا بطريقة دقيقة، ويمكن عرضها على النحو الآتي:

الدعاء للإمام سبب للرجوع إلى الدنيا في عصر الظهور

حديث المؤلف: استدل الميرزا رحمه الله بروايتين: الأولى ما نقله عن كتاب حديقة الشيعة  ومضمونها أن المؤمن الذي كان يتمنى خدمة الإمام المهدي عليه السلام، ويواظب على الدعاء بتعجيل فرجه، إذا مات قبل الظهور نودي عند قبره بعد ظهور الإمام: إن شئت فقم إلى نصرة مولاك، وإن شئت فابق إلى يوم القيامة، فيرجع إلى الدنيا ويكون من أنصار الإمام. ثم عضد هذا المعنى بما ورد في حديث دعاء العهد، من أن من داوم عليه أربعين صباحاً، فإن مات قبل ظهور القائم عليه السلام أحياه الله تعالى ليجاهد بين يديه، ويكتب له الثواب العظيم، ويمحو عنه السيئات. وبذلك أثبت أن الدعاء للإمام لا يقتصر أثره على الدنيا، بل يمتد إلى نيل شرف الرجعة ونصرة الإمام بعد الموت.

منهج المؤلف في الاستدلال

لم يحتج الميرزا هنا إلى قاعدة عقلية أو إلى ضم مقدمات متعددة كما صنع في بعض المكارم السابقة، بل اعتمد على نصوص خاصة صريحة في بيان هذا الأثر. إلا أنه لم يقتصر على رواية واحدة، بل ضم إليها حديث دعاء العهد، ليبين أن هذا الفضل ليس خبراً منفرداً، بل تؤيده نصوص متعددة تدور حول حقيقة واحدة، وهي أن المواظبة على الدعاء للإمام تنشئ علاقة لا يقطعها الموت، بل تستمر حتى زمن الظهور.

الفائدة الأولى: الموت لا يقطع الارتباط بالإمام

من أعمق ما يستفاد من هذه المكرمة أن العلاقة بالإمام الحجة عليه السلام ليست علاقة تنتهي بانتهاء العمر، وإنما هي رابطة تمتد إلى عالم البرزخ، ثم إلى الرجعة، ثم إلى دولة الظهور. ولذلك فإن المؤمن الذي عاش مشتاقاً إلى نصرة الإمام، لا يحول الموت بينه وبين تحقيق هذه الأمنية، لأن الله تعالى يهيئ له سبيل العودة ليشارك في المشروع الإلهي الذي كان يتمناه.

 

الفائدة الثانية: قيمة النية الصادقة

الرواية لم تجعل الرجعة ثمرة للأعمال الظاهرة وحدها، وإنما قرنتها بأمرين: تمني خدمة الإمام، والدعاء بتعجيل فرجه. وهذا يدل على أن النية الصادقة إذا اقترنت بالعمل، بلغت بصاحبها منازل قد لا يدركها بعمره المحدود. فالله سبحانه لا يحرم المؤمن من ثمرة شوقه إذا صدق في نيته، بل يؤخر له تحقيقها إلى الزمن الذي تتحقق فيه دولة الإمام.

الفائدة الثالثة: الدعاء يربط المؤمن بالمشروع المهدوي

يريد الميرزا أن يبين أن الدعاء للإمام ليس عبادة آنية، بل هو إعلان انتماء إلى مشروع الإمام العالمي. فمن أكثر الدعاء لفرجه، وأظهر شوقه إلى قيام دولته، كتب نفسه في عداد أنصاره، حتى لو حالت الوفاة بينه وبين الظهور، لأن الله تعالى يعيده ليكون ممن يشارك في إقامة العدل الإلهي.

الفائدة الرابعة: الرجعة ثمرة للولاء العملي

لم تجعل الروايات الرجعة مكافأة لكل من اعتقد بالإمام فحسب، وإنما لمن ترجم اعتقاده إلى دعاء دائم، وانتظار صادق، واستعداد عملي لخدمته. فالدعاء هنا علامة على أن الولاية ليست فكرة ذهنية، بل التزام حي ينعكس في سلوك الإنسان، ولذلك استحق صاحبه أن يكون من أهل الرجعة.

الفائدة الخامسة: الدعاء يغلب حدود الزمان

في هذه المكرمة تتجلى حقيقة بديعة، وهي أن الدعاء يرفع المؤمن فوق حدود عمره الطبيعي. فقد يعيش الإنسان سنوات قليلة، لكنه بالدعاء والانتظار الصادق يصبح مشاركاً في أعظم حدث إلهي في التاريخ، ولو بعد وفاته. وهذا يكشف عن أن العمر الحقيقي في ميزان الله ليس بعدد السنين، وإنما بمقدار الارتباط بمشروعه وحجته.

الفائدة السادسة: الميرزا يجعل دعاء العهد مدرسة إعداد للأنصار

لم يورد الميرزا حديث دعاء العهد لمجرد بيان فضيلته، وإنما أراد أن يقرر أن هذا الدعاء يصنع هوية الأنصار. ولذلك جاء فيه: **«كان من أنصار القائم»** قبل أن يذكر الرجعة. فكأن المواظبة على الدعاء تبدأ بصناعة روح النصرة، ثم تنتهي بالمشاركة الفعلية في دولة الإمام، سواء في هذه الحياة أو بعد الرجعة.

الفائدة السابعة: أمل المؤمن لا ينقطع

لهذا سمى الميرزا هذه المكرمة بأنها «ما يكون غاية أمل المؤمنين المشتاقين»؛ لأنه يريد أن يغرس في قلب المنتظر أن فوات الظهور في هذه الحياة لا يعني فوات شرف النصرة. فمن صدق في ولائه، وأكثر من الدعاء، وأخلص في انتظاره، بقي باب الأمل مفتوحاً أمامه، لأن وعد الله لا يقف عند حدود الدنيا، بل يمتد إلى ما بعدها.

النكتة الاستنباطية

منهج الميرزا في هذه المكرمة يكشف عن قاعدة تربوية عظيمة، وهي أن الدعاء للإمام لا يقتصر أثره على إصلاح الحاضر، بل يصنع مستقبل المؤمن الأبدي. فهو يربطه بالإمام في الدنيا، ويؤنسه في البرزخ، ويؤهله للرجعة، ويشرفه بالمشاركة في إقامة دولة العدل الإلهي. وبهذا يتحول الدعاء من عبادة يومية إلى مشروع يمتد أثره عبر المراحل المختلفة من حياة الإنسان وما بعدها، حتى ينتهي بصاحبه إلى أعظم أمنية يتمناها المنتظرون، وهي الوقوف بين يدي الإمام المهدي عليه السلام في دولة ظهوره المباركة.

أنت الان في اول موضوع

تعليقات