المقام العاشر
سيادة
الإمام وولايته المطلقة
السَّلامُ عَلَيكَ يا مَولايَ أنا مَولاكَ
عَارِفٌ بِأُولاكَ واُخراكَ.
البُعد
العقائدي في قول الزائر "يا مولاي أنا مولاك"
هذه العبارة تتجاوز مستوى الأدب
اللفظي إلى عمقٍ في الهوية العقدية فالزائر حين يقول: «يا مولاي» فهو يقرّ بسيادة
الإمام وولايته المطلقة عليه، ويعلن أنّه المالك الروحي لتدبير وجوده. والمولى في
اللغة كما تعلم هو «المالك»، و«الناصر»، و«السيد»، و«الوليّ».
وفي المقابل حين يقول الزائر: «أنا
مولاك»، فإنّ الجملة تحمل معنى الانتماء المعكوس، أي أنّه مولى الإمام بمعنى العبد
المملوك له بالولاية.
وهنا تلتقي الجملتان في عقدٍ روحيٍّ
فريد:الإمام مولاي لأنّ له عليّ الولاية،وأنا مولاُه لأنّي عبدُ ولايته.
فهي علاقة تبادلية في وجهها اللفظي،
لكنها توحيدية في حقيقتها، إذ لا معنى لولاية الإمام إلا في وجود مَن يُواليه، ولا
معنى للمؤمن إلا بانتسابه إلى الإمام.
ومن الناحية العقائدية، هذه الجملة
تعبّر عن ركن أساسي من أركان الإيمان عند الإمامية، وهو أنَّ الإمام ليس مجرّد
قائدٍ روحيٍّ، بل هو واسطة الفيض الإلهي، كما نصّت عليه الروايات المتواترة.
فالإمام هو "باب الله الذي منه
يؤتى"، و"وجه الله الذي يُتوجّه إليه"، كما في الزيارة الجامعة
الكبيرة:«بكم فتح الله، وبكم يختم، وبكم يُنزّل الغيث، وبكم يمسك السماء أن تقع
على الأرض إلا بإذنه.»
فحين يقول المؤمن: «أنا مولاك»، فهو
يعلن تسليمه الكامل لهذه الوساطة، ويعترف بأنّ كلّ فيضٍ وصلاحٍ في نفسه إنما يتصل
عبر الإمام، فهو المجرى الذي منه يأتي التوفيق، وإليه تعود العبودية.
وهنا يتجلّى عمق الوعي العقائدي في
النص:فالزائر لا يخاطب الإمام بصفة الغائب، بل بصفة الحاضر المتولّي، ويقدّم نفسه
بوصفه مملوكًا بإرادته للإمام، أي أنّه خرج من حدود «الاستقلال الذاتي» إلى حدود
العبودية الاختيارية في ظل الولاية، وهذه أعلى درجات التسليم.
إذن البعد العقائدي هنا يؤكد
أن:الإمام هو المولَى المطلق الذي له الولاية التكوينية والتشريعية.
المؤمن هو المولَى العابد الذي يجد
هويته في انقياده والعبارة في حقيقتها تجديد لعقد الولاية الإلهية الذي أُبرم في
عالم الذرّ، حين قال الله: ألستُ بربّكم، فكان جوابهم في هذا المقام: بلى، وأنت
المولَى في أوليائك.
البُعد
المعرفي في قول الزائر "عارفٌ بأُولاكَ وأُخراكَ"
هذا المقطع هو تاج المعرفة الولائية،
إذ يعبّر عن مقامٍ من المعرفة الباطنية التي تُثمر من الولاية الصادقة فالمعرفة
هنا ليست علمًا سرديًا عن سيرة الإمام، بل هي معرفة شهودية، أي إدراك قلبي لحقيقة
الإمام في امتداديه: في «أُولاك» و«أُخراك».
«أولاك» تشير إلى بدايات النور، إلى
أصل الإمامة في عالم الأنوار، كما ورد في الحديث الشريف:« عن رسول الله (صلّى الله
عليه وآله) مخاطباً عمّهُ العباس قائلاً: «يا عمّاهُ أمّا قولك أنا وأنت وعلي
والحسن والحسين من ينبوع واحدٍ فصدقت، ولكن خلقنا اللهُ نحن حيث لا سماء مبنية ولا
أرض مدحية ولا عرش ولا جنة ولا نار كنّا نسبّحهُ حين لا تسبيح ونقدّسهُ حين لا
تقديس، فلمّا أرادَ الله بدء الصّنعة فتق نوري فخلق منه العرش، فنورُ العرش من
نوري، ونوري من نور الله وأنا أفضلُ من العرش. ثم فتق نورَ ابن أبي طالب فخلق منه
الملائكة، فنور الملائكة من نور ابن أبي طالب ونورُ ابن أبي طالب من نور الله ونور
ابن أبي طالب أفضل من الملائكة. وفتق نورَ ابنتي فاطمة منه فخلق السماوات والأرض
فنورُ السماوات والأرض من نور ابنتي فاطمة ونورُ فاطمة من نور الله، وفاطمة أفضل
من السماوات والأرض. ثم فتق نورَ الحسن فخلق منه الشمس والقمر فنورُ الشمس والقمر
من نور الحسن ونور الحسن من نور الله، والحسن أفضل من الشمس والقمر. ثم فتقَ نور
الحسين فخلق منه الجنة والحور العين فنور الجنة والحور العين من نور الحسين، ونور
الحسين من نور الله، والحسين أفضلُ من الجنة والحور العين..» ([1])..»
فمعرفة الإمام في «أُولاه» هي معرفة
بأصله النوريّ، وسرّه الأول في الخلق، أي معرفة بأنّه مظهر من مظاهر الحقّ الأوّل
في عالم الوجود وهذه المعرفة ليست نظرية، بل هي إدراك بأنّ الإمام هو بداية النور
الإلهي في عالم الشهادة، وأنّه باب الفيض إلى كلّ ما سواه.
وأما «أُخراك» فهي تشير إلى غايته
وتمام ظهوره، أي إلى خاتمية الولاية المهدوية، التي بها يتمّ الوعد الإلهي ويُختتم
تاريخ الغيبة والامتحان.
فمعرفة الإمام في أُخراه تعني معرفة
دوره في تحقيق الكمال الإلهي في التاريخ، أي أنه ليس فردًا من الناس، بل هو
الإنسان الكامل الذي يختصر حركة الخلق من المبدأ إلى المنتهى فبكلمةٍ واحدة،
الزائر حين يقول: «عارف بأولاك وأخراك»، فهو يعلن أنه يعرفك يا مولاي من الأزل إلى
الأبد، يعرفك في نورك الأول وفي مجدك الأخير، في غيبتك وفي ظهورك، في مقامك في
السماء وفي دورك في الأرض.
وهذه المعرفة ليست دعوى علم، بل
إعلان ولاءٍ واستغراقٍ في المحبة، لأنّ معرفة الإمام في الأصل والنهاية هي معرفة
الله في مظاهره.
قال: قال رسول الله (صلى الله عليه
وآله):يا علي، أنا وأنت أبوا هذه الأمة، يا علي، أنا وأنت والأئمة من ولدك سادة في
الدنيا، وملوك في الآخرة، من عرفنا فقد عرف الله، ومن أنكرنا فقد أنكر الله عز وجل([2]).
فمن عرف الإمام عرف ربّه في تجلّيه،
ومن جهل الإمام جهل معنى التوحيد في الوجود.
إذن البعد المعرفي في الجملة يقوم
على ثلاث مراتب:
المعرفة النورية بأصل الإمامة.
المعرفة التاريخية بسيرها في أول
الزمان وآخره.
المعرفة الولائية بكون الإمام هو سرّ
الوجود، وأوّل المظهر وآخره.
البُعد
الأخلاقي والوجداني في هذا المقطع الشريف
العبارة تُربّي في المؤمن حالةً من الأدب
الوجودي والحياء الروحي أمام مولاه فهو حين يقول: «أنا مولاك»، يضع نفسه في موضع
الخدمة والخضوع.
وحين يقول: «عارف بأولاك وأخراك»،
يعبّر عن وفائه ومعرفته التي تمنعه من النكران أو الغفلة.
وهنا تتولّد ثلاث فضائل أخلاقية عليا
العبودية
الطوعية:
إنّ قوله «أنا مولاك» يعني أني اخترت
أن أكون عبدًا لك لا قهرًا بل حبًّا، فهي عبودية محبٍّ لا عبدٍ خائف.
هذه العبودية تُخرِج الإنسان من
عبودية الذات والهوى، وتجعله في ساحة الحرية الحقيقية، لأنّ العبد لمولاه هو الحرّ
من كلّ ما سواه.
قال أمير المؤمنين عليه السلام:«كفى
بي عزًّا أن أكون لك عبدًا، وكفى بي فخرًا أن تكون لي ربًّا.»
فالمعنى الأخلاقي هنا أن المعرفة
بالولاية تحرّر الإنسان من كلّ صنوف الاستعباد الدنيوي.
الوفاء
في الولاية:
إنّ اعتراف الزائر بأنه
"عارف" يعني أنّه لم يتنكّر للحقّ، ولم يبدّل ولاءه رغم طول الغيبة
واشتداد البلاء، فهو المؤمن الذي لم ينسَ الميثاق، وبقي وفيًّا في زمن الغياب كما
كان الأولون في زمن الظهور.
وهذه المعرفة الوفية هي مظهر من
مظاهر قوله تعالى:﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ
عَلَيْهِ﴾ (الأحزاب: 23).
التأدّب
في المخاطبة والاعتراف بالعجز:
فحين يقول: «يا مولاي، أنا مولاك»،
فهو يعترف بعجزه عن بلوغ المقام الذي يخاطبه، إذ يخاطب من هو فوق العالمين، ولكنّه
يخاطبه من موقع القرب والمحبة، لا من موقع الغربة.
وهذه هي أدب الولاية: الجمع بين
التذلّل والأنس، بين الخضوع والعشق، بين المعرفة والحياء.
إذن البعد الأخلاقي هنا هو:أنّ
المؤمن حين يردّد هذه العبارة، يُربَّى على أن العلاقة بالإمام ليست فكرية فقط، بل
هي سلوك قلبي يطهّر النفس ويهذّبها، لأنّ من عرف مولاه واستحيا منه لم يعصه، ومن
أحبّ مولاه لم يخونه، ومن انتمى إليه صار وجهه وجهَ الله في الأرض.
أنا مولاك… قراءة في هوية العبد
المهدوي
النقطة
الأولى: الهوية الولائية
بين العبودية والانتماء.
إنّ أول ما يواجهنا في هذا النصّ هو
هذا التصريح المهيب: «أنا مولاك»ليست كلمةً تعريفية أو نسبًا اجتماعيًا، بل هي
إعلان هوية وتقرير ولاء وجوديّ؛ فالإنسان لا يقول "أنا مولاك" بمعنى
التبعية القانونية، بل بمعنى العبودية الاختيارية التي وُلدت من المعرفة والحبّ
واليقين.
في المنظور العقائدي،
"الولاء" هو المعبر عن الجهة الوجودية التي ينتمي إليها العبد، فهو لا
يُقاس بانتماءٍ مذهبيّ فحسب، بل بانتماءٍ (وجودي)، أي: مَن له الولاية عليه؟ مَن
يصرّف قلبه ونفسه؟ مَن هو قطب توجهه ومعنى حركته؟
فالذي يقول "أنا مولاك"
إنما يعلن أن وجوده صار ملكًا لمولاه، وأنه تخلّى عن استقلاليته الموهومة أمام
ولاية الإمام التي هي الوجه البشري لولاية الله.
في دعاء الندبة (أَيْنَ بَابُ اللهِ
الَّذِي مِنْهُ يُؤْتَى ؟ أَيْنَ وَجْهُ اللهِ الَّذِي إِلَيْهِ يَتَوجَّهُ
الأَوْلِيَاءُ ؟ أَيْنَ السَّبَبُ الْمُتَّصِلُ بَيْنَ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ).
وعلى هذا الأساس، فالإقرار
بـ"أنا مولاك" يعني:أنّ العبد المهدوي قد استودع إرادته في يد الإمام.
وأنه لم يعد يرى نفسه منفصلة عن
ولاية الحجة، لأن الولاية صارت هي المحور الذي تدور حوله كل حركاته وسكناته.
ومن هنا يكون هذا الإعلان تجديدًا
للبيعة، بل أكثر من البيعة: هو تحديد للهويّة.
فالعبد المهدوي لا يُعرَّف باسمه أو
قومه أو مذهبه، بل يُعرّف بعبارته هذه: أنا مولاك.
وهنا يتجلّى البعد الأخلاقي؛ إذ لا
يكفي الادّعاء اللفظي، بل يجب أن تكون السلوكيات انعكاسًا لحقيقة الولاء، فيصبح
الخلق المهدويّ هو المعيار: التواضع، الطهر، الانتظار، والانقياد.
فالقول "أنا مولاك" ليس
بداية علاقة، بل هو نهاية طريق من التهذيب والصفاء حتى صار العبد أهلًا لأن ينسب
نفسه إلى مولاه.
النقطة
الثانية: المعرفة الشهودية بالإمام
إنّ المعرفة في هذا النصّ ليست علمًا
سطحيًا بالإمام، بل هي معرفة شهودية، تحقّقية، تفيض من النور إلى النور.
فقوله "عارفٌ بأولاك
وأخراك" يعني أن العبد يعرف الإمام في مبدأه ومآله، في مقامه الأزليّ
والظهوريّ، أي يعرفه في وجهه الإلهي قبل أن يعرفه في مواقعه التاريخية.
أ-
البعد العقائدي
المعرفة بالأول هي معرفة الحقيقة
المحمدية التي منها تفرّعت الأنوار، فالإمام المهدي هو آخر الامتداد وأوّله في آنٍ
واحد. فمن عرف أوّله عرف آخره:« أولنا محمد وأوسطنا محمد وآخرنا محمد وكلنا محمد. »([3]).
فالعبد المهدوي "عارفٌ
بأولاك" أي يعرف أصل الولاية، ويشهد الامتداد الإلهي من النور المحمدي إلى
النور المهدوي، وهذه معرفةٌ قلبيةٌ لا تُنال بالجدل بل بالصفاء.
ب-
البعد المعرفي
وأما قوله "وأخراك" فيشير
إلى معرفة الإمام في دوره الكونيّ والتاريخيّ الختامي، أي معرفة ظهوره ونصرته،
ومعرفة أن وجوده هو المآل والغاية لكل حركة إيمانية في التاريخ.
فهو "آخر الأولين"
و"خاتم الوارثين"، فمن عرفه في آخره فقد عرف غاية الخلق.
ومن هنا، فالمعرفة هنا هي التي تصنع
الوعي المهدويّ الحقيقي: أن تكون متيقظًا لحضور الإمام في الغيب كما تنتظر ظهوره
في الشهود.
ج-
البعد الأخلاقي
المعرفة الحقيقية تُورث حياءً
وورعًا؛ فكلّما ازداد العبد معرفة بمولاه، ازداد تهيّبًا منه، وحرصًا على أن لا
يرى الإمام منه ما يكره.
فالمعرفة هنا ليست فكرًا بل تربية
نفسية تُنتج سلوكًا راقيًا، عنوانه الأدب في الغيبة والطاعة في الظهور.
النقطة
الثالثة: التكامل بين الانتماء والمعرفة
العبارة المباركة تمزج بين الولاء
والمعرفة: (أنا مولاك) و(عارف بأولاك وأخراك)، وكأنها ترسم خريطة الهوية المهدوية
في بُعدين:
الانتماء الولائيّ: أن يكون العبد
خالصًا لمولاه في الإرادة والطاعة.
الوعي المعرفيّ: أن تكون علاقته
بالإمام قائمة على الفهم والإدراك، لا على التقليد الأعمى.
ومن امتزج فيه هذان البعدان صار من
«شيعة الحقيقة»، كما عن محمد بن عمر بن حنظلة قال:
قال أبو عبد الله عليه السلام: ليس
من شيعتنا من قال بلسانه وخالفنا في أعمالنا وآثارنا ولكن شيعتنا من وافقنا بلسانه
وقلبه، واتبع آثارنا وعمل بأعمالنا، أولئك شيعتنا([4]).
وفي المنظور الأخلاقي، هذا الدمج
ينتج إنسانًا يعيش بين الحضور والانتظار، فحياته كلها صدى لنداء الإمام. يعيش
الولاء في باطنه، والمعرفة في عقله، والسلوك في جوارحه، فيصبح قلبه حرمًا للولاية.
[1] / بحار الأنوار ج 25 / 17.
[2] / الأمالي - الشيخ الصدوق - الصفحة ٧٥٥.
[3] / بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٢٦ -
الصفحة ١٦.
[4] / بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٦٥ -
الصفحة ١٦٤.

تعليقات
إرسال تعليق