دراسة تحليلية في المكارم التسعين في كتاب مكيال المكارم المكرمة السادسة
المتن المكرمة السادسة
المكرمة السادسة:أنه سبب فزع الشيطان
اللعين وتباعده عن الداعي بنحو اليقين، والدليل على ذلك من وجهين:
أحدهما: العقل، وتقريره أنه لا ريب
في أن هذا العمل الشريف عبادة نفيسة توجب كمال الإيمان - كما سيأتي إن شاء الله
تعالى - والقرب إلى الله (عزَّ وجلَّ)، وكلما كمل إيمان المؤمن وازداد قربه من
الله عز اسمه ازداد الشيطان عنه بعدا ونفورا وليس ذلك إلا لميل كل شيء إلى ما هو
من سنخه وجنسه، فكما أن الإنسان كلما كمل في مراتب العبادة والاجتهاد في الطاعة،
وكسب الأخلاق الحسنة قرب من عالم الملكوت وانكشف له ما لا ينكشف لغيره.
- ولذلك ورد في الحديث(بحار الأنوار:
٧٠ / ٥٩ ح ٣٩ باختلاف يسير.): لولا أن الشياطين يحومون حول قلوب بني آدم لنظروا
إلى ملكوت السماء.
كذلك يبعد عن الهواجس الشيطانية،
والوساوس النفسانية، والشهوات الحيوانية ويبعد عنه الشيطان المغوي، والهوى المردي،
حتى يبلغ الدرجة المذكورة.
- في الحديث القدسي، المروي عن
الصادق (عليه السلام) في أصول الكافي(الكافي: ٢ / ٣٥٢ / ح ٧.): ما تقرب إلي عبد
بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وإنه ليتقرب إلي بالنافلة حتى أحبه فإذا أحببته كنت
سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به ويده التي يبطش بها، إن
دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته. الخبر.
أقول: قد اختلج بالبال في توضيح هذا
المقال وجهان:
الأول: أن يكون المراد أن العبد إذا
بلغ تلك الدرجة العليا والمرتبة القصوى لم يكن همه إلا الله تعالى، وذهل عن ما
سواه، وذكر السمع والبصر واللسان من باب المثال، يعني لا يريد شيئا إلا الله، فهو
سمعه وهو بصره، الخ.
- وهذا هو الذي أشار إليه سيد
الساجدين، وإمام العارفين، علي بن الحسين (عليه السلام) في المناجاة حيث يقول: فقد
انقطعت إليك همتي، وانصرفت نحوك رغبتي فأنت لا غيرك مرادي ولك لا لسواك سهري
وسهادي، الخ.
والثاني: أن يكون المراد، أن العبد
إذا كان بتلك المنزلة، حصل له ما أراد، ولم يحجب عنه شيء فمعنى كون الله تعالى
سمعه وبصره ويده أنه يسمع كل ما يمكن أن يسمع، ويبصر كل ما يمكن أن يبصر، ويفعل كل
ما يريد فهو يسمع ما لا يسمعه غيره ويبصر ما لا يبصره غيره، ويفعل ما لا يقدر عليه
غيره. وهذا من الصفات الربانية التي يعطيها الله (عزَّ وجلَّ) إياه حبا له ولهذا
قيل: إن العبد إذا أطاع الله تعالى أطاعه كل شيء.
ويؤيد هذا المعنى قوله (عزَّ وجلَّ):
" إن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته ".
- وفي اللئالي حكى أن إبراهيم بن
أدهم قال: مررت براعي غنم، فقلت هل عندك شربة ماء أو من لبن؟ قال: نعم أيهما أحب
إليك؟ قال: قلت: الماء فضرب بعصاه حجرا صلدا لا صدع فيه فانبجس الماء منه فإذا هو
أبرد من الثلج وأحلى من العسل فبقيت متعجبا قال الراعي: لا تتعجب، فإن العبد إذا
أطاع مولاه أطاعه كل شيء.
ثم إني بعد ما ألهمت هذين الوجهين
بفضل الله تعالى وإفاضته رجعت إلى شرح الأربعين للشيخ المحقق العارف البهائي (ره)
وشرح أصول الكافي(شرح الكافي: ٣٥٨ في أواخر الهامش في باب من أذى المسلمين
واحتقرهم.) للعالم الرباني المولى صالح المازندراني ومرآة العقول للعلامة المجلسي
الثاني (ره) فوجدت في كلام الأولين ما يرجع إلى أول الوجهين، وفي كلام الثالث ما
يرجع إلى الوجه الثاني.
وقد ذكر العلامة المجلسي (ره) وجوها
غير ذلك، وهي أيضا ترجع إلى أحد ذينك الوجهين عند التأمل التام وإن تفاوتت المسالك
والأفهام ولا يخفى أن هذا المقام من مزال الأقدام، والله العاصم وهو ولي الأنام
وبما ذكرناه اتضح معنى قوله تعالى: ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله
أكبر﴾ فإن الظاهر - والله العالم - أن هذا الكلام بيان لأمرين، ثانيهما أعلى من
الأول.
وأولهما: أن الصلاة لما كانت معراجا
للمؤمن، وسببا لقرب العبد من الله (عزَّ وجلَّ) إذا أداها العبد على النحو الذي
أمر الله تعالى به كانت سببا لتباعد الشيطان عن صاحبها ولازم ذلك انتهاؤه عن
الفحشاء والمنكر كما لا يخفى على من استبصر ويدل على هذا روايات عديدة:
- منها: ما في مجمع البيان(مجمع
البيان: ٨ / ٢٨٥.) عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: من لم تنهه صلاته عن
الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا.
أقول: يعني أنه لم يؤد الصلاة حق
أدائها، فلذلك لم يظهر عليه أثرها، والله العالم.
- ومنها: ما في الوسائل(الوسائل: ٣ /
٨١ باب ١ ح ١٤.) عن الرضا عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله
عليه وآله) لا يزال الشيطان ذعرا من المؤمن ما حافظ على مواقيت الصلوات الخمس فإذا
ضيعهن اجترأ عليه فأدخله في العظائم.
أقول: وهكذا الحال في كل عبادة يأتي
بها المؤمن على الوجه الذي أمر الله تعالى به فإن اقتضاء العبادة لله (عزَّ وجلَّ)
القرب منه، ولازمه تباعد الشيطان، وهذا ظاهر بالوجدان ومشاهد بالعيان.
ثم لا يخفى أنه كلما كانت العبادة في
نظر الشارع أهم وأعظم، كان ذلك الاقتضاء فيها أكمل وأتم مثل الصلاة، والولاية،
والزكاة، وقراءة القرآن، والدعاء بتعجيل فرج صاحب الزمان، وأمثالها وكذلك كلما كان
أجمع لشرائط القبول كان أسرع وأكمل في حصول هذا الأمر المعقول وبهذا البيان ظهر
سببية الدعاء بتعجيل فرج مولانا صاحب الزمان لتباعد الشيطان بالدليل والبرهان.
الأمر الثاني من الأمرين اللذين
بينهما الله (عزَّ وجلَّ) في الآية الشريفة، وهو أعلى من الأول، بل هو غاية
الغايات وأعلى العنايات، وهو محض ذكر الله وذكر الله المحض والإعراض والذهول عما
في السماوات والأرض وهو يحصل بصرف العبد جميع آنات عمره في عبادة الله، صارفا نظره
عن كل ما سواه، بأن لا يذكره إلا لأنه ذكره، فهو مطلوبه لا غير من دون التفات إلى
شيء آخر من شر أو خير.
- وهذا الذي أشار إليه سيد العابدين
(عليه السلام) في مناجاته المتقدمة، وفي غيرها من كلماته النافعة الجامعة فإذا أتى
العبد بصلاته تامة كاملة بحقيقتها، التي ينبغي أن يؤتى بها، تباعد الشيطان عنه،
بنحو لا يقرب منه أبدا.
ولقد ذاكرني بعض العلماء المعاصرين
يوما في معنى الحديث الوارد، بأن للصلاة أربعة آلاف حد.
فقلت: إن عدد المعاصي أربعة آلاف على
ما نقل عن بعض علمائنا، فيمكن أن يكون المراد أن هذه حدود لا يتعدى عنها من أدى
الصلاة بحقيقتها، يعني أن الدليل على أداء حقيقة الصلاة هو الاجتناب عن جميع تلك
السيئات، فمن لم ينته عنها، لم يأت بحقيقة الصلاة وتجاوز عن حدود الله فاستحسن هذا
الجواب، والله الهادي إلى نهج الصواب.
ويشهد لهذا الوجه الذي ذكرته بعون
الله تعالى ما مر في الحديث النبوي عن مجمع البيان(مجمع البيان: ٨ / ٢٨٥ تقدم في ص
٣٢٢.).
- وفيه أيضا عن ابن مسعود، عن النبي
(صلى الله عليه وآله)، قال: لا صلاة لمن لم يطع الصلاة وطاعة الصلاة أن تنتهي عن
الفحشاء والمنكر.
قال الشيخ الطبرسي روح الله روحه:
ومعنى ذلك أن الصلاة إذا كانت ناهية عن المعاصي، فمن أقامها ثم لم ينته عن المعاصي
لم تكن صلاته بالصفة التي وصفها الله بها فإن تاب من بعد ذلك، وترك المعاصي، فقد
تبين أن صلاته كانت نافعة له ناهية، وإن لم ينته إلا بعد زمان قال:- وروى أنس أن
فتى من الأنصار كان يصلي الصلاة مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويرتكب
الفواحش، فوصف ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: إن صلاته تنهاه يوما.
- وعن جابر قال: قيل لرسول الله (صلى
الله عليه وآله) إن فلانا يصلي بالنهار، ويسرق بالليل؟ فقال (صلى الله عليه
وآله):إن صلاته لتردعه.
- قال وروى أصحابنا(بحار الأنوار: ٨٢
/ ١٩٨.) عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: من أحب أن يعلم أقبلت صلاته أم لم
تقبل؟ فلينظر هل منعته صلاته عن الفحشاء والمنكر فبقدر ما منعته قبلت منه. إنتهى.
أقول: إنما نقلت تمام هذا الكلام
لدفع ما ربما يسبق إلى بعض الأوهام في مثل هذا المقام، حتى لا يقول معترض لو كان
الدعاء في هذا الأمر سببا لتباعد الشيطان، لم يصدر سيئة عن كثير من أفراد الإنسان،
لدعائه بتعجيل فرج صاحب الزمان، لأنا نقول: إن هذا الأمر الشريف نظير الصلاة فجميع
ما ذكرناه ثمة جار هناك والإشارة كافية لأهل الإدراك.
الوجه الثاني: من الدليل لاقتضاء هذا
الدعاء تباعد الشيطان عن الداعي بتعجيل فرج صاحب الزمان، النقل:
- وهو ما روي في الأمالي(الأمالي
للشيخ الصدوق: ٣٧ مجلس ١٥.) للشيخ الصدوق بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام)
عن آبائه (عليهم السلام) أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال لأصحابه: ألا أخبركم
بشيء إن أنتم فعلتموه تباعد الشيطان منكم تباعد المشرق من المغرب؟ قالوا بلى، قال:
الصوم يسود وجهه والصدقة تكسر ظهره، والحب في الله والموازرة على العمل الصالح
يقطع دابره، والاستغفار يقطع وتينه، ولكل شيء زكاة وزكاة الأبدان الصيام.
أقول: وجه دلالة هذا الحديث الشريف
على المطلوب يتوقف على ذكر مقدمة وهي أن للحب درجات ومراتب ولكل مرتبة من تلك
المراتب أثر وفائدة للمؤمن الراغب فأول الدرجات هو الحب القلبي الذي يعبر عنه في
الفارسية ب (دوست داشتن) وهذه المرتبة هي التي يتوقف عليها الإيمان، والفوز برحمة
الرحمن، والدخول في الجنان، فلو لم يقدر عبد على إظهار ما في قلبه من حب ربه
وأوليائه (عليهم السلام) لكفاه بنص القرآن ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾
وينبعث من هذه المرتبة آثار شتى، بحسب استعدادات العبد وهي أفراد المرتبة الثانية،
التي هي فرع المرتبة الأولى، ويعبر عنه في الفارسية ب (دوستي كردن) وفي العربية
بالتحابب والمودة ونحوهما، وقد يعبر عنه بالحب في الله.
وقد ورد في فضل التحابب والموادة
أحاديث عديدة، ذكرها يوجب التطويل ولكل مرتبة من مراتبه آثار جميلة، وفوائد جليلة،
ومن جملة تلك الآثار الشريفة ما ذكر في تلك الرواية اللطيفة، وهو تباعد الشيطان عن
الإنسان، وهذا من أعظم أنواع الإحسان، من الخالق المنان.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن المراد من
الحب في الله، بقرينة قوله (صلى الله عليه وآله): إن أنتم فعلتموه، الظاهر في
إرادة الأفعال البدنية الإنسانية هو التحابب والموادة، يعني إظهار المحبة القلبية
إلى ذوي العقائد الدينية، بما يصدر من الأفعال البدنية.
ولا ريب أن أعظم أهل الإيمان وهو
مولانا صاحب الزمان أولى بإظهار الحب إليه من جميع أفراد الإنسان، فثمرة التحابب
وهو بعد الشيطان، تحصل بالدعاء لتعجيل فرج مولانا صاحب الزمان، أسرع من حصوله
بالموادة لغيره كائنا من كان، وهكذا الحال في الموادة له بغير الدعاء من أقسام
الموادة والموالاة وكذا الموالاة والموادة للنبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة
الطاهرين وصلحاء المؤمنين درجات بعضها فوق بعض والله سميع عليم.
بيان المكرمة السادسة
الدعاء
يحرر الإنسان من هيمنة الشيطان
إن أخطر ما يواجه الإنسان في طريقه
إلى الله ليس ضعف الإمكانات، ولا كثرة الابتلاءات، وإنما تسلط الشيطان على القلب
والفكر والإرادة. ومن هنا يكشف الميرزا الأصفهاني عن مكرمة جديدة للدعاء بتعجيل
الفرج، وهي أنه ليس مجرد عبادة يثاب عليها المؤمن، بل هو سبب حقيقي لتراجع سلطان
الشيطان، وانكسار نفوذه، وابتعاد وساوسه عن الداعي.
فالدعاء للإمام لا يغيّر المستقبل
فحسب، بل يغيّر الإنسان نفسه، ويحصّن قلبه، ويعيد ترتيب عالمه الروحي، حتى يصبح
أقل قابلية لاختراق الشيطان.
أولًا:
الميرزا لا يبدأ بالرواية... بل بالقانون
من الملفت أن الميرزا لم يبدأ هذه
المكرمة بالروايات، وإنما بدأ بالدليل العقلي.
وهذا يكشف عن منهجه.
فهو يرى أن العلاقة بين العبادة وبين
ابتعاد الشيطان ليست قضية تعبدية محضة، وإنما هي قانون وجودي.
فكل عبادة صحيحة تقرّب العبد من
الله.
وكل قرب من الله يستلزم البعد عن
الشيطان.
ولهذا لم يحتج هذا الأصل إلى رواية
خاصة، لأنه من لوازم السنن الإلهية.
ثانيًا:
الفراغ الروحي هو البيئة التي يعيش فيها الشيطان
يمكن استخراج قاعدة تربوية دقيقة من
كلام الميرزا، وهي:
الشيطان لا يقوى بذاته، وإنما يقوى
بمقدار فراغ القلب من الله.
فكلما امتلأ القلب بذكر الله،
وبولاية أوليائه، وبالدعاء لإمام زمانه، ضاقت مساحة الشيطان.
ولهذا لم يجعل القرآن العلاج الأول
للشيطان هو محاربته، وإنما جعل العلاج:﴿اذكروا الله ذكراً كثيراً﴾
فذكر الله لا يطرد الشيطان من الخارج
فقط، بل يمنع دخوله إلى الداخل.
ثالثًا:
الدعاء للإمام يجمع أعظم أسباب القرب
ليس كل عبادة في رتبة واحدة فالدعاء
بتعجيل الفرج يجمع في وقت واحد:ذكر الله.وطاعة الإمام.وإظهار الولاية.وإحياء أمر
أهل البيت.وانتظار الفرج.والدعاء للمؤمنين جميعًا؛ لأن فرج الإمام فرج الأمة.
ولهذا كان أثره في طرد الشيطان أعظم
من أثر كثير من الأعمال المنفردة.
رابعًا:
الشيطان يخاف من الإنسان المرتبط بالإمام
الشيطان لا يخاف من كثرة المعلومات. ولا
من كثرة الشعارات.بل يخاف من الإنسان الذي أصبح مرتبطًا بالحجة الإلهية.ولهذا فإن
الدعاء المتكرر للإمام يجعل الإنسان يعيش تحت مظلة الولاية ومن كان قريبًا من ولي
الله، ابتعد عنه ولي الشيطان.
خامسًا:
لماذا يكثر الشيطان من إشغال الناس عن الدعاء للفرج؟
ومن اللطائف التي يمكن استخراجها من
كلام الميرزا:أن الشيطان يعلم أن هذا الدعاء يضعف سلطانه.ولهذا تجد أنه يسهل على
الإنسان أن يتحدث ساعات في أمور الدنيا، لكنه قد ينسى دعاء الفرج أيامًا.وليس ذلك
مصادفة.
فإن أول ما يسعى إليه الشيطان هو قطع
الجسر الذي يربط المؤمن بإمامه.
سادسًا:
الدعاء يغيّر قابلية القلب
الميرزا لا يقول إن الشيطان يفقد
وجوده.بل يقول إن تأثيره يضعف.وهذه نكتة دقيقة.فالوسوسة قد تبقى.لكن القلب يصبح
أقوى من أن يستجيب لها.تمامًا كما أن الجراثيم قد تبقى في الهواء، لكن الجسد
السليم يقاومها.فالدعاء يبني المناعة الروحية.ولا يكتفي بإزالة الخطر الخارجي.
سابعًا:
أجمل ما في استدلال الميرزا
من أجمل ما صنعه هنا أنه قاس الدعاء
على الصلاة.فكما أن الصلاة الحقيقية تنهى عن الفحشاء والمنكر، لا بمجرد ألفاظها،
بل بحقيقتها، كذلك الدعاء الحقيقي للإمام.فليس كل من تلفظ بدعاء الفرج بلغ هذه
المكرمة.بل الذي يعيش الدعاء بقلبه.ويجعل الدعاء منهجًا.ويترجم الدعاء إلى
طاعة.هذا هو الذي يبتعد عنه الشيطان.وهذه من أدق الإشارات التربوية في هذا الباب.
ثامنًا:
الدعاء معركة يومية مع إبليس
قد يتصور بعض الناس أن الدعاء للإمام
عمل مهدوي فقط.لكن الميرزا يكشف أنه أيضًا عمل أخلاقي وتربوي.لأن كل دعاء جديد هو
جولة جديدة ينتصر فيها الإنسان على وساوس الشيطان.فإذا داوم المؤمن على الدعاء،
صار يعيش في حالة مقاومة مستمرة.ولذلك فإن الدعاء لا يؤجل أثره إلى يوم الظهور.بل
يبدأ أثره منذ اللحظة التي يخرج فيها من قلب المؤمن.
تكشف هذه المكرمة عن سنة إلهية
عميقة، وهي أن الدعاء بتعجيل الفرج ليس مجرد وسيلة لطلب ظهور الإمام، بل هو وسيلة
لتحرير الإنسان من سلطان الشيطان. فكلما ازداد العبد تعلقًا بإمام زمانه، وداوم
على الدعاء له، ازداد قربًا من الله تعالى، وإذا ازداد قربًا من الله، ضاق مجال
الشيطان في قلبه وفكره وسلوكه. وبذلك يتحول الدعاء إلى حصنٍ روحي، يبني المناعة
الإيمانية، ويصنع إنسانًا أقوى في مواجهة الإغواء، وأقرب إلى الله، وأشد استعدادًا
لنصرة الإمام عند ظهوره.

تعليقات
إرسال تعليق