المقام الرابع
الزائر
الوفي في ميدان الولاء والاتباع
وَالتَّابِعينَ وَالنَّاصِرينَ لَكَ عَلى أعدائِكَ
لماذ"التابعين"
وللاجابة على هذا السوال اجيب
بجوابين والا فالاجابات كثيرة تحتاج الى كتاب مستقل
شرط في
قبول الأعمال
كما هو معلوم من خلال احاديث اهل بيت
العصمة والطهارة عليهم السلام أنّ ولاية أهل البيت عليهم السلام ومعرفتهم شرط في
قبول الأعمال، يُعتبر من الأمور المسلّمة، بل تكون من ضروريّات مذهب التشيّع
المقدّس. فالزائر لا يطلب أن يكون مجرد مناصرٍ سياسي أو متعاطف، بل أن يكون تابعًا
له، أي أنّ مسيره، وهدفه، وميزان قراره، كلها مأخوذة من نور الإمام.فعن زرارة، عن
أبي جعفر عليه السلام قال: ذروة الامر وسنامه ومفتاحه وباب الأشياء ورضا الرحمان
الطاعة للامام بعد معرفته،أما لو أن رجلا قام ليله وصام نهاره، وتصدق بجميع ماله
وحج جميع دهره،ولم يعرف ولاية ولي الله فيواليه ويكون جميع أعماله بدلالته إليه ما
كان له على الله حق في ثوابه ولا كان من أهل الايمان.وسائل الشيعة ج 1 ص 119.
وعن
أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله (عزوجل):«وَلِلهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى
فَادْعُوهُ بِهَا» [الأعراف: 180]، قال: «نحن والله الأسماء الحسنى التي لا يقبل
الله من العباد عملاً إلَّا بمعرفتنا»( الكافي (ج 1/ ص 143 و144/ باب
النوادر/ ح 4).).
وعن
الإمام الرضا (عليه السلام): «... بالإمام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحجِّ
والجهاد...»( معاني الأخبار (ص 97 و98/ باب معنى الإمام المبين/ ح 2).
الكون
مع الصادقين
ال تعالى: (يا ايها الذين آمنوا
اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) التوبة: 119، وجه الاستدلال ان المراد بوجوب الكون
مع الصادقين مشايعتهم في اقوالهم وافعالهم والخطاب جار في جميع المؤمنين في سائر
الازمنة والامكنة، فلابد في كل زمان من صادق يجب اتباعه، وليس المراد بالصادق
صادقاً ما والا لزم وجوب متابعة كل صدق مرة وهو باطل اجماعاً، بل الصادق في جميع
اقواله وافعاله وهو المعصوم، فيلزم وجود المعصوم في كل زمان ووجوب متابعته وليس هو
الكون الخارجي ، وإنما المراد هو الاتباع والاقتداء في القول والعمل .
التبعية
فنّ الذوبان الواعي
التبعية هنا هي فنّ الذوبان الواعي،
وهي مرتبة أعلى من مجرد المحبة؛ لأن المحبّ قد يخالف محبوبه أحيانًا، أما التابع
الحق فلا يرى لنفسه رأيًا قبال رأي الإمام عليه السلام .
وقد ورد في الحديث الشريف: عن عمرو
بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:قال لي: يا جابر أيكتفي من ينتحل
التشيع أن يقول بحبنا أهل البيت، فوالله
ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه وما كانوا يعرفون يا جابر إلا بالتواضع والتخشع
والأمانة وكثرة ذكر الله والصوم والصلاة والبر بالوالدين والتعاهد للجيران من
الفقراء وأهل المسكنة والغارمين والأيتام وصدق الحديث وتلاوة القرآن وكف الألسن عن
الناس إلا من خير، وكانوا امناء عشائرهم في الأشياء. قال جابر: فقلت:يا ابن رسول
الله ما نعرف اليوم أحدا بهذه الصفة، فقال: يا جابر لا تذهبن بك المذاهب حسب الرجل
أن يقول: أحب عليا وأتولاه ثم لا يكون مع ذلك فعالا؟
فلو قال: إني أحب رسول الله فرسول
الله (صلى الله عليه وآله) خير من علي (عليه السلام) ثم لا يتبع سيرته ولا يعمل
بسنته ما نفعه حبه إياه شيئا، فاتقوا الله واعملوا لما عند الله، ليس بين الله
وبين أحد قرابة، أحب العباد إلى الله عز وجل [وأكرمهم عليه] أتقاهم وأعملهم
بطاعته، يا جابر والله ما يتقرب إلى الله تبارك وتعالى إلا بالطاعة وما معنا براءة
من النار ولا على الله لاحد من حجة، من كان لله مطيعا فهو لنا ولي ومن كان لله
عاصيا فهو لنا عدو، وما تنال ولايتنا إلا بالعمل والورع([1]).
فالتبعية الحقيقية هي الطاعة في
السرّ والعلن، في الاعتقاد والعمل.
ولذا نلاحظ أن الزائر لم يقل:
"وأكون من المحبين لك"، بل قال: "من التابعين لك"، لأن مقام
الانتظار لا يكفي فيه الحبّ، بل يحتاج إلى انقيادٍ في الإرادة والموقف.
فمن كان تابعًا للإمام المهدي عجل
الله فرجه، كانت مواقفه الاجتماعية والسياسية والعبادية منطلقة من ميزان الحقّ
الذي يقيمه الإمام عجل الله فرحه لا من مصالحه الشخصية.
وهنا يُفهم البعد العقائدي:التبعية
هي التجلي العملي للولاية فمن والى الإمام في قلبه، تبعه في سلوكه، وسار في نهجه.
"الناصِرين"
العمل في الميدان لا في الشعور
الانتقال من "التابعين"
إلى "الناصِرين" يكشف عن ترقي الزيارة من الباطن إلى الظاهر، ومن
المعرفة إلى الجهاد.
فالزائر بعد أن يطلب التبعية (أي
انقياد الإرادة)، ينتقل إلى طلب النصرة (أي بذل العمل والطاقة).
وهذا هو الترتيب الإلهي في مسار
الأولياء:
أولًا: المعرفة والطاعة التبعية
ثانيًا: الجهاد والبذل النصرة
وهي نفس الصيغة التي خُتمت بها ثورة
كربلاء، إذ جمع أصحاب الإمام الحسين عليه السلام بين هذين المقامين:كانوا تابعين
له في أمره، ناصرين له في جهاده.
ومن هنا نفهم أن الزائر، حين يتلو
هذه الفقرة، كأنه يقول:"اللهم اجعلني من الذين يتبعون الإمام المهدي عجل الله
فرجه في الغيبة بالولاء والعمل، وينصرونه في الظهور بالفعل والجهاد".
وقد ورد في الرواية: النبي (صلى الله
عليه وآله وسلم) أنه قال: " أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج من الله عز وجل
"([2]).أي أنّ الانتظار الحقيقي
هو عبادة عاملة، لا خمولاً عاطفيًا فكل من يهيّئ نفسه لأن يكون من
"الناصِرين" هو الذي يعيش روح العمل في غيبته.
والنصرة لا تُقاس بحمل السيف فحسب،
بل تشمل:نشر العدل في النفس والمجتمع،الأمر بالمعروف،تربية الجيل على
الولاء،الوقوف في وجه الظلم والانحراف.
إنها نصرة مستمرة في كل عصر، لا تبدأ
يوم الظهور بل تُصنع في زمن الغيبة.
على أعدائك
هذه العبارة "على أعدائك"
تحدد جهة النصرة؛ فهي ليست نصرةً عمياء، بل نصرة في جبهة الوعي الإلهيّ ضد جبهة
الباطل.
أي أن الزائر يعلن انحيازه التام إلى
محور الحق، وهو الإمام عجل الله فرجه، ضد محور الباطل في كل صوره، لا سيّما الباطل
المتخفّي في لباس الدين.
وهنا نلاحظ أن الزيارة لم تذكر أسماء
الأعداء، لأنها تريد أن ترفع المعنى من التاريخ إلى المعيار:كل من يقف في وجه
الحقّ الإلهيّ فهو من أعداء الإمام، ولو لبس ثوب الصلاح.
فالعبد المهدوي لا يقيس الحقّ
بالأشخاص، بل يقيس الأشخاص بالحقّ الذي يمثله الإمام.
قال أمير المؤمنين عليه السلام:«اعرف
الحق تعرف أهله»(نهج البلاغة، الخطبة 132).
وهنا يذكر السيد مرتضى الشيرازي :
والجدير ذكره: إن أحد الحكماء
المعاصرين وهو من دين آخر ولايعرف التشيع ولا الأئمة (عليهم السلام) عندما وصلته
كلمة الأمير (عليه السلام) هذه «اعرف الحق تعرف أهله»، قال: إن هذه الكلمة بمفردها
تصلح منهاجا لسعادة البشرية!
وبالفعل إذا عملت الإنسانية بهذه
الكلمة الرائعة والقيِّمة فسوف تسعد البشرية أيما سعادة!
ومعنى الكلمة ظاهراً: اعرف الحق عبر
الأدلة والبراهين والضوابط والمحددات للحق، ثم انظر إلى درجة انطباقها على زيد أو
عمرو أو غيرهما، فإن انطبقت على شخص فإنه محق، وإلا فلا.
لكن من الغريب جداً أن نجد بعض الناس
عندما يرى اختلافاً في المدارس أو المساجد والحسينيات أو في السوق أو الجامعة أو
غيرها، بين الشيعة تراه يضعف إيمانه أو ينهار، والبعض الآخر قد يرى اختلافا بين
مذهبين أو بين عالمين معينين فيعتقد أن الدين بأكمله كذب وافتراء - والعياذ باللّه
-.( المرابطة في زمن الغيبة الكبرى ص: 112).

تعليقات
إرسال تعليق